كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أزمة النخبة: المثقف العربي بين اغتراب الذات.. وصراع البقاء

أزمة النخبة: المثقف العربي بين اغتراب الذات.. وصراع البقاء

تاريخ النشر: 2026-02-08 | 12:30

تمر المجتمعات العربية بمنعطف تاريخي حاسم، تكشف فيه التحولات الجارية عن أعمق أزماتها البنيوية.وفي قلب هذه الأزمة،تبرز نخبتها المثقفة -"الانتلجنسيا"-في حالة من التعرّي القيمي والأخلاقي لم تشهدها ربما من قبل،خاصة وأن هذا المشهد المؤلم يأتي في أعقاب لحظة تاريخية مبهرة سادها الأمل،تمثلت في ثورات رفعت شعارات الحرية والكرامة والديمقراطية بكل سلمية ووضوح.لكن المسار الذي أعقب تلك اللحظة العابرة كشف عن شرخ عميق في جسد النخبة الفكرية،تحولت معه الأحلام الكبرى إلى سجال تسفيهي وجدل عقيم.!

إن الأزمة الأكثر خطورة اليوم هي أزمة المثقف العربي نفسه،بكل أطيافه وتوجهاته،العلماني والنهضوي والسلفي والإسلامي على حد سواء. فهذه النخبة،التي من المفترض أن تكون كتلة الوعي الفاعل وأحد أهم مصادر قوة الأمة وتأثيرها،قبلت بتوزع ولاءاتها ليتغذى على خلافات الأنظمة.وبدلا من أن تشكل منطقة وسطى تتلاقح فيها الأفكار،انجرفت إلى الثنائيات الحادة: انبهار بالعقل الغربي ومنجزاته من جهة،واحتقار للعقل العربي وتراثه من جهة أخرى،مما وسّع الشرخ الثقافي الداخلي.!

 لقد حلت مصطلحات التكفير والتخوين والتأثيم محل الحوار الخلاق،وصار الخطاب التسفيهي هو سيد الموقف،مما يهدد وجود هذه النخبة وكيانها ذاته.وكما يرى المفكر عبد الله العروي،فإن أزمة المثقف تكمن في "كونه يعيش في زمان غير زمانه،يفكر بأدوات الماضي لإدراك مشاكل الحاضر."

وتتجذر هذه الأزمة في استمرار استخدام أدوات تراثية معرفية بالية،بغض النظر عن تسميتها (فقهية،قومية،يسارية،ليبرالية..)،لإنتاج معرفة معاصرة.فهي تُعيد إنتاج نفسها تحت أسماء جديدة،معتقدة أنها تُجدد بينما هي لا تزال أسيرة لمنطق التراث نفسه.!

إن ثقافة "كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي مُغسله" هي الوجه الآخر لثقافة "نفذ ثم ناقش"، فهما معا يشكلان ثقافة الخضوع والعبودية التي تلغي الحرية وتقيد العقل وتخصي الإبداع،فهي ثقافة تستهلك الحضارة ولا تنتجها.وهذا ما حذر منه الجابري حين دعا إلى "نقد العقل العربي" بمعرفة آلياته التراثية لتحريره من سطوتها. وللخروج من هذا المأزق،يحتاج العقل العربي إلى إعادة قراءة تراثه-بكل مكوناته-بمنظور عصري وبمعارف العصر وأدواته،ليصوغ ثقافة جديدة تجعل للعقل والحرية حيزا مؤثرا،وتنتشله من سجن التراث لينتج ثقافة عصره الخاص.

ويتعمق هذا المأزق في ظاهرة اغتراب المثقف العربي وتهميشه،وهي معاناة تاريخية متجددة. ففقدان الحريات وانتهاك الحقوق دفعا بالمثقف إلى العيش كغريب في وطنه،إما صامتا خائفا من مصير مجهول،أو هاربا إلى المنافي حيث يجد متنفسا للحرية لكنه يعاني من "موت بطيء" بسبب القطع عن محيطه الطبيعي.وهذا الاغتراب يأخذ أشكالا أخرى أكثر خبثا،مثل الرقابة الذاتية والانسلاخ الطوعي عن المجتمع،حيث يجد المثقف نفسه في مفترق طرق مأساوي: التقرب من السلطة يعني الانسلاخ عن الجماهير،والتقرب من الواقع والهموم الشعبية يعني استهداف السلطة وتهميشه.وهكذا يقع في شَرَك انتحار بطيء،عاجزا عن التعبير أو وضع فكره في خدمة محيطه.كما يصف إدوارد سعيد المثقف الحقيقي بأنه "هو من يملك موهبة التعبير،وواجبه أن يقدم ذلك للجمهور،وأن يواجه السلطة بالحقيقة"،وهو دور يعجز عنه المثقف المغترب أو الخانع.

وبالتالي،يدفع المجتمع الثمن الأكبر لفقدانه نخبة من المثقفين العضويين الحقيقيين،أولئك الذين ينتقدون ويقفون عند الهموم ويعملون على تغيير الواقع لا تكريسه.فبدونهم،تتحول آليات الاتصال المجتمعي إلى قنوات متملقة منافقة،تزيد من سوء الفهم وتقتل الحوار.وتهيمن ثقافة التبرير والتخدير والتزييف،بهدف تجهيل الرأي العام وتخديره بدلا من رفعه إلى مستوى المشاركة الفاعلة في صنع القرار ومصيره.

وتفرض الأسئلة المحورية نفسها بقوة: ما دور المثقف؟ وما علاقته بالسلطة؟ فالمثقف جزء من المجتمع يؤثر ويتأثر به،لكن طبيعة العلاقة مع السلطة هي المحك.هل هي علاقة تملق وذوبان،أم احترام متبادل يسمح بالتأثير والاختلاف وصولا إلى التضاد إذا لزم الأمر؟

 لقد بقيت الفجوة بين المثقف والسلطة قائمة، وكانت المحاولات القليلة لجسرها في الغالب من طرف واحد،مما يدعو للتشاؤم في عصر يفترض فيه الانفتاح والتواصل.وكما يشير تاريخنا،فإن النماذج التي التحمت فيها المعرفة بالسلطة بصورة صحية كانت هي الأساس لفترات الازدهار الحضاري.

إن المثقف العربي اليوم،وهو على أبواب نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين،يعيش أزمة خانقة تحول دون قيامه بدوره التنويري الحقيقي.فلم يعد مقبولا التعايش مع "مثقف الأزمة" الذي تزيد خرجاته من استفحال الأوضاع، ولا مع المثقف الذي يعيش أزمة ويتراجع عن أداء دوره.

إن الخروج من هذا النفق المظلم يفرض على المثقف أن يضطلع بمسؤوليته كاملة: تنوير الرأي العام،ومواجهة الحاكم بأسئلة محرجة تدفعه نحو إعادة النظر في أولويات الشعب الحقيقية من كرامة وحرية وعيش كريم.فالمجتمع الذي يفتقر إلى مثقفيه الشجعان والملتزمين،القادرين على الحوار والنقد وقيادة التغيير،هو مجتمع محكوم عليه بالبقاء في هامش التاريخ،عاجزا عن صناعة حضارته أو حتى مجرد اللحاق بركب الأمم.

وها هو المثقف العربي يقف اليوم على حافة الهاوية،حاملاً تراثا ثقيلا وواقعا مريرا وأمّة تتطلع إليه.والأزمة ليست في شح الإمكانات،بل في اختلال البوصلة وفقدان الشجاعة الأخلاقية للقيام بالدور المصيري.إن الخيار ليس بين التراث والحداثة،ولا بين السلطة والشعب،بل بين الحياة والموت الحضاري.فإما أن ينهض هذا المثقف من سباته،ويحرر عقله من قيود التبعية والاستلاب، ويجدد عقدَ الثقة مع جمهوره،معيدا تعريف دوره كمُضيءٍ للطريق ورافض للاستكانة،وإما أن يوقع على شهادة وفاة دوره،ليُسجّل اسمه في سجل الشاهدين على زمن الضياع،لا في سجل صانعي المستقبل.لقد آن الأوان لأن يكون صوت الضمير لا صداه،وأن يكون بوصلة الأمة نحو كرامتها وحريتها،لا مجرد صدى لصراعاتها وأوهامها..

على سبيل الخاتمة:

إن معركة المثقف العربي اليوم هي معركة وجودية مزدوجة: معركة ضد اغترابه الداخلي واستلاب هويته،ومعركة ضد تهميشه الخارجي وانكفائه.وهي معركة لا يملك خيار التخلي عنها، لأن مصيره ومصير مجتمعه مرتبطان بهذا الصراع.فإما أن ينهض ليصير ضمير أمته ووعيها الناقد،وإما أن يستسلم فيغدو صدى للسلطة أو صدى للماضي،وفي كلتا الحالتين يفقد جوهره وسبب وجوده. 

إن قاع هذا اليأس الذي نعيشه قد يكون هو البداية الحقيقية،فمن أعماق الأزمة تولد أعظم الأسئلة،ومن رحم الأسئلة المحرجة تلد الإجابات الجريئة.وليس المطلوب من المثقف العربي أن يكون بطلا خارقا،بل أن يكون إنسانا صادقا مع فكره،شجاعا في قول كلمته،متواضعا في تعامله مع تراثه،منفتحا على عصره.فحضارة الأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات،بل بما تنجب من عقول حرة وأرواح شجاعة..

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط