كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أزمة العلاقة بين السياسي والديني

أزمة العلاقة بين السياسي والديني

تاريخ النشر: 2017-04-17 | 09:16

قد لا يكون تأثير العامل الديني في السياسة والحياة السياسية العربية جديدًا؛ فلقد شهدنا على فصول منه متعدّدة ومتفاوتة الآثار منذ قيام الدولة «الحديثة» في البلاد العربية، تعاقبت فيه السلطةُ السياسية و«الحركات الدينية» على القيام بأدوار مختلفة في إدخال الدين في لعبة تكوين الدولة، أو في تثبيت أركان السلطة وتوطيدها، أو في زعزعة استقرارها ومحاولة تغييرها. والمبدأ الذي استندت إليه كلُّ سياسة رامت استغلال الدين في المجال السياسي إنما هو المبدأ المزعوم بتماهي الدين والسياسة، الذي تلخّصه عبارة «الإسلام دين ودولة» العزيزة على قلوب المستشرقين والأصوليين، والتي عليها مبنى فكرةِ «جماعة الإخوان المسلمين» عند مؤسّسها (حسن البنا) ومنظِّر المقولةِ التي تنسُج خيوط ذلك التماهي.
ومثلما حاولت النخب الحاكمة تملُّق مشاعر المؤمنين من طريق الادّعاء أن سياساتها تشتقّ شرعيتَها من الدين، كذلك فعلت الجماعات الإسلامية لخلع الشرعية عن النخب ومحاربتها بنفس أسلحتها، من طريق بيانها أنّ سياسات النخب تلك عارية من أي شرعية دينية، بل الزعم أنها سياسات مجافية لأحكام الشريعة.

كنّا لعقودٍ طويلة ممتدّة، من عشرينات القرن العشرين حتى اليوم، في قلب المنازعة المحتدمة على الشرعية السياسية باسم الإسلام؛ تُدثِّر النخبُ العَلمانية والليبرالية مدنيةَ سلطتها بالنصّ الدستوري على أنّ الإسلام دين الدولة، أو أنّ الشريعة الإسلامية مصدرٌ رئيس (أو: المصدر الرئيس) للتشريع. في المقابل تتوسّل الجماعات الإسلامية المعارضة الدينَ للتعبير من خلال مفرداته عن مواقفها السياسية ومشروعها لبناء سلطةٍ بديلة. الإسلام عند الأوَّلين، كما عند الأخيرين، رأسمالٌ، مجرّدُ رأسمالٍ قابلٍ للاستثمار السياسي في لعبة السلطة والثروة! وليس مهمًّا عند هؤلاء، كما عند أولئك، إن كان لاستثمار ذلك الرأسمال من تبعاتٍ على وحدة الشعب والوطن والدولة، على الاستقرار السياسي والسلم المدنية، فكلُّ شيء مباحٌ من أجل الظفر بالسلطة، والأسلحةُ جميعُها مشروعة: أنظفُها والأوسخ، إنْ كان لها التيسير على طلاّب السلطة، أليستِ السلطةُ - كالنّفس - أمّارةٌ بالسوء؟! وهل هناك من سوءٍ أكثر من أن تتمزق مجتمعاتٌ عربيةٌ في الماضي القريب-آخرُها الجزائر-من وراء الاستخدام السياسي للدين؟ وعلى مذْبَح سلطةٍ يُسْعَى إليها باسم الإسلام؟! غير أنّ استثمار الرأسمال الديني في الصراع على السلطة بلغ ذراه في أحداث ما يسمى «الربيع العربي» وقارب حدودًا من الشطط وسوءِ الاستخدام غيرِ مسبوقة. كان الإسلاميون الحزبيون أبطال ذلك الاستثمار في الأحداث تلك مستفيدين، في ذلك، من ضَعف خصومهم الحزبيين من جهة، ومن حال الفراغ التي تولَّدت إمّا من سقوط سلطة- كما في تونس ومصر وليبيا- أو من فقدانها السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد من جهة أخرى. وما لبث الاستثمار المذكور أن رَكَّبَ الإسلام على فوّهات البنادق والمَدَافع معلنًا «الجهاد» على السلطة «الكافرة»، ذاهبًا بالنزاع إلى الاقتتال، غيرَ عابئٍ بالثمن الاجتماعي والإنساني الذي يدفعه المجتمع من ركوب مشروعٍ سياسيّ مستحيل. ولم يكن الحزبيون و«الجهاديون» الإسلاميون وحدهم مسؤولين عن إدخال السياسة، ومعها المجتمع برمّته، في نفق الموت الجماعي باسم الدين، وإنما شاركهم في المسؤولية «علمانيون» ليبراليون وقوميون ويساريون هوَّن عليهم الانتهازُ ركوبَ مرْكَبِ محالفةِ الإسلاميين أولاء، وتوسُّلِ سلاحهم، قصد هدف تغيير النظام القائم بالقوة، حتى من دون أن يَحْفِلوا بما إذا كان حلفاؤهم «الجهاديون» سيحفظون لهم مكانًا في دولتهم «الإسلامية»! لم تكن حالُ السياسة والصراع السياسي، في بلادنا العربية، طيّبة قبل اندلاع «الربيع العربي»؛ كانت سيئةً في غاية السوء، بل منحطَّة، ولكنها -قطعا- أصبحت أكثر انحطاطًا منذ سنواتٍ ست؛ منذ بات المُتَّاجرون بالعقيدة يستسهلون إنزالها من علياء الدين إلى زواريب الحارات والنزاع على أمتار هنا وهناك لتوسيع رقعة سيطرة إماراتهم، وموارد مسروقات البلاد والعباد المنهوبة بحدّ السيف أو بالخُوّات! بات التمثيل النيابي، والدستور، واستقلالية القضاء، والحريات الفردية والعامة، وحرية الرأي والصحافة، وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، والمساواة القانونية، والمشاركة السياسية...، مفردات كُفْر ولم تعد مفردات السياسة، أما هذه فأصبحت مفرداتُها الإمارة، والولاء والبراء، والطاعة، والبيعة، والحدود، والردّة، والفتوى، والفسق، والكفر، والتوبة...الخ! معارضة الأمس كانت تؤخذ إلى السجون، وإن أفلت مَن أفلت فسبيله إلى المنفى، أمّا معارضة اليوم فمآلُها إلى الشنق والسَّحل، لأن معارضةَ وليّ الأمر كُفْر، وخروجٌ عن الجماعة والمِلّة! هل كنّا قد بلغْنا هذا المَبْلغ من ذبْح السياسة حتى في عهود أعتى الديكتاتوريات العربية الحديثة؟ درسٌ جديد من دروس «الربيع» ذاك يدعونا إلى أن نستوعبه ونتَّعِظ به: إنّ إقحام الدين في السياسة يُسيء إلى الدين والى السياسة معًا، يحوّل الدين من عاملِ توحيدٍ ولُحْمَةٍ وتضامُن إلى عاملِ تنازُع وفُرقةٍ وفتنة، وفي ذلك تزويرٌ صارخ لمعنى الإسلام ورسالته. إذا كان لذلك «الربيع العربي» وأهواله ومَقَاتِلِه من فائدة، ففي أنه يعلّمنا أنّ الطريق إلى بناء أوطانٍ جامعة، يعيش فيها الناس آمنين على أرواحهم وممتلكاتهم، وإلى بناء دولٍ وطنية حديثة، يتمتعون فيها بالحقوق المدنية والسياسية والمواطنية الكاملة، ويشاركون في إقامة عمرانها الديمقراطي والعدالي بإرادتهم الحرّة، إنما تمرّ من طريق فكّ الاشتباك بين الدينيّ والسياسيّ، وتحييد الدين في المنازعات الاجتماعية والسياسية على السلطة والثروة، والاجتهاد في العثور على المعادلة الصحيحة والصحية بين السياسة والدين. في تجاربنا التاريخية سوابقُ وعِبَر يُبنى عليها، كما في تجارب غيرنا من الشعوب والأمم. وفي هذا الاجتهاد فليتنافسِ المتنافسون.
عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط