كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ارتفاع الأسعار دعوةٌ إلى الانتحار

ارتفاع الأسعار ظاهرةٌ يشكو منها كل الناس، وتعاني منها كثيرٌ من الشعوب، العربية والإسلامية والغربية على السواء، فهي ظاهرةٌ عالمية، لا تعرف الحدود، ولا تعترف بالخصوصيات، ولا تقف عند دولةٍ وتجتاح أخرى.

بل إنها أصبحت ظاهرة معدية، تنتقل عدواها بسرعةٍ فائقة، وتحملها منتجاتٌ عدة، يحتاج إليها جميع الناس، ما يجعل انتقال العدوى سهلاً وممكناً، وسريعاً وإيجابياً، فهي تنتقل عبر المواد الغذائية، والسلع الاستهلاكية، وتنتقل أيضاً عبر السيارات والكماليات، وبواسطة الأدوية والملابس، وتنقلها أجهزة الهاتف ووسائل الإتصال الحديثة، وغيرها الكثير من الوسائل الفاعلة والنشطة، التي لا تجدي معها كل وسائل الحماية والوقاية، إذ أن أسعارها في ارتفاعٍ دائم، فلا تتوقف عند حد، ولا تتراجع كرامةً لأحد.

وهي ظاهرةٌ يشكو منها الأغنياء قبل الفقراء، وإن كانوا أقدر من غيرهم، وأحسن حالاً من سواهم، إذ لا ينجو منها أحد، ولا يقوى على تجنبها شعب، ولا تستطيع الدول أن تحصن نفسها منها إلا بصعوبةٍ بالغة، وعبر إجراءاتٍ كثيرة، وخطواتٍ معقدة، ووسائل حماية مبتكرة، وتشريعاتٍ وقوانين مشجعة، وأنظمة اقتصادية رحيمة، تنأى بنفسها عن الأنظمة الرأسمالية المتوحشة، التي لا ترحم فقيراً، ولا تحنو على ضعيف، ولا تساعد محتاج، ولا تقف إلى جانب محرومٍ معدم، أو عاطلٍ لا يعمل، ولا يهمها من الإنسان إلا ما يدفع، في الوقت الذي تغرقه بكمالياتها واغراءاتها التي تضره وتنفعها، وتفقره وتغنيها، وتجعل منه طيلة حياته، عبداً أجيراً يعمل لسداد ما عليه من ديون، أو دفع ما ترتب على شرائه من أقساط، وينقضي العمر ويفنى، ولكن لا تنتهي الأقساط والديون ومتطلبات الحياة المسعورة.

لا أرغب هنا في هذه العجالة أن أعالج أزمة ارتفاع الأسعار عالمياً، ولا مناقشة أسبابها، والتعرف على دوافعها، ومن المحرك لها، ومن المستفيد منها، إذ أنها ظاهرة تستعصي على الدراسة، ويعجز المحللون عن فهمها، وإن ادعوا أنهم يعرفون أسبابها، ويدركون منطلقاتها، ويضعون المعادلات الرياضية والمنطقية لها، لأنها مشكلة لا تخضع لقوانين، ولا تحركها قواعد، ولا تسيرها أنظمة، إنما تشغلها نفوسٌ شرهة، وقلوبٌ متحجرة، ووحوشٌ اقتصادية ضاريةٌ متوحشة، تحركها منافع فردية، ومكاسب شخصية، ولا يهمها غير ذاتها، وما تحققه من كسب، وما تزيده في أرصدتها وحساباتها البنكية، التي تزداد وتتضاعف في متواليةٍ هندسيةٍ لا تتوقف ولا تشبع، علماً أن أرصدتهم الخرافية هي من جيوب الفقراء، ومن قوت المعدمين، ومن دماء وعرق الشعوب الكادحة.

ما يهمني هنا هو المواطن العربي الفقير، الذي ينتظر بشغفٍ وترقب، نهاية كل شهرٍ، لينعم أياماً معدودة براتبٍ لا يكفيه وأسرته، ولا ينفعه وأولاده، ولا يكاد يلبي جزءاً من حاجاته ومتطلباته، في ظل تدني الرواتب والأجور، وارتفاع الأسعار الكبير، وحالة الغلاء الفاحش التي تطال كل شئ، ولا تستثني سلعة، ولا تتجاوز منتجاً، إذ من العيب أن تنفرد سلعةً بتدني سعرها، أو انحفاض ثمنها، بل يجب عليها أن تتشابه مع غيرها، وتتساوى مع سواها، وإلا أصبحت نشازاً غريباً، وحالةً شاذة غير مرغوبة.

كثير من المواطنين العرب في أغلب البلاد العربية، مستثنياً بعضهم التي تمتاز بلادهم بقلة عدد السكان، الذين لا يزيدون في بعضها عن عدد سكان مدينة أو مخيمٍ فلسطيني، بالإضافة إلى ثراء بلادهم، وغناها بالنفط والغاز والذهب، فإن الآخرين يعيشون ضائقة في حياتهم، ويعانون في عيشهم، ويشكون من عدم قدرتهم على شراء حاجاتهم، أو تحسين ظروف عيشهم، سواء فيما يتعلق بمساكنهم وأثاث بيوتهم، أو في ما يؤدي إلى النهوض بمستوى عيشهم العام.

في بيوتنا العربية، وأسرنا الصغيرة والكبيرة، نجد عائلاتٍ كثيرة لا تعرف مذاق اللحوم إلا مرةً في الشهر، وأحياناً تمر على بعضهم الشهور ولا يطبخ في بيوتهم لحم، يشتهونه لكنهم لا يشترونه، يوفرون من مصروفهم ليشتروا منه أقل القليل مما يلون طعامهم ويغير مذاقه، رغم أن أغلب مشترياتهم بالدين، أو على الدفتر، التي تتراكم فلا يقوى الراتب على سدادها، ولا تقوى برامج الحمية والتقنين على القضاء عليها.

ومن العائلات العربية من تورث لأبنائها وأحفادها الثياب والملابس، التي يلبسها الآباء والأولاد والأحفاد، فهي لا تهترئ لأنها لا تكوى، ولا تبلى لأنها لا تغسل بالمنظفات الصناعية، لعدم قدرة بعضهم على شرائها، فيكتفون بغسلها بالماء، أو ببعض المنظفات البسيطة، التي تذهب الرائحة، وتحافظ نسبياً على اللون، ولكنهم يتدخلون فيها تضييقاً وتوسيعاً، وتطويلاً وتقصيراً، لتلائم الجميل، وتناسب كل مستعملٍ لها.

كثيرةٌ هي العائلات العربية التي لا تشتري الفواكه إلا الرديئة منها، في الوقت الذي لا تعرف مذاق أو نوع الكثير منها، ولا تغير أثاث بيتها إلا إذا وجدت آخر مستخدماً بسعرٍ بسيطٍ، أو يرغب صاحبه في التخلص منه، فيمتلكه من ينقله، ويحوز عليه من ينزله من مكانه.

أما الأطفال فعلى الرغم من أنهم لا يفهمون الأسباب، ولا يتفهمون الظروف، ولا يقبلون بالأمر الواقع، إلا أنه يبدو أنهم قد أقروا بالأمر الواقع، واقتنعوا بأن الكثير مما يرون ليس للطعام ولا للشراب، وليس للشراء والاقتناء، إنما هو زينةٌ فقط، يمتعون عيونهم بالنظر إليها، ويوهمون أنفسهم بالاستمتاع بمذاقها، كطفلٍ يرغب في شرب عصيرٍ، فأراه يشرب كميةً من الماء بشراهةٍ كبيرة، ثم يتبعها بجرعةٍ من عصيرٍ، ليبقي على الطعم، ويوهم نفسه أنه شرب عصيراً لا ماءً.

ثم يتساءلون لماذا تثور الشعوب العربية، ولماذا تنتفض، ولماذا تخرج على حكوماتها، وتتظاهر ضد أنظمتها، ويتجاهلون أن حكوماتهم هي سبب انتفاضاتهم، وأنظمتهم هي التي تدفعهم للثورة، عندما يرون أن السلطات الحاكمة تنهب خيرات البلاد، وتسرق قوت العباد، وتجلد ظهور الناس، وتكمم الأفواه، وتقيد الأيدي، وتتهمهم بأنهم مأجورين ومندسين وإرهابيين أو مدمنين، إذا طالب أصحابها برغيفِ خبز، أو بعض طعام، أو إذا تطلعوا إلى وظيفةٍ وسألوا عن عمل، أو إذا تجرأ أحدهم ونصب على الطريق بسطةً فيها خرضوات للبيع لا أكثر، أو تطور فكرهم، وتنور رأيهم، فطالبوا برفع الأجور، والحفاظ على الدعم، وعدم تخيفض العملة الوطنية، أو الاستجابة إلى شروط البنك الدولية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط