كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اخفقت النهضة أم عزلة شريك

 الراحل البارودي خط بأبياته على الصخاري مشروعه الوحدوي للعرب ، عندما قال ، بلاد العُرب أوطاني من الشام لبغدانٍ ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصر فتطوان / فلا حدٌ يباعدنا ولا دين يفرقنا / لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان .. تونس المرة الثانية على التوالي تجمع العرب من أول السطر ، كأنها تقدم لنا استخراجات بشكل سلس وهادئ لواقع أُتخم بتدخُلات الخارجية ، من جانب ، ومن جانب أخر ، يتعلق بقسمة أبناء الوطن ، لهذا ، فإن الاستقراء حتى لو كان من خارج حدود تونس ، فهو ، في نهاية المطاف يساعد في ربط ما تقدم لجملة نتائج تاريخية وأخرى حديثة وما توالت الانتخابات من حقائق باتت ، قدر ، أهل الواقع ، وهي ، بالتأكيد مصيرية ، ليس فقط لتونس ، بل ، لشمال أفريقيا على الأخص ، وبالتالي ، من واجب المراقب توظيف جملة قرائن ومقاربات التى حفظها التاريخ كما حفظتها الذاكرة الذاتية التى نحتكم إليهما ، بالطبع ، لنرجح استقراء على توقعات ، احتكرت التلفزة بإيقاعاتها .

نداء تونس ، اسسه محمد باجي قائد السبسي عام 2012 م الذي تولى رئاسة الوزراء بعد ما اطاحت الثورة بنظام ابن علي في كانون الثاني من عام 2010 تضامناً مع بوعزيزي ، السبسي ، هو دون أدنى شك ، أحد رجال النظام البورقيبي منذ 1963 حتى 1991 م تولى العديد من المناصب العسكرية والأمنية والمدنية ، ويستطيع المرء أن يطلق على الرجل بأنه الشخصية المتبقية من العهد القديم والتي استطاعت في فترة وجيزة أن تجمع حولها قواعد شعبية ، تماماً ، كما هو حال ، أحزاب وشخصيات مستقلة لاقت به المنقذ الوحيد ، وبالرغم ، من تقدم السبسي بالعمر ، وللحقيقة يقول المرء ، أنها الشخصية الوحيدة القادرة على ملء القسم الأخر من الوطن ، أمام حركة لها باع طويل في الحركة التاريخية التونسية والتى تمثل التيار الإسلامي العريض منذ 1972 م لكنها ، في الآونة الأخيرة احدثت النهضة تغيرات كبيرة عندما خطت خطى حزب العدالة والتنمية في تركيا وبذات الوقت سجلت ابتعاداً ، واضح ، عندما حاولت إيجاد مساحة ، حولتها ، إلى فارق مضاد للنموذجين ، طالبان والسعودي ، لأن ، اعتقدت النهضة ومن خلال فلسفة حكيمها راشد الغنوشي بأنها بحاجة إلى الاقتراب من نماذج إسلامية ناجحة ، خصوصاً ، في مرحلة الانتقال ، قابلة للحياة مع المجتمع الدولي ، مثل ، التركي والماليزي والاندونيسي ، هم ، نماذج جمعوا بين الإسلام والحداثة ودعموا بتوجهاتهم الاقتصاد الليبرالي ، المعتدل ، دون أن تتخلى النهضة عن توجهاتها اليمينية في الجانب الاجتماعي . الذي وضعها داخل دائرة التساؤل حول رغبتها بالابتعاد عن الاسلام السياسي الراديكالي ،علما أن تاريخها حافل بتحالفات سياسية معه ، وأيضاً ، بعمر مليء من الاعتقالات والمطاردات والنفي .

في الذاكرة ما يكفي كي يجنبنا فعلاً الوقوع في تهويلات ، هي ، خارجة عن سياق الحقائق ، وتسمح فولاذيتها أن تقدم تفسير يتحرى الابتعاد عن الضحالة السائدة والتى تجعل الجهالة بوصلة تقود المرء دون أن يستشعر بأمواجها السريعة والشديدة ، فالدوامة ، أعلاها متسع وأسفلها ضيق ، وكما يبدو ، احياناً ، التجهيل مطالب سياسي يعتاش عليه البعض للبقاء على المشهد السياسي ، لهذا ، تكثر الدوامات ، فحركة النهضة التى تراجعت في الانتخابات الحالية بفارق عشرين مقعد لم يكن في الواقع تراجع بقدر أنها خسرت شريك منحها في الانتخابات السابقة أصوات تنظيمه وأنصاره ، هي ، السلفية التونسية ، التي تحالفت مبكراً بعد الثورة مع حركة النهضة ، كما حصل ذلك في ليبيا ومصر ، مع ذلك ، كان لمرور الوقت اثر بالغ عند الشريك ، حيث ، لم تسجل حكومتي النهضة أي تغيير نوعي حتى لو بسيط في انماط المشهد السياسي ، الداخلي أو الخارجي ، تحديداً العربي ، في سوريا ثم لاحقاً ظهور الدولة الإسلامية داعش ، مما جعل التيار السلفي في تونس أن يدير ظهره لكل ما يجري من سياقات ديمقراطية ، أعتقد ومازال يعتقد أنها مضيعة وإهدار للوقت ، لهذا ، نداء تونس ، لم يأتي بأغلبية المقاعد التشريعية على حساب حركة النهضة ، بل ، العكس ، كانت على حساب التيارات المتحالفة مع النهضة ، هي ، علمانية وأخرى ليبرالية ويسارية أمثال حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يترأسه شرفياً ، الرئيس الحالي المنصف المرزوقي وقد حصل في الانتخابات السابقة على 29 معقد جاء بالمرتبة الثانية تلاه تيار المحبة ، اليوم ، سابقاً ، العريضة الشعبية الذي يتزعمها محمد الهاشمي الحامدي مرشح الرئاسة القادمة وصاحب فضائية سياسية بامتياز تُسمى المستقلة وتبث من لندن ، بنصيب 26 مقعد ، واعتبرت المكونات السياسية التونسية في حينها بأن نجاح قوائم العريضة ونيلها المرتبة الثالثة بمثابة مفاجأة في اوساط المراقبين ، لكن ، هناك أيضاً ، مفاجأة جديدة لا تقل مضمونها عن الانتخابات الماضية ، أو أقل شأناً عن سابقتها ، فمقارنتها واجبة وليس جائزة فقط ، عندما يحل في المرتبة الثالثة حزب الإتحاد الوطني الذي يتزعمه سليم الرياحي رجل الأعمال الثري ورئيس نادي الأفريقي ، حيث ، يعدّ من أهم الأندية الرياضية في شمال أفريقيا ، بالطبع ، كانت قواعد الفريق وراء حصوله على تلك المقاعد ال 16 ، وأخيراً جاءت جبهة الشعبية في المرتبة الرابعة التى حصدت 15 مقعد ، وبالرغم من عدم قدرة الحكومتين التى شكلتهم النهضة في معالجة العديد من المسائل التنموية وعلى رأسها توفير الأمن وتقليص البطالة وإيجاد حلول جذرية للاقتصاد وتحريره من الاعتماد على السياحة ، فقط ، من خلال تنفيذ مشاريع بحجم الوطن التى تستطيع استيعاب خرجين الجامعات والمهنيين وغيرهم ، وبالرغم أيضاً ، من الجمود الذي خيم على نمطيتها ، حيث لم تترك أي رصيد يسمح للمرء ان يذكرها ، إلا أنها ، تمكنت من المحافظة على 69 مقعداً التى يسمح لها لاحقاً من عقد تحالفات مع تجمعات أقل حجماً ، لكنها ، مشهود عداءها لفئتي رجال الأعمال وأعوان نظام بن علي المنصرف عن المشهد السياسي الحاضر بقوة بين شخصيات مستقلة وأخرى سياسية وأمنية متوارية خلف ، نداء تونس .

تمثل السلفية التونسية إحدى التيارات الإسلامية المهمة ، بل ، توصف حالياً بأنها التيار الإسلامي الصاعد في صمت ، ولأن خطورتها تكمن بالقدرة على الانتشار بين شريحة عمرية تتراوح من 25 إلى 30 عاماً وتنخفض ، أحياناً ، إلى 19 عاماً ، كما تصيب الطبقات الثلاثة ، الفقيرة والوسط والأغنياء ، وهذا ما يفسر تراجع نسبة المشاركين في عملية الانتخابات ، كونها دنت بفارق ملحوظ عن الانتخابات السابقة ، وبالتالي ، تحمل النتائج دلالات انقسامية ، هي ، قادمة بشكلها الأعمق عما قريب ، فالمسألة ليست مقتصرة على من خاض الانتخابات بأشكالها ، الرئاسية والتشريعية والبلدية وغيرهم بقدر ما ينبغي ان تفرز الانتخابات حالة توحيدية ، تجميعية ، جامعة ، حول سياقات دفعت الأغلبية ثمن باهظ كي تتحقق مطالبها التى تؤمن بأنها تأخرت عقود من الزمن ، إن كانت داخلية ، وما أكثرها ، وبذات الوقت قادرة على محاكاة التطورات المحيطة بتونس ، وما أعقدها ، فإذا كان الذين مارسوا حق التصويت منقسمين حول الفكرة والدولة وصيغتيهما ، رغم ، أن الفارق بالنتائج ليس كبيراً الذي يتيح لفريق عن الأخر بتشكيل حكومة بمفرده ، في المقابل ، يحمل الجانب الأخر في الوطن أمراً يبدو أكثر تعقيداً من أول ، بل ، مركباً ، لأن حجم الحردانين والرافضين للعميلة برمتها كبير ، وبالتالي ، استنكفوا عن ممارسة حقهم في المشاركة ورأوا بأن التنافس ليس أكثر من نوايا تنحصر بين إطاحة فريق وانقضاض الأخر دون أن يحمل التغير فكر متجدد يجتمع حوله أغلبية البشر .

بُنيت الدولة التونسية الحديثة على اساس نظام بوليسي ولم يكن ، ابداً ، للجيش ، تاريخياً ، ذات تأثير على النظام كما هو عند الشعب ، وعندما فقدت الداخلية هيبتها وجبروتها بعد الثورة تحولت الدولة من فاشلة إلى رخوة وعلى أتم الجهوزية ، الآن ، أن تتحول إلى مستباحة كما ، هو ، الحال في كل من سوريا واليمن وليبيا الجارة الأهم في الاستقرار والفوضى ، وهذا ، على الأقل ما يسعى إليه الجانب العسكري في الحركة السلفية التونسية بقيادة شيخها الخطيب الإدريسي ( ابو اسامة ) والتى نسجت علاقات عابرة للحدود مع المليشيات المقاتلة في ليبيا وأخرى بين العراق وسوريا ، وبالرغم ، من تحفظ عناصر التنظيم القيام بعمليات في وسط العاصمة أو المدن الكبرى ، وإن كانت حدثت بعض العمليات ، هي ، يتيمة تكاد لا تذكر ، إلا أنها ، ركزت وجودها عند خطوط حدودية المتاخمة لليبيا والجزائر ، وحيث ، تعمدت عامداً التحكم في بعض النقاط كي تبقي حركتها سهلة ومرنة وبمأمن عن حرس الحدود ، ثمة ، اعتقاد راسخ لدي الجماعات المسلحة في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي بأن الأولوية ، هي ، السيطرة الكاملة على بلاد الشام من خلال حسم المعارك لصالحها التى بدورها تعمل منذ بداية الاشتباك المسلح على تعبئة العناصر وإمداد بهم إلى مواقع القتال ، ولأن وطيس الحراك الداخلي اشتعل منذ انتهاء علميات فرز الأصوات بالإضافة إلى وطاسه أكبر ، هي ، جبهة ليبيا التى تتصاعد فيها الحرب الأهلية وبالتأكيد ينعكس ذلك على المحيط الأفريقي وبالتحديد على المشهد السياسي التونسي .

مسألة فيها نظر ،، ولهذا ، فأن الانتخابات الرئاسية القادمة ، قد يتوسع من خلال نتائجها الانقسام ، خصوصاً ، إن كان الفائز بها من أحد المرشحين ذات الاتجاه الإسلامي أمثال محمد الهاشمي الحامدي أو الرئيس الحالي المنصف المرزوقي حليف حركة النهضة ، وبالتالي ، تصبح الاشكالية ذات سجال يستطيل ، لن يتوقف الانقسام حول صلاحيات وبرامج بين الرئاسة والبرلمان فقط ، بل ، بالتأكيد سيأخذ منحة أخرى ، انسجاماً مع محيط مشتعل ، مستمر بين الأطراف دون انتصار طرف أو هزيمة طرف .

والسلام

كاتب عربي

×
أخبار
الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط