كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إبداع رمش العين

إبداع رمش العين

تاريخ النشر: 2020-07-02 | 08:49

حكايا الإبداع الإنساني لا تتوقف عند نموذج بعينه، فالتاريخ حمل للبشرية قصص وروايات لا تعد ولا تحصى، بعضها آثر على البقاء، وبعضها غمرته وغطته أتربة الزمن، أو وضع في إحدى الزوايا المظلمة. والإنسان الكائن الناطق، والذي لا تقاص رحلته في الحياة إلآ لحظة، كما ومضة البرق، بيد انه تمكن بتجربته المتراكمة والمتوارثة من جيل لجيل بتقديم نماذج فذة وعبقرية ساهمت بإغناء التجربة الإنسانية في حقول المعرفة والعلم، وكافة مناحي الحياة. 
من هذة النماذج تجربة فريدة على ما اعتقد، تمثلها الكاتب والصحفي الشهير جان دومنيك بوبي، محرر مجلة الأزياء الفرنسية "ELLE"، الذي تعرض وهو في سن ال43 عاما وبالتحديد في الثامن من كانون اول / ديسمبر 1995 بشكل مفاجىء لجلطة حادة، أودعته سرير الغيبوبة لمدة عشرين يوما كاملا، وعندما إستيقظ وجد نفسه حبيس جسده، مصابا ومقيدا بالشلل الكامل، وهو ما يطلق عليه طبيا "متلازمة المنحبس"، والتي تشير إلى إصابة اغلب أعضاء الجسم بالشلل التام، لكن العقل يبقى يقظا ويعمل بإنتظام وإتزان. 
وبذلك دخل دومنيك لحظة فارقة في حياته، لانه لم يعد قادرا على فعل شيء، ولا يملك القدرة على محاكاة الحياة بعناوينها ومظاهرها المتعددة والمتنوعة، لانه لا يستطيع تحريك اي عضو من جسده، ولا يستطيع النطق، ولا الكتابة، إلا انه كان يملك القدرة على تحريك رمش عينه الأيسر فقط. وبه تسلح بالإرادة والتصميم، الذي لا يعرف للإستسلام طريقا، ليبث العالم مشاعره عبر الكتابة من خلال تدريب ذاته، وبمساعدة مساعدته "كلود ميندي بيل" من خلال نطق حروف اللغة أمامه، وعندما يتطابق الحرف مع ما يريد كان يغمض جفنه، وكانت كتابة نصف صفحة في اليوم تستغرق ست ساعات عمل كاملة. 
بفضل الجهد المضني منه ومن مساعدته كلود أنتج دومنيك المبدع أهم مؤلفاته بعنوان "بدلة الغوص والفراشة" في 150 صفحة، الذي روى فيه تجربته المرة. وحاكى العالم بما إعتمل في عقله وصدره، وباح مكنوناته. وما ان صدر مؤلفه حتى حاز على اعلى نسبة مبيعات، ثم تحول في عام 2007 إلى عمل سينمائي بذات العنوان، اخرجه، جوليات شنابل، وقام بدور بوبي الممثل "ماثيو أمالريك"، وحاز الفيلم على العديد من الجوائز والترشيحات، من ضمنها جائزة افضل مخرج في مهرجان كان، وجائزة السعفة الذهبية لإفضل فيلم بلغة اجنبية .. إلخ 
كانت المفارقة ان جان دومنيك رحل بعد ثلاثة ايام من صدور الكتاب، بالضبط في التاسع من مارس 1997، اي وهو في عمر الخامسة والأربعين. وبعد ان حقق برمش عينه إعجازه، وأكد للعالم كله، انه لا يوجد مستحيل، ويستطيع الإنسان ان يصنع ما لا يمكن تصوره، أو إعتباره مستحيلا، حيث أكد دومنيك عدم وجود هذا المستحيل. 
واذكر مع الفارق بين التجربتين الإنسانيتين، أن الكاتب المسرحي العربي السوري، سعد الله ونوس أنتج في آخر ايامه وهو يصارع مرص السرطان أهم كتاباته في اوائل التسعينيات من القرن الماضي، وهي "منمات تاريخية" و"الليالي المخمورة" و"طقوس الإشارات والتحولات" ولم يستسلم نهائيا للمرض، مع انه كان مدركا انه يسير بخطى حثيثة نحو الموت، لكنه لم يخشاه، وجابهه بصناعة الحياة من خلال كتاباته وعطائه المعرفي. 
وكنت زرت المبدع العربي الكبير سعدالله ونوس في بيته في منطقة ركن الدين بمدينة دمشق أثناء المرض، وعشية رحيله، واستمعت إليه جيدا، وهو يؤكد انه لا يهاب السرطان، وسينتصر عليه بسلاح المعرفة، وقال لدي مشاريع كتابة أتمنى ان انجزها قبل الرحيل. وهذا ما حصل. 
تجربتان محتلفتان، لكنهما حملتا هدفا واحدا، التصميم على مجاهة المرض والإعاقة. نعم تجربة جان دومنيك الإبداعية أكثر غرائبية، وفيها جنون الإرادة والإبداع في آن، والقدرة على صناعة المستحيل برمش العين. كان بالتأكيد عملا خارقا للمألوف، ولذا يستحق دومنيك الإنسان والمبدع التكريم، وكل من هو على شاكلته، وخاض غمار تجربته الإستحضار الدائم لتكريس تجاربهم الحية كعنوان للعطاء والإبداع والخلق المعرفي. والتأكيد لكل بني الإنسان، ان الإنسان قادر، وأي كانت درجة الإعاقة والعجز في جسده على العطاء والإنتاج في مختلف ميادين وحقول الإنتاج المعرفي وغير المعرفي وضمن شروطه المحيطة به.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط