كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إحسان اختلاف الرأي

هل منطق (الرأي) يفرض على المختلِفين التشاحن والتشاتم والتدابر؟ الذي قد يصل لحد الإتهام وربما القطيعة؟ أم هل من الجائز أن تبقى (قيم المودة أوالاقتراب) قادرة على الوجود في ظل الرأي المختلف؟
أعتقد أنه من الضروري أن تبقى قيم المودة في ظل التعددية الفكرية، فكيف يكون ذلك متحققا إن لم يكن هناك إيمان بها (أي بمبدأ التعددية) من حيث الأصل؟ دون انزعاج يؤدي لقطيعة، بل يجب أن يؤدي لبناء شبكة جديدة من (الاتصال) والعلاقة.
إن مفاهيم (الرأي) مع (المودة) ومع (حُسن الاتصال) معا، ثلاثية ترتبط بمنطق إقرار الإنسان في ذاته أنه حُر وغيره حُر، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا" (يونس:69)، وأنه من حقه أن يفكّر وينظر ويعقل ويتأمل، يقول الله تعالى (" إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا" (سبأ:46) ، "قل أنظروا ماذا في السموات والأرض" (يونس:101) ، "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أوآذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (الحج:46)
يقول الشيخ القرضاوي الذي قد نختلف معه سياسيا، ولكن نتفق في كثير من علمه وفكرة الديني، إذ يقول بهذا الصدد أن الأسلام حمل ((على الذين يقلدون الآباء، أو يقلدون الكبراء والرؤساء، حمل على أولئك الذين يقولون يوم القيامة: "إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا" (الأحزاب:67) وحمل على أولئك الذين يقولون: "إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون" (الزخرف:22) وجعلهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا.. حمل على المقلدين والجامدين ودعا إلى حرية التفكير وإلى إعمال العقل وإعمال النظر، وصاح في الناس صيحته "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (البقرة:111) واعتمد في إثبات العقيدة الإسلامية على الأدلة العقلية، ولهذا قال علماء الإسلام: "إن العقل الصريح أساس النقل الصحيح" العقل أساس النقل))
وهو-أي الانسان المفكر- بذلك كله يتعلم، فاطلبوا العلم من المهد الى اللّحد وبدأنا بإقرأ كما قال الله تعالى لنبيه الكريم، ونظل نتعلم، ومن ظن أنه قد عَلِم (أي اكتمل لديه العلم) فقد جهِل، لذا فالإنسان دوما ناقص الفكرة أو المعلومة أو الرأي ما لم يتجدد ، وهو لذات النقص الدائم هذا فرأيه ليس منزّها وليس صوابا دوما، وليس غير قابل للنقاش، وعليه فهو رأي غير مقدس. ((ومن هنا ظهر في الإسلام نتيجة للحرية الفكرية، الحرية العلمية، وجدنا العلماء يختلفون، ويخطئ بعضهم بعضا، ويرد بعضهم على بعض، ولا يجد أحد في ذلك حرجًا.)) كما قال الشيخ القرضاوي.

إن آفة الرأي الهوى (هوى النفس في الأنانية المفرطة والبُغض والكُره والحب) كما يقول المثل العربي، وآفة الرأي أيضا الإطلاق (أي التعميم بإطلاق الأحكام على الآخرين دون أخذ تحوطات الحالات حسب الزمان والمكان وطبيعة الحال ... ) وآفة الرأي افتراض الصواب المطلق لسبب أن الشخص هذا يظن في نفسه الصلاح دون غيره، أو الفكر أوالتدين -على طريقته- دون سواه، أوالعلم دون سواه، أوالتجربة الرائدة بذاته.
وأيضا ما يداهمنا حاليا لدى الكثيرين هوافتراض (القداسة) لرأيه لمجرد أنه يفقه الكثير أو القليل أو لمجرد أنه منتسب لتنظيم (إسلاموي)، أو لأنه يتبع هذا الشيخ أو الإمام أو القائد أو الزعيم أو المُحدّث أو المجتهد أو سواه.
إن آفة الرأي الهوى والإطلاق وافتراض الصحة الدائمة والقداسة كما آفة الرأي أيضا (العبودية) لغير الله بإتباع الآخرين كالماشية بلا عقل وبلا روح، وهم من أسماهم الرسول عليه السلام (بالإمعات).
إن العبودية لله حرية من إتّباع العبيد أي الناس، لذا نرى تكرار نحر الوعي وتأجير العقل وإغلاق الأدمغة عند التابعين بلا عقل من خلال تردادهم (هذا ما وجدنا عليه آباؤنا ... ) أو (كبراؤنا) أوشيوخنا أو قادتنا حتى لو فسقوا أو ضلوا أولم يسعفهم منهج تفكيرهم حينها أو جاوزوا ما نعتقد أنه الصواب موثقا، و(نحن لهم مقتدون) وعلى ما يقولون دون تفكير وتجديد وتمحيص وهدى سائرون، وكما يقول الله تعالى في هذه الفئة الى آخر الزمان "إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون" (الزخرف:22)
الرأي من حيث هو رأي، ولأنه انساني، ولأنه يستند لمعلومة أو خبر أوحدث ، ولأنه خاضع لتقلبات الوعي والنقل ولطبيعة أو منهج التفكير، فهو -أي الرأي-قابل للتثبيت أو للنقض أو للتعديل، ومن يفترض في رأيه غير ذلك يدخل في مستنقع الجمود العقلاني.
الرأي متعدد في ذات الشخص، بل وربما لذات القضية/المسألة، ما هو وعي بتعدد الصواب أو تعدد الخيارات، فكيف الحال في نظرتي أنا الى أفكار الآخرين؟ ألا يحق لهم مخالفتي؟
بدون الوعي بأن لي رأي، وللآخر رأي لا يكون (للتواصل) ضرورة، إذ يصبح الناس إما نسخ حاسوبية مكرّرة بكل شيء إن لم يتحاوروا ويختلفوا، أويصبح كل منهم في وادٍ مختلف، أو كل في مساحته يتموضع لا يقاطع هذه المساحة أويشاركها مع غيره إلا إن اتفق معه فقط .
التقاطع في المساحة (الفكرية) مطلوب في ظل التواصل، وإن لم يكن ذلك ممكنا فيجب أن نسمح (بالتجاور) بين المساحات المتعددة في ذات أو بين الناس أي أن يُترك كلٌّ يُعبر عن رأيه في مساحته وفق آداب الدين والقيم والضمير في الحوار والنقاش والنقد.
أن نصل لمرحلة لا يصبح فيها اختلاف الرأي مُشعِلا لنار فتنة وهجر وحرب، و(اختلاف أمتى رحمة) وأن نصل لمرحلة يكون فيها (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) يعني تعويد النفس وتدريبها على التقبّل للآخر (بمحبة وود، أو بحُسن رفض على الأقل) دون شحنات غضب، أوشحنات حقد، يعني أننا في بداية هامة وضرورية للتخلص من آفات النفس.
لست بوارد أن اقف حارسا على شفاه الناس أو منطلقات تفكيرهم أو هوى نفوسهم، ولست معنيا بإقناع كل الناس بما أؤمن به، لأنه ما من شخص إلا له حق أن يؤمن أو يكفر سواء عقديا (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(الكهف 29)، أوفي الرأي الانساني المتمثل بشؤون الدنيا كلها.
إن قاعدة (الدعوة) سواء للدين أوالرأي أو التوجه أو التفضيل لشيء أوالاستحسان أو الاستقباح لشيء آخر....الخ، قاعدة أصلية لا تشذّ عن القاعدة الربانية (بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل 125)، ومن هنا يكون من "الأحسن" أن نختلف بمحبة ومودّة، وأن نختلف ولا نقطع خطوط الاتصال، ونتخيّر آليات الدعوة بأي من طرق (الحكمة) أو (الموعظة الحسنة) أو(الجدل الحسن) أيضا.
أما الحوار-هو غير الدعوة أو التنظير أو الاقناع- فلا يفترض به مبادئ الدعوة -أي رغبة الإقناع ونشر الفكرة ما هو أساس الدعوة- فقد لا يكون من مهمات الحوار بالضرورة تحقيق الاقناع حُكما، حيث قد يقع هدف الحوار في تحقيق التوضيح لأمر، أو الكشف عن غامض أو موضوع ، أو التساؤل والاستفسار، أوتحقيق التفكير المشترك، أو الإغناء أو حتى مجرد عرض الرأي.
نعود لنؤكد بعد هذه العرض السريع أن الحوار والتفكير والرأي حق للجميع مهما كانت درجات الإختلاف بين الناس في أي مجتمع وفي كل الأديان، والإيمان بذلك مَجلَبة للحرية ، وبعيدا عن الجمود العقلاني وافتراض الكمال أو القداسة لرأينا فكلما طوّعنا أنفسنا على تحمل بعضنا البعض بمعنى تجاور تعدد الآراء في الموضوع الواحد، دون الإضرار بقيم المحبة والمودة والتقارب، كلما استطعنا أيجاد وسيلة سلسة سهلة للتواصل الحسن.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط