كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إرهاصات ثورة روسية ملونة

إرهاصات ثورة روسية ملونة

تاريخ النشر: 2023-06-27 | 10:10

لعل أكثر ما يخشاه فلاديمير بوتين ومعه الطغمة الحاكمة في روسيا، هو ثورة روسية ملونة؛ ثورة تندلع على حين غرة، تخلخل نظام الحكم، وتزعزع أركانه، وتفتح الباب واسعاً أو موارباً أمام تغييرات شبيهة لما يجري ويدور في أنحاء العالم الكبير والضيق في آن.

وتعبير “ثورة ملونة" كان النظام في روسيا الاتحادية من اختاره تهكماً على الثورات الحاصلة في دول الجوار، وما هو أبعد من الجوار، بوازع الاستخفاف بها والتقليل من شأنها، وإيذانا بوصمها بالعمالة والخيانة والارتهان لقوى اجنبية خارجية مشبوهة منفذة لأجندات غربية وغير ذلك من الأوصاف.

  التهكم والاستخفاف كان لحق بثورة الشعب الجورجي عام 2003 والتي وصفت حينها بالوردية، وبثورة شعب التيبت عام 2008، والتي سميت بالقرمزية، وبثورة الشعب الأوكراني عام 2004، والتي عادت وتجددت في 2013، ووصفت بالبرتقالية، وبثورة الشعب الإيراني عام 2009، والتي وصفت بالخضراء؛ هذا بالإضافة إلى ثورات خضراوات أخرى اندلعت في تونس ومصر وسوريا وليبيا ابتداءاً من عام 2011ـ وسميت فيما بعد بثورات الربيع العربي.

  ولعل تسمية ثورات الربيع العربي بهذا الاسم ما هي إلا اقتباس لأسماء ثورات أخرى حملت اسم الربيع، تفتحت، كي لا نقول تفجرت، في بودابست وبراغ في عامي 1956 و1968 على التوالي في المجر وتشيكوسلوفاكيا ضد التبعية للنظام السوفياتي، أو للمعسكر الاشتراكي ولحلفه العسكري المسمى بحلف وارسو.

  معلوم لنا جميعاً، أن هذه الثورات قد ووجهت جميعها بالقمع الدموي. وكانت جنازير الدبابات قد سحقت زهور ربيع معظم هذه الثورات وغيرها، بالمفهوم المجازي وبالمفهوم المباشر، كما حصل لاحقاً في ميدان تيانان من في بيكين في عام 1989، حيث ذهب ضحية هذا السحق المئات وربما الآلاف.

   ما يميز هذه الثورات هو أنها تندلع فجأة، ومن مكان غير متوقع بتاتاً ولكنه غالباً ما يكون في العمق، أو في نقطة ضعف ما حول "كعب أخيل"، ومن صميم مشاعر متأججة متجمعة مختزنة لحشود محتشدة تواقة لنسائم حرة وآبية على نفسها الركون للصمت والذل والخنوع. ولسوء طالع الأنظمة المستبدة، والنظام الروسي أحدها، إن هذه الثورات غالباً ما تنفجر في وجوه ممثليها ورموزها، أو ما بين أيديهم وأصابعهم.

  لعل ما يميز هذه الثورات كذلك تموجات ألوانها المتعددة، وانعكاساتها وانتقالها، بسرعة البرق احياناً وبسرعة الرسائل الصوتية أحياناً أخرى، من قرية إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، دون أي اعتبار لحدود سياسية أو جغرافية ودون تفرقة ما بين شعب وآخر، أو ما بين عرق أو لون أو دين.  

  هي كالعدوى، ولعل ما يخيف الأنظمة الحاكمة المستبدة هو استحالة وقف انتقالها واستحالة التحصن ضدها؛ فلا طعماً مضاداً ممكناً لها ولا مصلاً. فهي تنتقل وتتوسع وتمتد وتنتشر انتشار النار في هشيم أوراق الشجر الجافة، دون إذن ودون سابق إنذار، فأين المفر؟

  من سوء حظ هؤلاء، ومن سوء حظ الاتحاد الروسي، أن العدوى اندلعت مؤخراً في حدائق خلفية قريبة. فقد اندلعت في أوكرانيا وجورجيا وكازاخستان وروسيا البيضاء. كان الطعم المضاد الوحيد المستخدم في هذه الحالات هو الدبابة والطائرة والصواريخ الفرط صوتية ومشتقاتها على اختلاف أنواعها.

 

ما حصل في روستوف

 

لم تتمكن قوات الاتحاد الروسي من إخماد ربيع أوكرانيا، رغم جميع المحاولات اليائسة، فكان لا بد من إدخال الدبابات والطائرات كالعادة، وكان لا بد لهذا التدخل أن يطول وأن يتعثر لما يزيد عن أربعة عشر شهراً. كانت محاولات وأد هذا الربيع في مهده ضرورة قصوى كي تكون أوكرانيا عبرةً لروسيا نفسها، أي للشعب الروسي نفسه، فيما لو سوّلت له نفسه أن يضعف أمام فيروسات هذه العدوى.

 وكان لا بد، في خضم الحرب الروسية الشعواء على أوكرانيا، أن تقع الفرقة ما بين رفاق السلاح الواحد، كما يبدو، وهو سلاح توزع ما بين أيدي عصابات الجريمة المنظمة المتحدة والمتحالفة والمتنافسة في آن. كان لا بد أن يدب الخلاف بين رفاق السلاح الملوث بدماء الأبرياء الذين تجرأوا على الثورة.

  حصل أن اختلف الرفاق فيما بينهم، وحصل أن رفع بعضهم السلاح في وجه بعضهم الآخر، وان استنجد بعضهم بعصابات مرتزقة أخرى. حصل أن تمردت جماعة (أوعصابة!) ونزلت بعتادها الثقيل وبمجنزراتها ودباباتها الحديثة وبعناصرها الملثمين، لتستولي على مقر القيادة العسكرية المركزية. هل هو انقلاب؟ يحصل هكذا "ترتيبات" بين رفاق السلاح الواحد أحياناً في بعض الدول "العظمى"!

كانت روستوف على الدون شاهدة على محاولة الانقلاب التي لم تستمر طويلاً، ذلك قبل أن يتدخل زعيم عصابة ورفيق سلاح مجاور، تجمعه صداقة مشتركة مع الأطراف المتنازعة، ليعمل على فض الخلاف، ولو إلى حين، وبأقل الخسائر.

 

ردة فعل الشعب؟

 

  لكن ما رأي الشعب بما حصل؟ ولماذا لم يهبّ دفاعاً عن دولته ونظامه ورئيسه المفدّى ضد من اتهموا بالخيانة وبالغدر وبالطعن في الظهر في زمن الحرب؟ ولماذا وقف موقف المتفرج أمام هذا المشهد الغريب وغير المألوف؟ بل وما تم بثه من صور ومشاهد أظهر تعاطف السكان وتضامنهم مع الانقلابيين وتشجيعاً لهم. لعل ما يمكن اعتباره دافعاً لذلك ليس الحب تجاه عصابات فاغنر، بقدر ما هو الاستبشار ببداية تصدع النظام الروسي القمعي الفاسد المستبد، حيث أن القلاع الحصينة أول ما يبدأ سقوطها من داخلها.

  إن أكثر ما كان يخشاه النظام الحاكم قد وقع على الأرجح، فهل هي العدوى قد انتقلت وتخطت الستار الحديدي، وبدأت بالانتشار في مفاصل الدولة؟ وهل هي إرهاصات ثورة روسية ملونة بدأت بوادرها تلوح في الأفق، قادمة لا محالة، حتى لو استطالت ما أسموها ب "الأزمة" لأيام وربما أكثر؟

  وهل هذا هو السبب الذي ساعد في الإسراع بقبول أي حل طارئ بمساعدة من صديق موثوق، حاله لا يختلف كثيراً عن حال أصحاب الشأن في الاتحاد الروسي، ذلك كي لا يقع الأسوأ والأخطر وينفرط العقد كما انفرطت عقود سابقة، كانت في مرحلة من مراحلها عصية على الانفراط، وأبعد ما تكون مهيّأة للوقوع أمام عدوى جارفة وأكيدة لا مناص منها ولا فرار؟

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط