كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إدارة ترامب تطيح أوهام اتفاق أوسلو

إدارة ترامب تطيح أوهام اتفاق أوسلو

تاريخ النشر: 2018-09-11 | 10:36

مع الحديث عن إمكان قيام إدارة ترامب بإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، إضافة إلى الخطوات السابقة التي اتخذتها بخصوص الاعتراف بالقدس كعاصمة موحدة تحت السيادة الإسرائيلية (أواخر العام الماضي)، ووقفها دعم منظمة «أونروا» المعنية بغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتغاضيها عن الاستيطان في الضفة، تكون الولايات المتحدة أطاحت دفعة واحدة بالمفاوضات المتعلقة بقضايا الحل النهائي (القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود)، بإخراجها هذه القضايا من دائرة التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هذا أولاً. ثانياً، إن الخطوة التي تفيد بإغلاق منظمة التحرير تعني أيضاً أن الولايات المتحدة سحبت اعترافها بمنظمة التحرير، أي إن الغرض هنا يفضي إلى تصفية تلك المنظمة، التي تعتبر بمثابة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وهي كيانه السياسي والمعنوي، والمعبّر عن وحدة قضيته، ما يجعل السلطة الفلسطينية بمثابة الكيان السياسي الوحيد المعترف به، علماً أنه كيان يقع في نطاق السيطرة من مختلف النواحي. ثالثاً، إن مجمل الخطوات التي اعتمدتها إدارة ترامب يفهم منها أن الولايات المتحدة لم تعد معنيّة بعملية التسوية، ولا على أي صعيد، وإنها أضحت معنيّة فقط بتطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية، وأنها كشفت، في كل ذلك، عن حقيقة انحيازها لإسرائيل، وإطاحتها بالصورة المتخيّلة، والمخادعة، عنها كراع نزيه، أو كوسيط محايد، أو كضامن موثوق، فيما عرف بـ «عملية السلام».

وفي الحقيقة فإنها في كل تلك الخطوات والمواقف تكون الولايات المتحدة الأميركية انتظرت ربع قرن لإعلانها التملّص من اتفاق أوسلو (1993)، على رغم الاجحافات المتضمّنة فيه بحق الفلسطينيين، وذلك مع إدارة دونالد ترامب، وفي ظل الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية والفلسطينية الراهنة، المضطربة والمعقدة، علماً أن إسرائيل كانت دفنت ذلك الاتفاق في شكل مبكّر، جملة وتفصيلاً، منذ العام 1999، إن على صعيد الحل الانتقالي (ومدته خمسة أعوام)، أو على صعيد المفاوضات حول قضايا الحل النهائي، وهو ما تبيّن في مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000).

ويستنتج من ذلك أن اتفاق أوسلو جاء، فقط، لمجرد تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحويلها إلى سلطة تحت الاحتلال، على السكان وليس على الأرض والموارد والمعابر، بمرتبة أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، بغرض تحرير إسرائيل من عبء السيطرة الأمنية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية على الفلسطينيين، والتخلص مما يسمى «القنبلة الديموغرافية»، وتعزيز مكانتها كدولة يهودية، للتخفّف من وضعها، أو من صورتها، كدولة استعمارية عنصرية، ما يسهّل عليها، أيضاً، تطبيع علاقاتها مع العالم العربي.

هكذا، فإن ما يحصل، من قبل الولايات المتحدة ، يضع مجمل التوهمات والمراهنات التي عقدتها القيادة الفلسطينية عليها موضع التساؤل والمساءلة، أي إن الأمر لم يعد يتعلق باتفاقات أوسلو المجحفة والجزئية والمهينة، فقط، وإنما هو يتعلق، أيضاً، بمساءلة تلك القيادة عن معنى مراهناتها على الولايات المتحدة، المعروفة تاريخياً بانحيازها لإسرائيل ودعمها لها وتغطيتها لسياساتها الاحتلالية والاستيطانية ونظمها القانونية العنصرية ضد الفلسطينيين، وسيطرتها عليهم بالقوة، وضمانها لتفوقها العسكري والاقتصادي في المنطقة.

بيد أن مسؤولية القيادة الفلسطينية المضاعفة هنا ناجمة عن عقدها اتفاق أوسلو (1993)، على رغم معرفتها بوجود قانون سنّه الكونغرس الأميركي (1987) يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، ضمن قانون «محاربة الإرهاب»، علماً أن هذا القانون يحرّم، ضمن إجراءات أخرى، فتح مكتب للمنظمة في الأراضي الأميركية. والمشكلة أن القيادة الفلسطينية التي وقّعت اتفاق أوسلو في البيت الأبيض، في غمرة مراهناتها المتسرعة على ذلك الاتفاق، لم تبذل المحاولات اللازمة للمساومة وقتها، بحضّ الإدارة الأميركية على التدخّل لدى الكونغرس لإلغاء هذا القانون، بدلاً من جعله سلاحاً للتوظيف بيد الرئيس الأميركي، الذي يقوم بالطلب من الكونغرس بتعليقه كل ستة أشهر.

ولعل أحجام، أو لامبالاة، القيادة الفلسطينية تقديم طلب هو على هذه الدرجة من الأهمية قبل توقيعها اتفاق أوسلو، يحيلنا إلى التذكير بأن الإدارة الأميركية كانت طرحت شروطاً ثلاثة على منظمة التحرير للبدء بحوار أميركي- فلسطيني، من خلال السفير الأميركي روبرت بيلليترو (تونس، أواخر 1988)، أولها، الموافقة على القرار 242، وثانيها، وقف العمليات العسكرية ضد الكيان الإسرائيلي، ونبذ «الإرهاب»، وثالثها، الاعتراف بإسرائيل.

عموماً، وكما شهدنا، في ما بعد، فإن قيام دولة فلسطين بتقديم طلب لمحاكمة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية (2015)، على حربها المدمرة في غزة (2014)، جعل الإدارة الأميركية تفعّل قانون «مكافحة الإرهاب»، بتوجيهها التهديد للقيادة الفلسطينية بهذا الشأن، مع تذكيرها بضرورة الالتزام بعملية السلام، وعدم اللجوء إلى تقديم شكاوى ضد إسرائيل في المنظمات الدولية، واستئناف المفاوضات معها من دون قيد أو شرط، وهي الأمور التي لم تستجب لها القيادة الفلسطينية، بل صعّدتها برفض استقبال أي مسؤول أميركي، ومناهضتها ما بات يعرف بمشروع «صفقة القرن»، ما أدى إلى نشوب أزمة مكتب المنظمة في واشنطن أواخر العام الماضي، والذي يتوقع أن تنتهي فصولها بإغلاق المكتب نهائياً، مع التذكير بأن افتتاحه في العام 1994 جرى فقط لتسهيل التواصل بين المنظمة والإدارة الأميركية، علماً أن الولايات المتحدة لم تعترف بدولة فلسطين، ولو بصفة مراقب، في الأمم المتحدة (2012).

ثمة أربعة مسائل يجدر التنويه بها هنا، في علاقة الولايات المتحدة بمنظمة التحرير، أولها، أن أميركا هي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل وهي ضامن أمنها وتفوقها النوعي في المنطقة، لذا فهي أكثر طرف يمكن أن يتعامل مع إسرائيل وأن يفرض عليها مواقف معيّنة إزاء الفلسطينيين. وثانيها، أن الولايات المتحدة هي الداعم لعملية التسوية الإسرائيلية- الفلسطينية، فمن دون قوة الدفع الأميركية ما كان يمكن عقد اتفاق أوسلو، ولا إقامة سلطة فلسطينية، في الأراضي المحتلة عام 1967. وثالثها، أن السلطة الفلسطينية، تبعاً لما سبق، إنما تستمد جزءاً كبيراً من كيانيتها ونفوذها السياسي، إزاء إسرائيل وحتى إزاء الدول العربية، من علاقاتها مع الولايات المتحدة، لا سيما بعد تحولها من حركة تحرر إلى سلطة، وبعد مساهمتها بتهميش منظمة التحرير، ونقل ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الداخل، أي تحت الاحتلال، فهذا ما تبقى لها لا سيما في الظروف العربية الراهنة، التي وجدت فيها نفسها وحيدة في مواجهة إسرائيل من دون أي ظهير أو عمق عربي. ورابعها، أن الولايات المتحدة هي الطرف الأهم، والأكبر، الذي يؤمّن الموارد المالية اللازمة للسلطة، لموازنتها ورواتب موظفيها، كما لوكالة الغوث (أونروا). والحديث يدور هنا عن مبلغ يقدّر بحوالى بليون دولار سنوياً، ضمنهم 400- 600 مليون دولار للسلطة، و360 مليون دولار لـ «أونروا»، و200 مليون دولار لدعم مشروعات تعاون مشتركة ومنظمات مجتمع مدني، ما يعني أنها الممول الأول، وهذا يجعلها في مكانة تستطيع فيها الضغط على الفلسطينيين، وعلى سلطتهم، التي لديها ما يقارب 200 ألف موظف، في مختلف القطاعات، وهو ما يشكل ربع موازنة السلطة، علماً أن نصف تلك الموازنة يأتي من موارد «المقاصة» التي تجبيها إسرائيل عن السلع الواردة إلى مناطق السلطة الفلسطينية، أي أن ثلاثة أرباع الموازنة تأتي من هذين الطرفين، وهذه نقطة ضعف أساسية للقيادة الفلسطينية.

باختصار، في العلاقة بين القيادة الفلسطينية والولايات المتحدة، يمكن أن تطوى صفحات عديدة، ضمنها صفحة المنظمة، ومصير عملية التسوية، ناهيك عن فتح صفحة جديدة في التعامل مع القضية الفلسطينية دولياً وعربياً، والمشكلة أن كل ذلك يحصل في ظروف دولية وإقليمية وعربية، بل وفلسطينية، ليست في مصلحة الفلسطينيين، التي استمرأت قيادتهم عملية التسوية، وخيار، أو وهم، الدولة المستقلة، وتهميش منظمة التحرير، والتحوّل إلى سلطة، في جزء من أرض على جزء من شعب، في جزء من حقوق.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط