كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إدمان إنتاج العجز: كيف انفصلت السياسة الفلسطينية عن واقعها؟

إدمان إنتاج العجز: كيف انفصلت السياسة الفلسطينية عن واقعها؟

تاريخ النشر: 2026-05-12 | 11:41

ليست المشكلة في انعدام الحلول، بل في عجز البنية السياسية عن إنتاج شروطها. انطلاقاً من هذه الفرضية، التي تناولت مضمونها في مقالات سابقة، يمكن قراءة الحالة الفلسطينية بوصفها مثالاً مكثفاً على ما يمكن تسميته بـ“إدمان إنتاج العجز”، حيث لا تعود الأزمة ظرفاً طارئاً، بل تتحول إلى مأزق مستعصٍ، تُعاد فيه صياغة السياسة بوصفها إدارة للانسداد لا آليات لتجاوزه.

لم يعد ممكناً مقاربة هذه الحالة عبر أدوات التحليل التقليدية التي تختزلها في خلل الأداء أو قصور القيادة، أو حتى في الانقسام. فهذه المقاربات، رغم أهميتها الإجرائية، تفترض ضمناً وجود نظام سياسي يعمل ضمن شروط طبيعية، ويعاني اختلالات قابلة للإصلاح. غير أن التجربة الفلسطينية تكشف أننا لسنا أمام أزمة أداء أو أزمة قيادة فقط، بل أمام أزمة في قدرة النظام السياسي نفسه على إنتاج مجال حقيقي للفعل والتمثيل والقرار.

في اللحظات التاريخية الحاسمة، لا تُقاس حيوية الحركات السياسية بقدرتها على إنتاج خطاب جديد، بل بقدرتها على كسر الشروط التي تُعيد إنتاج أزماتها. وفي الحالة الفلسطينية تتجسد مفارقة بنيوية حادة؛ فبينما يجترح المجتمع، تحت أقسى الشروط، أشكالاً متقدمة من الصمود والحياة، "يبتكر" النظام السياسي، بالقدر نفسه، أشكالاً أكثر تعقيداً من إدارة العجز. وهنا لا يكون العجز عابرًا، بل يصبح وظيفة، ولا يكون الفشل نتيجة، بل يتحول إلى آلية للحفاظ على المصالح الفئوية والشخصية.

بهذا المعنى، لا يعود السؤال متعلقاً بطبيعة الفاعلين بقدر ما يتعلق بالمجال الذي يعملون داخله، وهل ما يزال هذا المجال قادراً على إنتاج سياسة بالمعنى الفعلي، أم أنه تحول إلى إطار لإدارة حدودها وسقوفها. فالعجز لا يظهر كفشل عرضي، بل كصيغة تحتوي الضغوط وتُعيد صياغة الأزمات دون أن تُحدث تحولاً في قواعد اللعبة، سوى بمزيد من الانسداد والانحدار.

من إنتاج السياسة إلى إدارة حدودها

يتجلى هذا النمط في قدرته على تقويض محاولات الإصلاح، وإغلاق أي إمكانية للتغيير. وهكذا تتحول الأزمة من حالة طارئة إلى استعصاء دائم، ويصبح العجز بيئة لإعادة إنتاج البنية وضمان بقائها.

ويتجلى ذلك في مشهد سياسي تتكرر فيه الدعوات إلى “الإصلاح وتجديد الشرعيات” منذ سنوات طويلة، دون أن يقود أي منها إلى تغيير فعلي في بنية القرار أو آليات التمثيل. فحتى اللحظات التي كان يُفترض أن تشكل منعطفاً تأسيسياً، من الحوارات الوطنية المتكررة إلى الوعود بإجراء انتخابات عامة، انتهت إلى إعادة إنتاج المراوحة ذاتها، بحيث أصبح الإعلان عن التغيير جزءاً من آلية تعطيله.

ولا يمكن فهم هذا النمط دون العودة إلى التحول التاريخي في طبيعة الفعل السياسي الفلسطيني. ففي المرحلة التأسيسية، كانت السياسة فعلاً تحررياً مفتوح الأفق، يستمد شرعيته من قدرته على إنتاج الفعل ذاته. ومع الانتفاضة الكبرى، اتسع المجال السياسي ليشمل المجتمع بأسره، حيث لم يعد الشعب مجرد حاضنة للتنظيم، بل منتجاً مباشراً للفعل السياسي. إلا أنه مع أوسلو، وبعد احتواء النهوض الجمعي والفعل الاجتماعي الذي ولدته الانتفاضة، انتقلت السياسة تدريجياً من حالة تغيير الواقع إلى إدارة الممكن داخله، ليتحول “الانتقال المؤقت” إلى حالة دائمة تُدار داخلها الحياة العامة.

ومع نشوء السلطة، التي افتقرت لفلسفة حكم تربط بين استكمال التحرر الوطني وتعزيز الصمود، لم تتشكل كأداة انتقال نحو السيادة، بل كجهاز لإدارة غيابها. وجاء الانقسام ليضيف طبقة سميكة من التعقيد، حيث نشأت حالة يمكن وصفها بـ“سلطة الانقسام”، بوصفها نمطاً مستقراً يعيد إنتاج نفسه عبر الانقسام ذاته.

وفي الوقت الذي يتعرض فيه المجتمع الفلسطيني لتحولات عميقة تحت وطأة الحرب والتفكك الاقتصادي والاستنزاف اليومي، تبدو البنى السياسية في الضفة وغزة أكثر انشغالاً بإدارة توازناتها الداخلية والمحافظة على شروط بقائها، من انشغالها بإعادة بناء المجال الوطني الجامع. حتى اللغة السياسية نفسها تبدو أحياناً منفصلة عن أولويات الناس، إذ تستمر في استدعاء مفردات الشرعية والوحدة والمقاومة، دون قدرة فعلية على ترجمتها إلى أفق سياسي ملموس.

فائض الصمود وعجز الترجمة السياسية

في قلب هذه البنية، تتشكل مفارقة مركزية قوامها فائض في الفعل الاجتماعي يقابله عجز في الترجمة السياسية. فالمجتمع الفلسطيني يواصل إنتاج أشكال الحياة والصمود، لكنه يفعل ذلك دون أن يتوفر له مجرى سياسي قادر على تحويل هذا الفعل إلى تمثيل أو قرار أو مشروع جامع.

ويمكن فهم هذا الوضع بوصفه انفصالاً متزايداً بين الحيوية الاجتماعية والبنية السياسية. هذا الانفصال لا يفسر فقط عجز النظام عن التغيير، بل يفسر أيضاً فشل محاولات إصلاحه. فالمشكلة لم تعد في غياب الأفكار أو المبادرات، بل في غياب الشروط التي تجعلها ممكنة. إذ تُطرح مشاريع الإصلاح داخل بنية لم تُصمَّم للتغيير، بل لضبطه وإعادة احتوائه، بحيث تتحول كل محاولة إصلاح إلى جزء من آلية إعادة إنتاج الأزمة ذاتها.

ومن هنا يمكن قراءة العديد من الاستحقاقات السياسية والتنظيمية الراهنة بوصفها تجليات لهذا النمط. فبدلاً من أن تشكل محطات للمراجعة، تتحول إلى أدوات لإعادة تثبيت توازنات المصالح. وفي هذا الإطار، تكتسب المؤتمرات الحركية الكبرى دلالة تتجاوز بعدها الإداري، إذ تؤدي وظيفة إعادة إنتاج البنية عبر تجديد شكلي للشرعيات وامتصاص الضغوط دون المساس بجوهر توزيع القوة والمصالح الفوقية، بحيث تصبح إعادة ترتيب المواقع داخل البنية بديلاً عن مساءلة البنية نفسها، أي إدارة للتغيير دون السماح بحدوثه.

أما الحرب الكارثية على قطاع غزة، بما حملته من مستويات غير مسبوقة من التدمير والإبادة والانكشاف الوطني، فقد كشفت بصورة قاسية حدود البنى السياسية القائمة جميعها. فبرغم الحجم التاريخي للكارثة، لا تزال الاستجابة السياسية تدور داخل الحسابات ذاتها، وكأن الحدث، على فداحته، لم يكن كافياً لفرض مراجعة بنيوية شاملة. وهنا تتجلى إحدى أخطر علامات الانفصال عن الواقع، حين يصبح استمرار البنية أكثر أولوية من مساءلة الشروط التي قادت إلى الكارثة.

ضمن هذه الشروط تستمر البنية في إدارة أزمتها وإعادة إنتاج نفسها رغم تآكل شرعيتها، فيما يتعمق الانفصال بين المجتمع والنظام، دون أن يضمن أي انفجار محتمل ولادة بديل سياسي فعليّ. أما تجاوز هذه الحلقة، فيتطلب إعادة تأسيس المجال السياسي نفسه.

غير أن هذا المسار يصطدم بقيود بنيوية عميقة، تتعلق باحتكار التمثيل، وتفكك المجال الوطني، والتمسك بشروط خارجية تحدّ من حرية الفعل، وهو ما يعني أن الأزمة لا تتعلق فقط بغياب الإرادة، بل بغياب القدرة البنيوية على إنتاج البديل.

وربما تكمن المفارقة الأشد قسوة في أن المجتمع الفلسطيني، الذي يواصل إنتاج أشكال مدهشة من الصمود والمبادرة والتكافل تحت النار والحصار والتفكك، يبدو في كثير من الأحيان أكثر حيوية من مؤسساته السياسية نفسها. فبينما يتحرك الناس داخل الزمن التاريخي المفتوح على التحولات الكبرى، يستمر النظام السياسي في إدارة اللحظة بعقلية الحفاظ على القائم، حتى ولو كان ذلك على أنقاض المجال الوطني ذاته.

من هنا، لا يمكن تصور الخروج من الحالة الراهنة دون إعادة فتح المجال السياسي ذاته، أي إعادة بناء الشروط التي تجعل الفعل السياسي ممكناً وقابلاً للتحوُّل. وذاك يتطلب إعادة تعريف السياسة بوصفها إنتاجاً للمجال لا مجرد إدارته، وفتح المجال أمام أشكال تمثيل أكثر اتساعاً، وتكسر احتكاره دون تفكيك المجتمع، وربط الشرعية بالفعل المجتمعي، وتحويل فائض الصمود إلى طاقة تأسيس، إلى جانب إنتاج مرحلة انتقالية محددة زمنياً ووظيفياً تتيح إعادة بناء العلاقة بين الفعل والسلطة وثقة الناس.

في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى المؤتمرات الحركية أو العمليات الانتخابية المحتملة بوصفها حلاً بحد ذاته، بل كأداة ضمن مسار تأسيسي أوسع. فالقضية ليست في استدعاء الإجراءات، بل في إعادة بناء المجال الذي يمنحها المضمون.

هنا، يتغير السؤال جذرياً. فلا يعود، كيف نُصلح البنى القائمة، بل، كيف يمكن إعادة تأسيس السياسة الفلسطينية على نحو يعيد ربطها بمصدرها الحي ومجالها الحيوي، وكيف يتحول المجتمع من موضوع للإدارة إلى مصدر للشرعية، وكيف يتحول الصمود من حالة دفاع إلى قوة تأسيس.

هناك فقط، وخارج البنية التي استنفدت شروطها، يمكن أن تستعيد السياسة معناها، ليس كإدارة للأزمة، بل كقدرة على كسرها، وفتح أفق تاريخي جديد للنهوض باستحقاقاتها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط