كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أبوعمار و"أولوف بالمه" وابن المقفع في ثلاثية الاستماع والثقة والتأثير

أبوعمار و"أولوف بالمه" وابن المقفع في ثلاثية الاستماع والثقة والتأثير

تاريخ النشر: 2023-03-11 | 13:42

كان الأخ حسن فرج مسؤول الشبيبة في حركة فتح يعرض فكرة في اجتماع له مع قيادة شبيبة جامعة بيرزيت، وأثارني سلاسة الطرح وسهولته.
ومع ذلك دقته، فهو حين تعرّض للمطلوب من الشخص الجاذب للآخرين قال ثلاث كلمات ذهبية إذ رأي ضرورة توفر: الشخصية والثقة بالنفس والتأثير.
ولأن هذه القيم الهامة فعلًا تعدّ عند العلماء من عوامل الجذب والاستقطاب والتأثير في الآخرين حاولت الإطلالة على بعض خبراتنا الثقافية الحضارية، والحركية والوطنية وعلى بعض الأقاويل لآخرين.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرًا ونذيرا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا-الأحزاب 45-46) فتكون هذه الأركان الخمسة من مميزات الشخصية المشعّة القادرة على إضاءة الطريق لكل الناس، وعلى رأسهم من سُدّت أمامهم المنافذ.
فهو عليه أفضل الصلاة والسلام شاهدٌ على أمته بالرسالة وخير العمل، وهو مبشّر ونذير كما هو (داعيًا الى لله) قولَا وعملًا، والأجمل أنه بذلك يصبح سراجًا منيرًا (أي شمسًا تستمد نورها من الله سبحانه) يشعُ على الدنيا فيتحلق الكل حوله فهو المنير[1]
من المهم الإشارة الى أن أهم سبل التأثير في الآخرين أمور عدة خبرناها، منها شخصيتك الظاهرة عبر مظاهر: اعتزازك بالله وعبادته والعمل لوجهه أولًا، ثم لفلسطين ضمن عقلية (الرسالية) وتشرفك بالانتماء لهذا البلد قولًا وفعلًا، وأن تكون خدمته هو همّك الدائم، ثم يأتي تمسكك بالقيم والأخلاق والاستقامة ضمن عقلية (النضالية)، وفي جانب الأخلاق والسلوك هذا فإنه يعدّ من أعظم ما يغري الآخرين باتباع منهجك وطريقتك، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: من وعظ أخاهُ بفعله كان هادياً .
وفي لقاء تقييمي مع أحد مفكري الثورة الفلسطينية وهو أبونائل (عبد الفتاح القليلي) كان يركز على موضوعة الجدية –التي استفادها من فترة خدمته كسفير في فيتنام بعد انتصار الثورة الفيتنامية عام 1975م-التي تجعل الانجذاب للشخص أو المؤسسة بشخوصها كبيرًا، فيما كان المفكر الكبير هاني الحسن يرى في القيادة الأبوية كما كان يسميها والقدوة مجالًا جاذبًا عوضًا عما كان يقوم به من إبداء حسن الانصات والاحترام للأخرين مما خبرناه، وقدرته على تفويض الآخرين بالعمل ودعمه.
وفي أول لقاء لنا مع القيادة الاشتراكية في السويد أشاروا لحجم التأثير الذي أسقطته شخصية ياسر عرفات عليهم خاصة مع لقاء أبوعمار مع رئيس وزرائهم "أولوف بالمه" الذي تبيناه منذ العام 1974م حيث (كان للرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين الفضل الكبير في جمع زعيم الثورة الفلسطينية وقائد منظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات مع السيد أولوف بالمه لأول مرة أثناء زيارته للجزائر بتاريخ 19 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1974، خلال دعوة على الغداء)[2].
عن اللقاء مع أبوعمار يقول "أولوف بالمه" بمواجهة المعترضين الكُثُر آنذاك: (لقد تحدثت قليلاً مع ياسر عرفات، قائد منظمة التحرير الفلسطينية، وقلت بعدها للصحافة بأن عرفات شكّل لديّ انطباعاً بأنه ليس متطرفاً في أفكاره ومواقفه في كثير من الأمور التي تحدثت معه فيها.) فأصبح يرى(أنه يوجد هناك شعب فلسطيني، ولهذا الشعب حقوقه الوطنية…لذا وبطريقة ما، علينا الاتصال مع هذا الشعب)[3]
ما نستفيده هنا بالمجال وبجُملة أولف بالمه (شكّل لديّ انطباعاً) أن ياسر عرفات بشخصيته الساحرة وقدراته الجاذبة التي نعرفها وكتبنا عنها الكثير -إضافة للظرف المحيط آنذاك إثر توقفه بالجزائر إثر توجهه لإلقاء الخطاب بالامم المتحدة- قد تركت الأثر العميق، وبالتالي أحدثت التغيير الكبير، مما يجب أن نتبينه ونفهمه وندرسه.
في مثال آخر كان الرئيس باراك أوباما قد ذكر القِيَم التي رفعته وجعلته شخصية مؤثرة، ثم رئيسا للولايات المتحدة الامريكية فذكر بكتابه الضخم الأرض الموعودة أنها ]الصدق والعمل الجاد والتعاطف[[4] وبغض النظر عن رأينا السياسي بمواقفه تجاهنا كعرب وفلسطينيين فمن الواجب الاستماع والفهم والنقد.
يقول العلامة عبدالله والمفكر ابن المقفع[5] في التعامل والاتصال والتواصل مع الناس ما يسميها المجالسة، وما يستتبعها من تحقيق الأثر الإيجابي التالي:
1-أن يتعامل مع الناس بطريقة مثلى، تجمع بين الاحترام والمودة.
2-تحصيل أكبر قدر من المعرفة ؛ ليحصن بها نفسه من الضلال والوهم.
"فأما العلم فيزينك إليه – فيبلغك حاجتك ، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار"
3-أن يلاقى الآخرين بما يودون أن يقابلوا به "لا تجالسن إمرأ بغير طريقته".
4-صعوبة هضم الآخرين لما لم يعرفوه أو يألفوه.
5- لا تشتم ولا تذم الآخرين
6-لا تذم الأسماء: “ولا تستصغرن من هذا شيئًا، فكل ذلك يجرح فى القلب، وجرح اللسان أشد من جرح اليد"
7-لا يكونن منك التكذيب ولا التسخيف لشىء مما يأتى به جليسك. ولكن إذا خشى الإنسان من أن يرسخ هذا القول الكاذب فى أذهان بعض الحاضرين، أو ينتشر من الناس عن طريقهم، فما عليه إلا أن يبين له ذلك
8-لا تجب على سؤال لم يوجه لك
9-ولا تسابق الجلساء في الرد على السؤال العام ، ولا تواثب بالكلام مواثبة
10-من فاتته المشاركة فى الإجابة، عليه الاكتفاء بمن تحدث قبله
11- عدم التعريض بأخطاء الآخرين وعيوبهم.
خلاصة ما نريد قوله إن معادلات حُسن التواصل والجذب والتأثير في الآخرين، لك، لأهدافك ومشاريعك وأعمالك، قد تكون كثيرة ومنها ما يمكن أن يتسق مع شخص ما ومنها مالا يتسق، وقد كتبنا بالموضوع كثيرًا.
ولربما تعرضنا لشخصيات عاشرنا منها القيادات التاريخية قليلًا او كثيرًا وتأثيرها أمثال الراحل الخالد أبوعمار وأبوإياد وأبوجهاد وخالد الحسن وهاني الحسن، وأبوالهول، وصائب عريقات وحكم بلعاوي، ولكل ميزة ولكل قدرة.
وفي جميع الأحوال فإن عُرِفَ الهدف وحُدّد أي جذب الآخرين وكسبهم والتأثير فيهم فلا بأس من التنويع للوسائل (الألحان) على ذات الوتر، أو بكلام آخر مهما تنوعت السُبُل أو الوسائل فلك الاختيار من بينها لتحقق الجذب في إطار القيم والأخلاق العربية والإسلامية والمسيحية المشرقية الأصيلة، وليست تلك القيم المادية الدعائية الاستغلالية الغربية خاوية الروح والمعنى القويم.
يتشكل الموقف التأثيري منك أنت، ومن الآخر أو الآخرين ومن ذات الموقف (العوامل الذاتية والخارجية) والثلاثة تؤثر ببعضها البعض.
لكن الأصل أن تبدأ بنفسك أنت وتؤثر وتفهم وتغير فيها، وهنا برأينا البداية الصحيحة وما كان الظرف أو العامل الخارجي بالمؤثر الأساس بل أنت/أنا.
(مثال قريب: أنظر لفوز شبيبة فتح بجامعة الخليل في شهر مارس 2023م، رغم الهجمة الشرسة والاتهامية التي شنّت على موقف السلطة المحسوبة على مواقف حركة فتح في اجتماع العقبة (مصر والأردن والإسرائيلي والسلطة)) لقد نظر الناس لبطولات شباب فتح في جنين ونابلس والخليل، يمكن أن نقول أن الطلاب لم يلقوا بالًا لسيوف الهدم والتشويه للحركة. لكن لتفهم أنك الأصل بقولك وفعلك (سراجًا منيرًا) مع الطلاب فأنت العامل الحاسم، وليس الموقف الخارجي على أهميته)
يمكننا أن نسأل في إطار تحديد الشخصية المؤثرة في الجامعة أو العمل أو التنظيم، او المجتمع؟
1-من الذي يستمعون له بإصغاء؟
2-من الذي يمتلك المصداقية، ويثقون به؟
3-من الذي يعجبون به أو يقدرونه، أو من هو محط الأنظار والإعجاب والجاذبية؟
كما يمكننا أن نتساءل مَن هو مثلك الأعلى سواء في التاريخ أو الدعوة أو التمثيل أو كرة القدم أو المطربين أو السياسيين أو الشخصيات العامة، ومثلك الأعلى أو نموذجك بمعنى من واحد أوأكثر من المعاني الخمسة التالية: تحبه، تقلده، تطيعه، هو مرجعيتك، تنقاد له.
سنقوم بطرح هذه الأسئلة على الطلاب، ونرى حجم الاستجابة والتفاعل والردود في إطار إيماننا بضرورة المصداقية والموثوقية وحُسن الإصغاء وإظهار الاهتمام وبان تكون قدوة ونموذجًا بالقول والفعل وفق ما نراه.

الحواشي
________________________________________
[1] يقول الشيخ السعدي في تفسيره: كونه (سِرَاجًا مُنِيرًا) وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلَّالًا إلى الصراط المستقيم. فأصبح أهل الاستقامة، قد وضح لهم الطريق، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة. وقال الشيخ ابن عاشور: أرْسَلْناكَ كالسِّراجِ المُنِيرِ في الهِدايَةِ الواضِحَةِ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها والَّتِي لا تَتْرُكُ لِلْباطِلِ شُبْهَةً إلّا فَضَحَتْها وأوْقَفَتِ النّاسَ عَلى دَخائِلِها، كَما يُضِيءُ السِّراجُ الوَقّادُ ظُلْمَةَ المَكانِ.
[2] زار الخالد ياسر عرفات (أبوعمار) السويد رسميا عام 1983م، واستقبله رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه. وتناولت وسائل الإعلام بكل أنواعها، المكتوب منها والمسموع والمرئي، زيارة ياسر عرفات على الصفحات الأولى ولعدة أيام، ومنذ التحضير لها وحتى الانتهاء منها ومن ردود أفعالها. وكان الشعب السويدي على المستويين الرسمي والشعبي منقسم إلى مؤيد ومعارض ومحايد.
[3] رشيد الحجة في دراسته لمركز الأبحاث الفلسطيني المعنونة: سيرة أولوف بالمه 1927 – 1986 ودوره في القضية الفلسطينية.
[4] باراك أبوباما، الأرض الموعودة، دار انطوان عام 2021م، ص32 من الكتاب.
[5] ملخصًا وبتصرف عن مقال أ.د.حامد طاهر، آداب المجالسة عند ابن المقفع.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط