كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إدارة ترامب تتجه نحو توسيع غير مسبوق لسيطرة البيت الأبيض على الاقتصاد

إدارة ترامب تتجه نحو توسيع غير مسبوق لسيطرة البيت الأبيض على الاقتصاد

تاريخ النشر: 2026-08-13 | 12:30

واشنطن: تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الثانية، نحو توسيع غير مسبوق لدور الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد، ليس فقط من خلال الرسوم الجمركية والسياسات الصناعية، وإنما عبر امتلاك حصص مباشرة في عشرات الشركات والتدخل في قرارات شركات كبرى ومؤسسات يفترض أنها تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن البيت الأبيض.

هذه هي الأطروحة التي يطرحها الكاتب كيث جونسون في مقال تحليلي نشرته مجلة Foreign Policy الأمريكية في 11 أغسطس/آب 2026، إذ يرى أن السياسة الاقتصادية لإدارة ترامب باتت تحمل بعض سمات «رأسمالية الدولة»، في مفارقة مع الخطاب السياسي المتكرر للرئيس والحزب الجمهوري ضد «الشيوعية» وتدخل الحكومة في الاقتصاد.

وبحسب المقال، تمتلك الحكومة الأمريكية حاليًا حصص ملكية مباشرة في نحو 30 شركة تعمل في قطاعات مختلفة. وبدأ هذا المسار بالحصول على «سهم ذهبي» في شركة U.S. Steel، قبل أن يمتد إلى نطاق أوسع من الشركات والقطاعات، في تحول يجعل الحكومة لاعبًا اقتصاديًا مباشرًا بصورة لم تكن مألوفة في الولايات المتحدة منذ عقود.

من السوق الحرة إلى التدخل المباشر

تكمن المفارقة الأساسية، وفق جونسون، في أن هذا التحول يجري في ظل إدارة جمهورية يفترض أنها تنطلق من تقاليد سياسية واقتصادية تقوم على الدفاع عن السوق الحرة وتقليص تدخل الدولة. لكن الممارسة الفعلية تتجه في الاتجاه المعاكس، مع اتساع تدخل البيت الأبيض في قرارات الشركات والسياسات التجارية والصناعية والنقدية.

ولا يقتصر هذا التدخل على امتلاك حصص في الشركات. فقد مارس ترامب ضغوطًا مباشرة على شركات نفط كبرى، بينها إكسون موبيل وشيفرون، بشأن هوامش أرباح التكرير، بعدما أدت التداعيات الاقتصادية لحرب إيران إلى ارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة.

ويضع المقال هذه الخطوة ضمن نمط أوسع يقوم على استخدام السلطة الرئاسية للتأثير المباشر في النشاط الاقتصادي، بما يتجاوز الأدوات التقليدية التي تستخدمها الحكومات في إدارة الاقتصاد.

الرسوم الجمركية وتوسيع سلطة البيت الأبيض

أحد أبرز مظاهر هذا النهج يتمثل، بحسب المقال، في سياسة الرسوم الجمركية. إذ يواصل ترامب توسيع سلطته في فرض الرسوم على الواردات بقرارات رئاسية، رغم أن الصلاحيات الضريبية تعود دستوريًا في الأصل إلى الكونغرس.

ويرى جونسون أن المستهلك الأمريكي يتحمل في نهاية المطاف جانبًا كبيرًا من تكلفة هذه الرسوم، ما يجعل السياسة التجارية أداة ليس فقط لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الخارجية، وإنما أيضًا لتعزيز قدرة السلطة التنفيذية على توجيه الاقتصاد الداخلي.

ويتركز التوسع الصناعي الذي تقوده الإدارة بصورة خاصة في قطاعات استراتيجية، تشمل المعادن النادرة والتعدين والمعادن الأساسية وأشباه الموصلات، وهي قطاعات أصبحت خلال السنوات الأخيرة في قلب المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.

متى يكون تدخل الدولة مبررًا؟

لا يرفض المقال من حيث المبدأ جميع أشكال تدخل الحكومة في الاقتصاد. بل يميز بين التدخل الاستراتيجي الذي يستهدف معالجة نقاط ضعف محددة في الاقتصاد وبين التدخل الذي يفتقر إلى إطار مؤسسي واضح.

ويشير جونسون إلى أن قطاعات استراتيجية مثل صناعة السفن وأشباه الموصلات قد تحتاج بالفعل إلى دعم حكومي مباشر، مستشهدًا بتجربة تايوان في بناء صناعة الرقائق، وكذلك بالتجربة الأمريكية نفسها في دعم قطاعات استراتيجية خلال مراحل مختلفة.

المشكلة، وفق القراءة التي يقدمها المقال مستندًا إلى تقييم المحلل تاد ديهافن من معهد كاتو، ليست في وجود سياسة صناعية حكومية بحد ذاتها، وإنما في غياب استراتيجية متماسكة وطويلة الأجل وراء التحركات الحالية.

ويقدم المقال صناعة السفن مثالًا على ذلك. فقد كانت إعادة بناء هذه الصناعة أولوية معلنة في مرحلة سابقة من ولاية ترامب الثانية، قبل أن يتراجع الاهتمام بها، بما يعكس ـ وفق هذه القراءة ـ افتقار السياسة الاقتصادية إلى الاستمرارية والتخطيط المؤسسي طويل المدى.

نموذج مختلف من «رأسمالية الدولة»

يميز جونسون بين ما تفعله إدارة ترامب وبين نماذج رأسمالية الدولة المعروفة في اقتصادات أخرى. ففي حالات عديدة، تتدخل الحكومات عندما تواجه الدولة هشاشة في سلاسل التوريد، أو عندما تريد حماية صناعة ناشئة أو قطاع استراتيجي يحتاج إلى الدعم حتى يصبح قادرًا على المنافسة.

لكن ما يراه الكاتب مختلفًا في التجربة الأمريكية الحالية هو أن التدخل الحكومي أخذ يتحول أيضًا إلى مصدر دخل ونفوذ سياسي، من خلال امتلاك الحصص وتوسيع الاستثناءات والإعفاءات الجمركية ومنح شركات بعينها معاملة تفضيلية.

وهنا تبرز واحدة من أهم الإشكاليات التي يثيرها المقال: ما المعايير التي تحدد الشركات التي تحصل على الامتيازات والاستثناءات؟ وهل تستند هذه القرارات إلى استراتيجية صناعية واقتصادية محددة، أم تتداخل فيها الاعتبارات السياسية وعلاقة الشركات بالإدارة؟

وبحسب المقال، فإن اتساع المعاملة الخاصة والإعفاءات والاستثناءات يجعل الحدود بين السياسة الصناعية وبين إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية مع الشركات أكثر غموضًا.

الاقتصاد تحت سلطة الرئيس

لا يتعامل جونسون مع هذه التطورات باعتبارها مجموعة قرارات منفصلة، بل يربطها بنمط أوسع من ممارسة ترامب للسلطة الاقتصادية.

فإلى جانب امتلاك الحكومة حصصًا في الشركات والتدخل في قطاع النفط والسياسات الجمركية، يشير المقال إلى الضغوط المتكررة التي يمارسها ترامب على مرشحه لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك التواصل الهاتفي المباشر والمتكرر معه، في مؤشر على محاولة توسيع نفوذ الرئيس داخل مؤسسة يفترض أن تتمتع باستقلالية عن البيت الأبيض.

ومن خلال جمع هذه الممارسات معًا، يصل المقال إلى أن التحول الجاري لا يشبه بالضرورة سياسة صناعية تقليدية تقوم على تحديد القطاعات الاستراتيجية وتوجيه الموارد الحكومية إليها وفق خطة بعيدة المدى، بقدر ما يعكس نمطًا شخصيًا ومركزيًا في إدارة الاقتصاد، تتركز فيه مساحة متزايدة من القرار الاقتصادي في يد الرئيس نفسه.

مفارقة سياسية واقتصادية

تتمثل الخلاصة الأساسية للمقال في مفارقة يصعب تجاهلها: إدارة ترفع خطابًا شديد العداء لـ«الشيوعية» وتدخل الدولة، بينما تتحول الحكومة في عهدها إلى مالك مباشر لحصص في نحو 30 شركة، وتتدخل بصورة متزايدة في قرارات الشركات والأسواق والتجارة والسياسة النقدية.

لكن وصف هذا النموذج بـ«رأسمالية الدولة» لا يعني، وفق مضمون المقال، أن الولايات المتحدة تتبنى نموذجًا اقتصاديًا مماثلًا للصين أو غيرها من الاقتصادات التي تلعب فيها الدولة دورًا مركزيًا منظمًا. فالانتقاد الأساسي الذي يوجهه جونسون إلى تجربة ترامب هو تحديدًا غياب العقيدة الاقتصادية المتماسكة التي تحكم هذا التدخل.

ويستند الكاتب في هذا الجانب بصورة أساسية إلى تاد ديهافن من معهد كاتو، الذي يرى أن السياسة الحالية تبدو انعكاسًا لرغبة شخص واحد أكثر من كونها سياسة صناعية مدروسة ومؤسسية.

وبذلك، فإن السؤال الذي يطرحه المقال لا يتعلق فقط بحجم تدخل الحكومة الأمريكية في الاقتصاد، وإنما بطبيعة هذا التدخل والغاية منه: هل تشهد الولايات المتحدة ولادة نموذج جديد من رأسمالية الدولة، أم أن ما يحدث يمثل مرحلة من التدخل الاقتصادي الرئاسي المرتجل الذي يستخدم ملكية الدولة والرسوم والإعفاءات والضغط المباشر على الشركات كأدوات لإدارة الاقتصاد؟

ويظل هذا التمييز ضروريًا عند قراءة أطروحة المقال، خصوصًا أن النص الأصلي ذو طابع نقدي واضح تجاه سياسات إدارة ترامب، كما أن أحد أبرز المصادر التي يستند إليها، معهد كاتو، يتبنى تاريخيًا توجهًا اقتصاديًا تحرريًا معارضًا لتوسع تدخل الدولة. ومن ثم، فإن وصف سياسة ترامب بـ«رأسمالية الدولة» يمثل إطارًا تحليليًا نقديًا للمقال أكثر من كونه تصنيفًا اقتصاديًا متفقًا عليه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط