كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أروح أدور على «ماضى»

درست التحليل النفسى على يد رائد ذلك العلم فى الوطن العربى مصطفى زيور، الذى كان يتميز فى محاضراته بلغة عربية أنيقة رائقة، وصوت إذاعى رخيم. وكانت امتحانات زيور ربما تأثرا بالمدرسة الفرنسية - عبارة عن جملة واحدة وربما كلمة لا تزيد، تاركا لنا الانطلاق والإبداع فى إجاباتنا.

ذات مرة كان السؤال كلمة واحدة هى «النكوص»، و النكوص فى لغة التحليل النفسى يعنى الهجرة من ماض مؤلم لم يعد مستطاعا تحمل آلامه إلى ماض سعيد بعيد لم يعد قائما بالفعل، ليسترجع المرء ما عاشه فيه من لذة ومتعة، فتحل بذلك سعادة موهومة محل واقع مؤلم. وتتم تلك العملية وفقا لأدبيات التحليل النفسى بصورة آلية لاشعورية, بمعنى أن المرء لا يحلل الواقع فيراه مؤلما تعسا فيقرر الارتداد إلى ماض لم يعد هناك، فلعله لو حلل وفكر لتعرف على مصدر آلامه و تحمل معاناة التغلب عليها.

حين قرأت «الامتحان» ألح على خاطر أن أبدأ إجابتى إجابة مبتكرة. كنت أعرف أن تراث التحليل النفسى قد اغترف كثيرا من الأدب وخاصة من مسرحيات شكسبير، باعتبار أن توهج الفنان قد يكشف من أعماق النفس الإنسانية ما يعجز العلم البارد المنضبط عن التوصل إليه، وعلى العلم بعد ذلك القيام باختبار ما اكتشفه الفنان. وكنت أعرف ولع زيور بالأدب العربي؛ ولكن المغامرة كانت فى أن ما يلح على هى كلمات باللهجة العامية التى لم أكن أعرف مدى تقبل أستاذى للاستعانة بها فى ورقة امتحان «رسمية»؛ وعلى أى حال فإن الدكتور مصطفى صفوان تلميذ زيور الأثير قد أقدم بعد سنوات على ترجمة مسرحية عطيل لشكسبير إلى اللهجة العامية.

بدأت إجابتى بكلمات للشاعر حسين السيد غناها محمد عبد الوهاب تقول: عذاب الجرح يحرمنى من الدنيا اللى انا فيها/ وطول الليل يرجَّعنى لدنيا كنتِ ناسـيها/ أروح أدور على ماضى كان لى فيه حب زمان/ واشرب لوحدى كاس فاضى دايما أفكر فيه مليان.

اعتبرت أن ذلك هو جوهر النكوص. أن نعجز عن تحمل عذاب الحاضر وتحمل تبعات تغييره فنغمض أعيننا عنه ونمضى مستمتعين باستعادة ماض قد ولى. ليس بمجرد تذكره، بل بمحاولة بعثه للحياة من جديد مغفلين لا شعوريا أن الماضى لن يعود.

إن تذكر الماضى عملية واعية إرادية عقلية حيوية وضرورية نمارسها جميعا استخلاصا للعبر، واستفادة من الخبرات السابقة، أو حتى للترويح عن النفس؛ أما النكوص إلى الماضى فهو الحياة فى ذلك الماضى بالفعل؛ وإذا ما تحول النكوص بالمعنى الفرو يدى من عملية لا شعورية إلى قصد شعورى يتمثل فى محاولة تدمير الحاضر سعيا لإحياء الماضى وإقامته على أنقاضه؛ أصبحنا حيال ما نشهده اليوم من أعمال «إرهابية» تستهدف إرهاب الحاضر المؤلم لينزاح ويختفى ليحل محله الماضى «السعيد».

خلاصة القول أن ما يدفع الجماعة إلى هجرة حاضرها وإحياء ماضيها؛ هو أن حاضرها مؤلم بالفعل. حاضر مخيف لا يبدو له مستقبل، تكتنفه البطالة والفقر والتخلف. غير أن السؤال يظل قائما. هل ينطبق ذلك على كافة الجماعات؟ أو على كافة أفراد الجماعة المعينة؟ هل قدر الإنسان أنه كلما واجه واقعا مؤلما مترديا، أن ينكص راكضا متجها إلى الماضي؟ ترى كيف واجه غيرنا واقعهم المؤلم؟ كيف واجه اليابانيون كارثة قصف مدينتى هيروشيما ونجازاكى بالقنبلة الذرية؟ وكيف واجه الألمان والإنجليز وغيرهم كوارث ودمار الحرب العالمية الثانية؟ لماذا لم تدفع بهم تلك الكوارث إلى محاولة استعادة الماضى الزاهر؟ إن الأمثلة المتاحة المعاصرة أمثلة أوروبية، لا تجمع بينها الجغرافيا فحسب، بل حضارات تتعدد خصائصها الفكرية والعقائدية أيضا ولكن ثمة ما يميزها عن إطارنا الفكرى العقائدي.

الأمر فى حاجة إلى تفكير متعمق. أترى السبب يكمن فى تأويل محدد للدين الإسلامي؛ يرسخ على غير الحقيقة فكرة أن تخلف الأمم و ما يحيط بها من كوارث لم تكن تعانى منها فى الماضى إنما يرجع إلى ابتعادها عن ذلك التأويل الذى يعتبر عند أصحابه «صحيح الدين» ومن ثم فإن «العودة» إليه كفيلة بتحقيق سعادة الدنيا والآخرة دون بذل الجهد المضنى والضرورى لمعالجة ما نعانى منه؟ ولماذا نمضى بعيدا؟ لقد شهدنا غداة انتصار أكتوبر من أرجع هذا الانتصار إلى سبب وحيد هو العودة إلى «صحيح الدين»، الذى تسبب ابتعادنا عنه فى هزيمتنا المروعة فى يونيو، وأطلقنا على انتصارنا فى أكتوبر تعبير «المعجزة»، كما أطلقنا نفس التعبير على كافة إنجازاتنا حتى يومنا هذا؛ بل وأطلقناه كرما منا على غيرنا فدرجنا على القول مثلا بمعجزة التقدم اليابانى وهو ما لم يطلقه اليابانيون على «إنجازاتهم».

إن تعبير «المعجزة» يعنى قدرة الله عز وجل على تحقيق أمر يعجز البشر عن إتيانه بمجهودهم مهما حاولوا، مثل عدم احتراق سيدنا إبراهيم بالنار، أو تحول عصا سيدنا موسى إلى حية تسعي، أو عودة أهل الكهف إلى الحياة بعد أن لبثوا فى كهفهم سنين عددا. لقد انتهى زمن المعجزات المادية، وبقى أن يجتهد البشر، دون أن ينقص ذلك من إيمان أحد.

عن الاهرام

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط