كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اختلال التوازن الوطني في المؤتمر الثامن لحركة فتح: الداخل والخارج في ميزان المراجعة

اختلال التوازن الوطني في المؤتمر الثامن لحركة فتح: الداخل والخارج في ميزان المراجعة

تاريخ النشر: 2026-06-08 | 09:41

لم تكن نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح مجرد استحقاق تنظيمي داخلي أو عملية انتخابية اعتيادية، بل شكلت محطة سياسية وتنظيمية مهمة كشفت عن جملة من التحولات العميقة داخل الحركة، وأثارت العديد من التساؤلات المتعلقة بطبيعة التمثيل، وآليات الاختيار، ومستقبل التوازنات التاريخية التي شكلت أحد أهم عناصر قوة فتح ومصدر شرعيتها الوطنية.
فقد حملت النتائج رسائل متعددة تتجاوز أسماء الفائزين والخاسرين، لتلامس جوهر البنية التنظيمية للحركة واتجاهاتها المستقبلية. وإذا كان من حق كل مؤتمر أن يفرز قياداته وفقاً للآليات الديمقراطية المعتمدة، فإن من حق الحركة أيضاً، بل من واجبها، أن تقرأ نتائجها بموضوعية ومسؤولية، وأن تتوقف أمام ما أفرزته من مؤشرات واختلالات تستوجب المراجعة والمعالجة.
لقد بدا واضحاً تراجع تمثيل بعض المكونات التاريخية داخل الأطر القيادية المنتخبة. فالحضور المسيحي الفلسطيني، الذي كان جزءاً أصيلاً من التجربة الوطنية الفلسطينية ومن مسيرة حركة فتح منذ انطلاقتها، تراجع بصورة لافتة رغم وجود عدد كبير من الكفاءات والقيادات المسيحية التي راكمت تجربة نضالية وتنظيمية طويلة. كما أن تمثيل المرأة، على الرغم من التقدم النسبي الذي تحقق، ما زال دون مستوى الدور الحقيقي الذي لعبته المرأة الفلسطينية في مختلف مراحل النضال الوطني، ودون حجم تضحياتها ومشاركتها الفاعلة في بناء الحركة ومؤسساتها.
غير أن القضية الأكثر أهمية وخطورة تتعلق بالتراجع الواضح لمكانة الخارج الفلسطيني داخل البنية القيادية للحركة، وهو ما يشكل تحولاً يستحق الوقوف أمامه بجدية، لأن حركة فتح لم تُبنَ تاريخياً على أساس جغرافيا الداخل وحدها، بل قامت على شراكة متكاملة بين الداخل والخارج، وبين الوطن والشتات، وبين مختلف ساحات النضال الفلسطيني.
لقد كان الخارج الفلسطيني، ولا يزال، أحد أهم ركائز الحركة الوطنية الفلسطينية. فمن مخيمات اللجوء انطلقت البدايات الأولى للحركة، وفي ساحات الشتات تشكلت هياكلها التنظيمية الأولى، ومن العواصم العربية والدولية خاضت فتح معاركها السياسية والدبلوماسية والإعلامية دفاعاً عن القضية الفلسطينية. كما شكلت الجاليات الفلسطينية في الخارج خزّاناً بشرياً ووطنياً أسهم في دعم المشروع الوطني الفلسطيني سياسياً ومالياً ومعنوياً، وقدمت آلاف المناضلين والشهداء والأسرى والقادة الذين أسهموا في بناء الحركة ومؤسساتها الوطنية.
ولذلك فإن ما أفرزته نتائج المؤتمر من هيمنة شبه مطلقة للداخل على المواقع القيادية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تفصيل تنظيمي عابر، بل يعكس خللاً في التوازن التاريخي الذي شكل أحد أسرار نجاح الحركة واستمرارها. فالتوازن بين الداخل والخارج لم يكن يوماً مسألة عددية أو جغرافية، بل كان تعبيراً عن وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته ووحدة ساحات نضاله.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا التراجع في حضور الخارج يأتي في مرحلة أصبحت فيها أهمية الساحات العربية والدولية أكبر من أي وقت مضى. فالقضية الفلسطينية تخوض اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة، ولم تعد المواجهة محصورة داخل حدود الأرض المحتلة، بل أصبحت معركة سياسية وقانونية ودبلوماسية وإعلامية عالمية تُخاض في المحاكم الدولية، والبرلمانات، والجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، ومؤسسات صنع القرار الدولي.
وفي هذه الساحات تحديداً يمتلك أبناء الخارج الفلسطيني حضوراً وخبرة وشبكات علاقات تراكمت عبر عقود طويلة من العمل الوطني والدبلوماسي، الأمر الذي يجعل من تهميش دورهم أو تقليص حضورهم في دوائر القرار التنظيمي إضعافاً لإحدى أهم أدوات القوة الفلسطينية في هذه المرحلة الحساسة.
وفي المقابل، برزت ظاهرة أخرى لا تقل أهمية وخطورة، تتمثل في الحضور الكثيف، بل والهيمنة الواضحة في بعض المواقع، لشاغلي المواقع الرسمية والوظيفية في مؤسسات السلطة الفلسطينية داخل المؤسسات القيادية المنتخبة في الحركة. وهنا لا يتعلق الأمر بالأشخاص أو بكفاءاتهم أو بحقهم في الترشح والانتخاب، وإنما بطبيعة العلاقة التي باتت تتشكل بين الحركة والسلطة، وبين المسؤولية التنظيمية والموقع الوظيفي.
فحركة فتح وُجدت قبل قيام السلطة الفلسطينية بنحو ثلاثة عقود، وقادت المشروع الوطني الفلسطيني في مختلف ساحات النضال السياسي والشعبي والدبلوماسي قبل قيام السلطة وبعدها. وهي، بوصفها حركة تحرر وطني، أوسع بكثير من مؤسسات السلطة وأدوارها الإدارية والتنفيذية.
ومن هنا فإن الحركة لا يجوز أن تُختزل في السلطة، كما لا يجوز أن تصبح المواقع التنظيمية امتداداً للمواقع الوظيفية أو انعكاساً لمراكز النفوذ الإداري. فوظيفة السلطة، مهما بلغت أهميتها، تبقى مرتبطة بإدارة الشأن العام في ظل واقع سياسي معقد ومقيد، بينما تبقى وظيفة الحركة أوسع وأشمل، لأنها معنية بقيادة المشروع الوطني الفلسطيني والدفاع عن الحقوق الوطنية وتمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
وعندما تتسع دائرة سيطرة شاغلي المواقع الرسمية والوظيفية في مؤسسات السلطة الفلسطينية على المواقع القيادية في الحركة، فإن ذلك يثير مخاوف مشروعة من تراجع استقلالية القرار التنظيمي، ومن تضاؤل فرص الكفاءات الوطنية الأخرى التي تعمل في الميدان السياسي والتنظيمي والدبلوماسي والنقابي والأكاديمي وفي ساحات الشتات الفلسطيني.
كما أن هذا الواقع قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تغليب الاعتبارات الوظيفية والإدارية على الاعتبارات الوطنية والتنظيمية، وإلى تحويل التنافس الداخلي من منافسة بين البرامج والرؤى والكفاءات إلى منافسة بين مراكز النفوذ والإمكانات المتاحة لأصحاب المواقع الرسمية.
إلى جانب ذلك، فإن شعور قطاعات واسعة من الكوادر بأن التحالفات والتكتلات الداخلية أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد النتائج، أكثر من الكفاءة والتاريخ النضالي والعطاء التنظيمي، يترك آثاراً سلبية على الحالة التنظيمية، ويضعف ثقة الأعضاء بجدوى المشاركة والمنافسة، ويؤدي تدريجياً إلى تراجع الحيوية الداخلية التي تحتاجها أي حركة وطنية تسعى إلى التجدد والاستمرار.
إن أخطر ما قد تواجهه حركات التحرر الوطني ليس تراجع شعبيتها أو تعرضها للضغوط الخارجية، بل أن تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل جميع مكونات شعبها، أو أن تنزاح أولوياتها من فضاء التحرر الوطني الواسع إلى فضاء السلطة الأضيق. فالحركة التي ولدت من رحم الثورة مطالبة دائماً بالحفاظ على روح الثورة فيها، حتى وهي تدير مؤسسات السلطة، وإلا فإنها تخاطر بفقدان التوازن الذي منحها تاريخياً شرعيتها ومكانتها ودورها القيادي.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن المشروع الوطني كان أقوى ما يكون عندما تكاملت أدوار الداخل والخارج، وعندما اجتمعت طاقات المخيم والمدينة، والمنفى والوطن، والدبلوماسية والعمل السياسي والنضالي، ضمن رؤية وطنية جامعة. أما عندما يختل هذا التوازن، فإن الخسارة لا تصيب فئة بعينها أو ساحة دون أخرى، بل تصيب الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها.
ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للخارج الفلسطيني، وتعزيز التنوع داخل المؤسسات القيادية، وتوسيع دائرة المشاركة، وإعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والعطاء والخبرة النضالية، ليست مطالب فئوية أو جغرافية، بل ضرورة وطنية تتصل مباشرة بمستقبل حركة فتح وقدرتها على مواصلة دورها التاريخي كحركة تحرر وطني وقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني.
لقد أخفق المؤتمر الثامن، إلى حد بعيد، في استعادة التوازن التاريخي بين الداخل والخارج، وفي توجيه رسالة واضحة تؤكد أن ساحات الشتات ما زالت شريكاً كاملاً في صناعة القرار الوطني والتنظيمي. بل إن النتائج أعطت انطباعاً بأن مركز الثقل القيادي يتجه بصورة متزايدة نحو الداخل ومؤسسات السلطة، على حساب البعد الوطني الشامل الذي ميّز فتح طوال تاريخها.
ولا يتعلق الأمر هنا بصراع بين الداخل والخارج، أو بمنافسة بين ساحات الحركة المختلفة، بل بضرورة إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية الجامعة التي قامت عليها الحركة منذ تأسيسها. فالقضية الفلسطينية ليست قضية الداخل وحده، كما أنها ليست قضية الشتات وحده، وإنما قضية شعب واحد تتكامل أدواره وتتوزع مسؤولياته في معركة الحرية والاستقلال.
إن قوة فتح لم تكن يوماً في غلبة طرف على آخر، ولا في احتكار القرار من قبل فئة أو جغرافيا بعينها، بل في قدرتها على استيعاب الجميع وتمثيل الجميع وتوظيف طاقات الجميع في خدمة المشروع الوطني.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحركة بحاجة إلى مراجعة تنظيمية وسياسية شجاعة تعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة، وللتوازن بين الداخل والخارج، وللتنوع الذي شكّل على الدوام مصدر قوتها وحيويتها وشرعيتها الوطنية.
فالحركات الكبرى لا تُقاس فقط بنتائج مؤتمراتها، بل بقدرتها على مراجعة ذاتها وتصويب مسارها وتجديد أدواتها. أما فتح، التي حملت على مدى عقود راية المشروع الوطني الفلسطيني، فإن مسؤوليتها التاريخية تقتضي أن تبقى إطاراً وطنياً جامعاً لكل الفلسطينيين، في الوطن والشتات، وفي الداخل والخارج، بعيداً عن الإقصاء أو التهميش أو اختلال التوازنات التي صنعت مجدها ودورها ومكانتها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد المؤتمر الثامن: هل ستتعامل الحركة مع هذه المؤشرات بوصفها فرصة للمراجعة والتصويب، أم ستكتفي باعتبارها مجرد نتائج انتخابية عابرة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل فتح ودورها ومكانتها في السنوات القادمة، كما ستحدد قدرتها على مواصلة أداء دورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني في واحدة من أكثر المراحل خطورة وتعقيداً في تاريخ شعبنا وقضيته الوطنية.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط