كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطنية

أزمة المرجعيات السياسية الجاهلة وهيمنتها على المؤسسات الوطنية

تاريخ النشر: 2026-07-18 | 11:36

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
إن أخطر التحديات التي تواجه إدارة العمل المؤسسي بمختلف أبعاده التنموية، والاجتماعية، والاقتصادية، لا تأتي من فراغ لوجستي أو نقص في التدفقات المالية، بل تولد من رحم المحاصصة السياسية والحزبية التي تفرض سطوتها بغير علم، لقد تحولت بعض المرجعيات السياسية، التي كان يُفترض بها أن تكون صمامات أمان لحماية البناء المؤسسي، إلى أدوات هدم وتجريف للكفاءات، عبر تصدير الشخصيات غير المؤهلة لإدارة وتوجيه مفاصل القرار الفني المعقد. إننا نواجه اليوم ظاهرة تنظيمية مرعبة يمكن وصفها بـتسيّد الجهل المعرفي المقنع بسلطة المنصب؛ فالمؤسسات المعاصرة لا تنهار عادةً بسبب أزمات مالية عابرة، بل بفعل سيل جارف من القرارات السيادية والمصيرية العشوائية الصادرة عن مرجعيات لا تملك في جعبتها سوى حبر الختم وسلطة التوقيع المطلق. وفي العالم الحديث والمعقد، لم تعد الإدارة مجرد ممارسة تقليدية تقوم على التوجيه وإصدار الأوامر الفوقية، بل أصبحت علماً وفناً قائماً بذاته، يتطلب فهماً عميقاً للتفاصيل الفنية والتقنية واللوجستية؛ ومع ذلك، تطفو على السطح في بيئتنا الفلسطينية -وخاصة في قطاع غزة- أزمة صامتة لكنها مدمرة، يمكن تشخيصها بـأزمة المرجعيات الجاهلة، ورغم وجود قلة من المرجعيات ذات المهارات العالية والخبرة، إلا أن المعضلة تكمن في الاعتقاد الواهم بأن كل شخص ماهر في السياسة والتنظيم لا بد أن يكون عبقرياً في الإدارة؛ فالمهارة السياسية لا تعني بالضرورة الإحاطة بالقوانين، واللوائح، والمسارات الإجرائية التي تنظم عمل المؤسسات، والتي فرضت ظروف واقعنا وقوعها تحت سطوتها، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. أولاً: تشريح المعضلة وتفكيك أسباب تشكّلها تتجلى هذه الأزمة وتتغذى من خلال أربعة أركان رئيسية تتشابك فيما بينها لتصنع بيئة طاردة للعمل العلمي: 1. وهم المعرفة الشاملة حيث يعتقد بعض المسؤولين أن ارتقاءهم في السلم الحزبي يمنحهم تلقائياً صكاً لامتلاك الفهم والقدرة على البت في كل شأن، حتى وإن كان تقنياً دقيقاً يتطلب سنوات من الدراسة والتخصص. إنهم يخلطون بغباء بين سلطة المنصب وسلطة المعرفة، وهناك من ينافقهم ويضللهم لأمر في نفس يعقوب! 2. غياب الحوكمة والموضوعية فعندما تغيب الأطر المؤسسية الحقيقية والمعايير الواضحة للتقييم، تصبح القرارات المصيرية رهينة المزاج الشخصي، والطباع الفردية، والخلفيات الضيقة لمتخذ القرار، مما يفرغ العمل من منطقه العلمي والمنهجي. 3. تأثير الحاشية وبطانات المصالح في ظل غياب الكفاءة الفكرية لدى المسؤول، يميل تلقائياً للاستناد إلى بطانة مستفيدة ومنافقة تسوّق له ما يود سماعه فقط لحماية امتيازاتها الخاصة، مما يعزل القيادة تماماً عن واقع الميدان. 4. تدمير العدالة التنظيمية فعندما يرى الموظف المنتج والكفء أن "الفتوى" الإدارية والقرارات المصيرية تُفصَّل على مقاس مصالح ضيقة وبجهل مطبق بالحقائق، يتسلل الإحباط سريعاً إلى نفسه، وينهار لديه الولاء للمؤسسة؛ لعلمه أن الكفاءة لم تعد معياراً حقيقياً للارتقاء. إن أسوأ ما قد يواجه المهني المحترف هو أن يضطر لتبرير بديهيات عمله لمن لا يملك حتى أدوات الفهم الأساسية لها، ثم يُحاكَم بناءً على حكم جائر يفتقر للموضوعية. ثانياً: مظاهر التخريب التنظيمي وتداعياته عندما يتصدى للإفتاء المهني قادة غير متخصصين لا يكلفون أنفسهم عناء الفهم، ينجرف العمل نحو منزلقات خطيرة، أبرزها: سطحية المعالجة القائمة على التخمين والتجارب القديمة التي لا صلة لها بالواقع، والعناد المعرفي لحفظ الوجه؛ حيث يستميت المسؤول الجاهل في الدفاع عن خطئه وسحق أي صوت معارض لحفظ هيبته المتوهمة، مما يكبد المؤسسة خسائر مادية ومعنوية مضاعفة، وصولاً إلى شيوع الفوضى الفنية نتيجة التوجيهات المتناقضة. هذا الخلل يفرض ضريبة باهظة تدفعها المؤسسة من رصيدها البشري والإنتاجي؛ إذ يؤدي مباشرة إلى هجرة العقول وخلق بيئة طاردة للمحترفين، وشلل المبادرة والابتكار لعلم الموظفين أن معيار النجاح هو مداهنة المرجعية لا النتائج، مما يفتح الباب على مصراعيه لازدهار ثقافة النفاق المهني وتسيّد المتسلقين، ويفتح المجال أمام الفساد الإداري، ويعرض المؤسسة للمساءلة القانونية عند أي فرصة تخضع فيها للرقابة الحقيقية. ثالثاً: المخرج وتحويل الأزمة إلى فرص للنهوض إن علاج أزمة المرجعيات الجاهلة في واقعنا يتطلب الانتقال الحاسم من ثقافة الفرد القائد إلى ثقافة المؤسسة المهنية، وذلك عبر ثلاثة مسارات إجرائية واضحة: 1. الفصل الحاسم بين السلطة الإدارية والسلطة الفنية ويجب أن يدرك القائد السياسي أن دوره ينحصر في تمكين الخبراء والكفاءات، وتسهيل عملهم، وليس الحلول مكانهم في اتخاذ القرار التخصصي. 2. مأسسة القرار والتحكيم وإلغاء مبدأ القرار الفردي الارتجالي في القضايا المتشعبة، واستبداله بلجان فنية محايدة ومستقلة تملك أدوات الفهم والتحليل علمياً وموضوعياً، وربط القرارات العشوائية بالمساءلة القانونية وشبهات الفساد. 3. تقييم القيادات بناءً على الأثر وتفعيل أنظمة التقييم الشاملة بأمانة (مثل تقييم 360 درجة) لضمان مراقبة أداء القادة من قِبل مرؤوسيهم والمتخصصين، والحد من استغلال المنصب لحماية الشللية والمعارف. إن الخروج من نفق المحاصصة ليس مجرد عملية إنقاذ، بل هو تحول إستراتيجي يخلق فرصاً حقيقية؛ فهو كفيل باسترداد الأصول البشرية المهاجرة حين يجد المحترفون بيئة تحترم عقولهم، وتحرير الطاقات الابتكارية بمنح الفرق الفنية الأمان المهني، إلى جانب تعزيز الحوكمة وجلب الاعتراف والشراكات الدولية، فالمؤسسات المدارة علمياً تكتسب حصانة موثوقة ضد الفساد، مما يرفع تصنيفها المهني ويجعلها وجهة جاذبة للدعم الإستراتيجي، وهو ما تحتاجه بيئتنا الفلسطينية كأولوية قصوى. الخلاصة: نستنتج مما سبق أن واقعنا المؤسساتي، وخصوصاً في قطاع غزة، يمر بمأزق حقيقي بسبب تغول مرجعيات سياسية يسهل عليها بلباقة لسانها قلب الحقائق، وتسويق الفشل وتجاربها العشوائية على أنها نجاحات باهرة، وإن واقعنا المنهك لا يحتمل ترف الاختبار والتجارب، فالعمر قصير والتحديات جسام؛ وقوة أي مؤسسة لا تُقاس بمدى صرامة الأوامر الصادرة من قمتها، بل بنضج وحكمة وموضوعية المرجعيات التي تحكم مفاصلها، الفتوى بغير علم في بيئة العمل ليست خطأً عابراً، بل هي تدمير ممنهج للعدالة ورصاصة رحمة تُطلق على مستقبل الوطن، واحترام التخصص هو الممر الوحيد والآمن لضمان البقاء والريادة.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط