كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

آراء بعض مثقفي تونس إزاء أزمة المثقف العربي..في ظل رأسمالية متوحشة

آراء بعض مثقفي تونس إزاء أزمة المثقف العربي..في ظل رأسمالية متوحشة

تاريخ النشر: 2022-08-12 | 08:03

"المثقفون يبدون محاربين أكثر ممن هم مفكرين يتأملون بهدوء وراء طاولات عملهم." (داريوش شايغان (2 فبراير 1935 -22 مارس 2018 ) مفكر إيراني معاصر بارز و منظر اجتماعي مختص في الفلسفة المقارنة..)

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ التجارب التاريخية في الوطن العربي تشير إلى مرض الاغتراب والتهميش والإقصاء الذي عانى وما زال يعاني منها المثقف العربي عبر الأجيال والعصور، ففقدان الحرية والديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان كلها عوامل أدّت إلى اغتراب المثقف العربي وتهميشه سواء داخل وطنه حيث أصبح من الغرباء فيه لا يتعرف عليه ولا يتفاعل معه كما ينبغي لأنه إذا فعل ذلك مصيره يكون مجهولا،أو أننا نجده يلجأ إلى الهجرة طلبا للحرية ولمتنفس يجد فيه مجالا للتفكير والإبداع، لكن تبقى الغربة والعيش خارج المحيط الطبيعي للمثقف بمثابة الموت البطيء. والمثقف مهما كانت الصعاب والمشكلات والعراقيل يبقى دائما مسؤولا إزاء مجتمعه لتحقيق الأهداف النبيلة التي يناضل من أجلها وهي العدالة والمساواة والحرية والقيم الإنسانية النبيلة ومن أهمها توفير الظروف المناسبة للفكر والإبداع.

في هذا السياق سألت الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي المعتنق بشرف وإعتزاز للقضايا الإنسانية العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية قائلا : من هو المثقف؟

وهو سؤال يُطرح ليتمّ تعريف وتحديد الصورة الحقيقية،بعيدًا عن الخلط والغوغاء وسط كل التحولات الإقليمية التي تشهدها المنطقة العربية.

فأجابني بتواضعه المعهود:"المثقفون كتلة الوعي الفاعل في المجتمع وأحد أهمّ مصادر قوته وتأثيره وتدبيره،فهم يشكلون الجمال والمعرفة مُحطمين القبح والجهل..

مع المثقف نحن إزاء فكر نابض بالحيوية والتحدي وتخطي الرموز والأفكار الراكدة،ليصبح منهجًا ووجهة نظر وأسلوب تصوّر تُغذيها الخبرة والتفرد،لكن يظلّ في المفهوم الاصطلاحي هو الناقد الاجتماعي،مهمته أن يحدّد ويحلّل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل. وفي تعريف المُثقّف ككلّ صورة للمفهوم العام في الثقافة العربية الحديثة." ثم استشهد بمقولة لداريوش شايغان (2 فبراير 1935 -22 مارس 2018 ) مفكر إيراني معاصر بارز و منظر اجتماعي مختص في الفلسفة المقارنة اشتهر بكتاباته عن الحضارات الشرقية و علاقتها بالحضارة الحديثة و طريقة تمثلها للحداثة الذذهنية و قيمها و الاختلافات الكبيرة في بنية هذه الحضارات لدرجة التناقض،هو أول من استخدم مصطلح حوار الحضارات و ذلك في مؤتمر عقد في طهران 1977 حظي بمتابعة وثناء دولي كبيرين :"المثقفون يبدون محاربين أكثر ممن هم مفكرين يتأملون بهدوء وراء طاولات عملهم."

لكن ما نلاحظه في الحقبة الأخيرة يُظهر جليًّا تلك العلاقة المُعتلّة بين المثقف مع مجتمعه،وعدم نجاعته في إحداث تلك الخطوة الفارقة لإيصال صوته ووضع بصمته في ركب الحياة ككل، فنحن نرصد عزلته وكذلك العجز عن إدراك التحديات والتحولات التي تمرّ بها الأمة العربية، وأحيانًا يصبح مجرّد عابر يتبع الصفوف في آخر الركب،وهذا الأمر جعل فئة من المحللين تٌحمله مسؤولية كل الازمات.

ورغم مشاهد التواجد لمثقفين وكتاب عرب في منصات تلقي الضوء عليهم وعلى نتاجهم الفكري والثقافي الغزيز (روايات،قصص،مسرحيات،شعر،نقد،مقالات،حوارات... إلخ) لكنها لا تبرز كل الحقيقة،بل تكاد لا تخلو من الاستفزاز الذي يُروّج لأهداف ما تظل نمطية ولا تتجاوز تلك التحديّات المناطة بعهدته،ومن جهة أخرى وجد المثقف العربي نفسه مُكّبلًا بأنظمة تعيق تأثيره الملموس في سائر الحركة الثقافية أو بالأحرى التوعوية.

لكن حسب آراء بعض الباحثين،فهو مطالب بحراك مع منظومة كاملة للفكر المعاصر لصقل التقارب والتحاور مع الآخر في ظل تمازج مع الزمان والمكان.

أما الشاعر التونسي القدير جلال باباي الذي عرفته الساحات الثقافية والإبداعية بتميزه في تطريز قصائد مذهلة تداعب بلطف الذائقة الفنية للمتلقي،فيعزو عجز المثقف عن التأثير في محيطه وتطوير ثقافة مجتمعه،إلى طبيعة الحلول التي يقدمها والتي لا تتوافق مع طبيعة المشكلات التي تمرّ بها الشعوب العربية في الوقت الراهن.

في ذات السياق يقول الروائي التونسي الألمعي محسن بن هنية :"ربما لم تعش مجتمعات النخبة العربية "الانتلجنسيا" حالة انكشاف وتعر أخلاقي قيمي،كما هو حالها اليوم في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة العربية،خاصة أن تأتي هذه المرحلة عقب واحدة من أعظم ثورات العرب إبهارا للعالم بسلميتها ومدنيتها ووضوح أهدافها المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية..

حالة الانكشاف العربي الراهنة واضحة،لكنها لم تتجل بكامل صورتها كتجليها في حالة المثقف العربي الذي ربما لم يكن يتوقع مطلقا ما حدث ويحدث من حوله وأمامه من مشاهد وأحداث دراماتيكية لم تكن في حسبانه وبالتالي لم تستطع نرجسيته تقبلها،باعتبارها خارج نطاق توقعاته المؤدلجة أو الذاتية.."

وأنا أقول :

بيد أنه ليس من المنطق وضع حالة كهذه في إطار تعميمي شامل، فبالتأكيد ما زال هناك مثقفون عرب جسدوا حالة نضالية فارقه، قابضين على جمرة نار "برومثيوس" كمثقفين طليعيين، بهرتهم عبقرية هذا الجيل الذي حول عالمه الافتراضي إلى واقع، فيما ظلوا هم حبيسي جدران اليوتوبيا الافتراضية عقودا.

وإذن؟

إذًا،فالتفاعل الفكري المُنعش للثقافة مرتبط أساسًا بالتقارب والتواصل،ومرهون بالمعترك الفعلي للثقافة والفنون بالساحة الفكرية وبالمثقف،بما يدور فيها من فكر،وللمجلات الثقافية الدور الأكبر في الإنعاش الفكري كما تطرق إلى ذلك شاعرنا التونسي الكبير د-طاهر مشي إنه حين يتم الإعلان عن ولادة مجلة ثقافية فهي ولادة حقيقية لحياة يتنفس من خلالها المثقف،ويطلق حمامات فكره في فضاء يشعّ بالتجديد،مخاطبًا العقول ومشركًا طيوف الأرض لتدور في فلك التكوين الجديد للخطاب المتسامي مع النور والتنوير."

تجليات أزمة المثقف:

تجليات أزمة المثقف العربي اليوم تتمثل بحالة الانكشاف القيمي الكبير،التي سقط من خلالها كثير من أدعياء الثقافة ورموزها الذين كشفت الأزمة عن تناقضاتهم مع أبسط المسلمات الأبستمولوجية ورطاناتهم الأيديولوجية.

فبعد نضال البعض منهم طويلا،تحت لافتة تعزيز قيم العصر الثقافية كالديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ به يسقط في أول اختبار واقعي بمدى إيمانه بتنظيرات نضالاته تلك، كالديمقراطية التي ناضل من أجلها طويلا،ها هو اليوم يقف ضدا منها ما دامت لم تأت به وبفريقه للسلطة.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

أين نحن إذا من تحديات الألفية الثالثة ومن القضايا المصيرية التي تواجه وطننا العربي وحالة المثقفين في هذا الوطن الكبير على ما هي عليه من اقصاء وتهميش واستئجار،سواء تعلق الأمر بالمثقف المهاجر او المغترب،أو المستأجر أو المهمش أو الذي اقصته القوى الخفية ومسحته من خريطة المجتمع (كاتب هذه السطور نموذجا)؟!

حالة لا تستطيع ان تؤهل المثقف مهما كانت فصيلته من القيام بذلك الدور الريادي في المجتمع،ذلك الدور الذي حدده نعوم «تشومسكي» في اشهار الحق في وجه السلطة،والذي حدده الفيلسوف الايطالي «غرامشي» في دور المثقف العضوي الذي يحمل هموم المحرومين والمهمشين والذي ينظر وينشر الوعي والفكر من اجل انتصار الغالبية العظمى في المجتمع على القلة القليلة التي تتلاعب بثرواته وخيراته. مسئولية المثقف العربي تزداد يوما بعد يوم في عصر لا يرحم وفي عصر زالت فيه الحدود بين الدول وزالت فيه الطرق البوليسية والمخابراتية في الرقابة والاستعباد والاستئجار،فعصر المعلومات فرض ويفرض نوع جريء من المثقفين يتمتع بالتفتح والحوار وبالنقد والنقد الذاتي وبالموضوعية والأمانة العلمية وبالجرأة في الطرح والتحليل والنقاش بعيدا عن المصالح الذاتية والحسابات الضيقة.

فمن حق الشعب العربي ان ينعم بمثقف يكون في مستوى الطموحات والتحديات ويكون عند حسن ظن هذه الجماهير التي لا تنتظر سوى اتاحة الفرصة لمنافسة الشعوب المتطورة والمتقدمة واللحاق بعجلة التطور والتقدم والازدهار.

فلا مستقبل لأمة بدون مفكرين ومثقفين ومنظرين ينتقدون الباطل ويدافعون عن الحق ويحملون هموم المحرومين والمهمشين بعيدا عن شهوات ونزوات السلطة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط