كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

احتجاز جثامين الشهداء: وجه آخر لعنصرية الاحتلال، وتعبير عن انحطاط أخلاقي وقيمي 

احتجاز جثامين الشهداء: وجه آخر لعنصرية الاحتلال، وتعبير عن انحطاط أخلاقي وقيمي 

تاريخ النشر: 2023-03-15 | 12:15

بعد أفول الاستعمار الغربي، قد تكون (إسرائيل) الدولة القائمة بالاحتلال ، هي الدولة الوحيدة في العالم ، التي تحتجز جثامين الشهداء ، كسياسة ممنهجة مبنية على أسس عنصرية تعكس انحطاطاً أخلاقياً وقيماً وموقفاً غير إنساني يندى له الجبين . فما زالت دولة الاحتلال تعتقل جثامين الفدائيين والأسرى منذ بدايات سبعينيات القرن الماضي، أمثال الفدائيين شامخ عز الدين، وحمدان رأفت، ودلال المغربي ، والأسرى أنيس دولة، وبسام السائح، وكمال أبو وعر، وناصر أبو حميد، والعشرات من الفدائيين الفلسطينيين والعرب. 

ومن أجل تنفيذ هذه السياسة العنصرية واللاإنسانية أعد الاحتلال مقابر الأرقام وثلاجات الموتى لاحتجاز جثامين الذين استشهدوا أثناء تنفيذهم عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية، أو استشهدوا في الأسر داخلسجون الاحتلال، أو من تم اغتيالهم على يد قوات الاحتلال.  

 

دولة الاحتلال تحتفظ بأربع مقابر للأرقام يدفن فيها شهداء فلسطينيين وعرب وهي، مقبرة الأرقام المجاورة لجسر "بنات يعقوب" وتقع في منطقة عسكرية، عند ملتقى الحدود الفلسطينية – السورية – اللبنانية، غالبيتهم ممن سقطوا في حرب عام 1982، وما بعد ذلك. ومقبرة الأرقام الواقعة في المنطقة العسكرية المغلقة بين مدينة أريحا وجسر دامية في الغور، وهي محاطة بجدار، معلق فوقه لافتة كبيرة كتب عليها بالعبرية: "مقبرة لضحايا العدو". ومقبرة "ريفيديم" وتقع في الغور. ومقبرة "شحيطة" وتقع في قرية وادي الحمام، شمال مدينة طبريا الواقعة بين جبل أربيل وبحيرة طبريا، وغالبية الجثامين فيها لشهداء معارك منطقة الأغوار بين عامي 1965 – 1975. 

 

احتجاز جثامين الشهداء يرقى لجريمة دولية وفقاً للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، حيث تُلزم تلك الاتفاقيات الاحتلال بتسليم الجثامين إلى ذويهم بشكل فوري، وذلك استناداً للمادة (17) من اتفاقية جنيف الأولى، والتي ألزمت أطراف النزاع التحقق من أن الموتى قد دفنوا باحترام وطبقاً لشعائر دينهم وفي مقابر تُحترم، وتُصان بشكل دائم. والمادة (120) من اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة، تلك المواد التي تؤكد صراحة على ضرورة احترام كرامة المتوفين، ومراعاة طقوسهم الدينية خلال عمليات الدفن عبر تسليمهم إلى ذويهم، وكذلك قرارات لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب . ومع ذلك ما زالت دولة الاحتلال تدير الظهر للقانون الدولي باحتجازها (389) جثماناً لشهداء فلسطينيين وعرب، منهم (256) جثماناً محتجزين منذ عام 1967 فيما يعرف بمقابر الأرقام، كما تحتجز (133) من الشباب والنساء والأطفال في ثلاجات الموتى منذ عام 2015، من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة.

 

لم تتوقف مطالبة الفلسطينيين لسلطات الاحتلال بتسليم جثامين الشهداء لذويهم، ففي العام 2010 نجحت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، في استرداد جثمان الشهيد مشهور العاروري بعد سنوات من النضال القانوني أمام المحاكم بعد احتجاز دام (34) عاماً في مقابر الأرقام، وفي العام التالي تم استرداد جثمان الشهيد حافظ أبو زنط بعد (35) عاماً من الاحتجاز وقد كان رفيقاً للشهيد العاروري، وفي عامي 2013 و2014، جرى تسليم جثامين بعض الشهداء الفلسطينيين قبيل استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية آنذاك.  

وكجزء من سياساتها العنصرية تجاه الفلسطينيين، أوغلت دولة الاحتلال في انتهاكها للقانون الدولي، عندما أصدرت محكمة الاحتلال العليا قراراً في أيلول 2019 يجيز للقائد العسكري الإسرائيلي احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، ودفنهم (مؤقتاً) لأغراض استعمالهم كأوراق تفاوض مستقبلية، وذلك بحسب المادة 133 (3) لأنظمة الطوارئ الإسرائيلية. هذا القرار يتناقض مع قرار سابق للمحكمة ذاتها صدر في شهر 12/ 2017 ينصّ على عدم صلاحية احتجاز الجثامين. قرار المحكمة العليا الصادر في العام 2019 يؤكد من جديد أن السلطة القضائية في دولة الاحتلال هي شريك للسلطة التنفيذية في جرائمها.  

 

تهدف دولة الاحتلال من خلال استمرار اعتقال (الاحتفاظ) جثامين الشهداء في مقابرها وثلاجاتها إلى تحقيق عددٍ من (المكاسب) السياسية، ليس أقلها ممارسة الضغط على الفلسطينيين بشكل عام، وعلى أسر الشهداء بشكل خاص وأيضا محاولة منها لردع الفلسطينيين عن مقاومتها، واستخدام الجثامين كورقة مساومة في أي عملية تبادل للأسرى بين المقاومة والاحتلال، هذا إلى جانب تحقيق مكاسب على الأرض من خلال إدخال قضية الجثامين في ملف المفاوضات واعتمادها كورقة مساومة وضغط على المفاوض الفلسطيني لإجباره على تقديم مزيدٍ من التنازلات. وأيضاً هي شكل من أشكال العقوبات الجماعية، وانتقام من الشهداء بعد موتهم، ومعاقبة ذويهم وعائلاتهم ومضاعفة آلامهم، بمزيد من القهر، وحرمان ذويهم من إكرامهم ودفنهم وفقاً للشريعة. أي أنه شكل من أشكال التعذيب النفسي للأحياء.  

الأمر لا يتوقف عند احتجاز جثامين الشهداء فحسب، بل هناك سرقة لأعضائهم ، وتتعرض جثامينهم لتجارب طبية، سواء من قبل طلبة كليات الطب في جامعات الاحتلال، أو من قبل الأطباء الجدد الذين يخدمون في صفوف جيش الاحتلال. وفي أحيان كثيرة يستخدم الاحتلال جاثمين الشهداء (كبادرة حسن نية) اتجاهنا، وهذا يتطلب من الكل الفلسطيني عدم التعامل مع هذه السياسة إلا بالرفض، وعدم قبول الفكرة من أساسها. 

 

إزاء هذا الصلف الإسرائيلي والانتهاك الجسيم للقانون الدولي من قبل دولة الاحتلال، ولمواجهة هذه الفاشية، والانحطاط الأخلاقي والقيمي والسلوك المشين الذي تمارسه دولة الاحتلال تجاه جثامين الشهداء وذويهم ، يتطلب الأمر من الكل الفلسطيني خطة وطنية بحيث تبقى هذه القضية حيّة ومثارة على مختلف المستويات الرسمية والشعبية والإعلامية محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً.  

أما على المستوى الحقوقي والقانون الدولي، فيجب أن يكون هذا الملف حاضراً على طاولة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، وكل المنظمات الدولية الحكومية ذات الاختصاص والعلاقة. هذا إلى جانب دعوة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، لتحمل مسؤولياتها تجاه انتهاك دولة الاحتلال للقانون الدولي الإنساني، كون دولة الاحتلال طرفاً باتفاقيات جنيف.  

يمكن للسلطة الوطنية الفلسطينية أن تلجأ إلى القضاء الدولي، وفي مقدمة ذلك محكمة العدل الدولية في لاهاي، وذلك من أجل استصدار قرار استئناسي من المحكمة حول مدى قانونية احتجاز جثامين الشهداء من قبل دولة الاحتلال، استناداً للقانون الدولي، هذا إلى جانب ملاحقة العسكريين والسياسيين في دولة الاحتلال أمام القضاء الدولي، وأيضاً أمام القضاء الوطني كلما سمح الأمر في الدول التي تسمح قوانينها بذلك. ويمكن أيضاً لمؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية أن تثير هذا الموضوع أمام الائتلافات والشبكات والاتحادات الحقوقية الدولية الغير حكومية، وذلك من أجل قيام تلك المنظمات الدولية بإثارة الموضوع أمام حكوماتها وبرلماناتها للضغط على دولة الاحتلال.  بالتوازي مع هذا البدء بحملة إعلامية من خلال إثارة هذا الملف على مستوى الرأي العام العالمي ، سواء من خلال المؤتمرات والندوات ومعارض الصور والمقالات لبناء رأي عام دولي مساند لنا، يقابله حملة دبلوماسية رسمية فلسطينية على المستوى الدولي والإقليمي والعربي.  

 

وعلى صعيد أخر، ومن أجل أن تنجح المساعي الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، لا بد من أن نفكر بصوت عالٍ في ضرورة البناء على انجازات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، من خلال مأسسة هذه الحملة عبر مؤسسة وطنية تتبع منظمة التحرير الفلسطينية وباستقلال مالي وإداري، ومجلس إدارة من المؤسسات الرسمية والحقوقية والإعلامية والأكاديمية ، وبخطة وإستراتيجية قوامها ليس فضح ممارسات الاحتلال وسياساته العنصرية فحسب ، بل في (تجييش) العالم للضغط على الاحتلال لتسليم جثامين الشهداء لذويهم. 

 

في الختام، الرحمة لروح المناضل سالم خلة أبو زياد، الذي قاد الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء باقتدار وبإنكار للذات حتى النفس الأخير له، والشكر والامتنان والتقدير العالي للزملاء والزميلات في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان لجهودهم الكبيرة التي يبذلوها ، ولحملهم هذا الملف الوطني وبشكل طوعي بمهنية قل نظيرها. 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط