كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أزمة بوركينى أم أزمة حرية؟

أزمة بوركينى أم أزمة حرية؟

تاريخ النشر: 2016-08-27 | 09:46

أثارت صور السيدة الفرنسية المسلمة، التى تم خلع ملابسها من طرف الشرطة الفرنسية فى شاطئ نيس، بداية الأسبوع الماضى، غضب الكثيرين، مسلمين وغير مسلمين، ممن استغربوا رد فعل دولة تحمل شعار الحرية، وتنكره على مواطنيها من أصول عربية.

فرنسا تقول إن «البوركينى» مخالف للقوانين، وبداعى كون الشواطئ تدخل فى الفضاء العام المشترك، ويجب أن تكون خالية من المظاهر الدينية، وأن لباس البحر الإسلامى يُعد «ترجمة لمشروع سياسى ضد المجتمع مبنى خصوصاً على استعباد المرأة»، مما دفعها إلى انتهاك حرمة سيدة اختارت لنفسها لباساً معيناً للبحر، وصادرت حقها فى الاستمتاع بأشعة شمس نيس بالطريقة التى ترتضيها لنفسها، واعتدت على حريتها التى جرّدتها منها أمام عدسات الكاميرات وتحت تصفيقات الفرنسيين الحاضرين!.

أما مصممة البوركينى، أو كما يحلو للبعض تسميته «زى البحر الإسلامى»، أهيدا زناتى، الأسترالية من أصل لبنانى، فإنها تقول «إن فرنسا لا تفهم سبب ابتكار البوركينى، وإن هذا اللباس ابتُكر لمساعدة المرأة المحجّبة على الاندماج فى المجتمع الأسترالى»، كيف؟ ترد «أهيدا» قائلة: «فى الصيف، تشهد أستراليا الكثير من المسابقات الرياضية التى تُنظم على الشاطئ، لذلك ابتكرت هذا اللباس لأسهل على المرأة المحجّبة أن تشارك فى هذه المسابقات وتستمتع بأجواء الصيف دون أن يكون التزامها بلباس معين عائقاً».

إن الأزمة ليست أزمة فهم معنى «البوركينى» بقدر ما هى أزمة حرية تعيشها فرنسا. فرنسا التى اكتوت فعلاً بنار الإرهاب خلال السنتين الماضيتين، وربما تمر بواحدة من أسوأ مراحلها، بعدما اخترقت مخططات «داعش» وذئابها المنفردة، أجهزتها الأمنية، لكن يجب امتلاك القدرة على الاعتراف بأنها تتخبّط فى قرارات عشوائية، بدلاً من أن تطرح السؤال الأساسى الذى يُشكل مفتاح حربها ضد الإرهاب، وهو: لماذا يستهدف الإرهاب فرنسا، وأوروبا عموماً؟.

إن مجرد التمعُّن فى هذا السؤال سوف يكشف مجموعة من الإخفاقات التى لا تريد فرنسا الاعتراف بها فقط، وإنما تكرر الأخطاء نفسها مرة أخرى وبصورة أكثر استفزازاً وأكثر إهانة. والبداية كانت مع ازدياد حركات الهجرة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، بهدف البحث عن فرص عمل، حيث شكلت دول غرب أوروبا، خصوصاً ألمانيا وفرنسا، أحد الأهداف المفضّلة عند المهاجرين.

ومع بداية السبعينات تحوّلت أوروبا إلى «حلم» بالنسبة إلى شعوب دول شمال أفريقيا الذين لجأوا إلى قوارب الموت لتأخذهم إلى شواطئ القارة العجوز، بحثاً عن «الكنز المفقود»، لتستقطب أوروبا بذلك ما يزيد على 5 ملايين عربى، وأكثر من 5 ملايين أفريقى، خلقت وضعيتهم الاجتماعية المتدنية، فضلاً عن هويتهم المختلفة عزلة بينهم وبين السكان الأصليين.

عاملت أوروبا المهاجرين إليها معاملة السيد والخادم، ولم تتجاوز هذه المعاملة حتى مع الجيل الثانى والثالث من المهاجرين الذين يحملون الجنسية الأوروبية، لكنهم لا يتمتّعون بالحقوق نفسها التى يتمتع بها المواطنون الأصليون، فالإهانة والعنصرية والإقصاء هى أهم سمات تعامل أوروبا مع أبنائها من أصول عربية. وهذا ما جعل العنف الصادر عن العرب فى المهجر له أسبابه وعمقه الاجتماعى والسياسى، فهو الابن الشرعى لسياسات العزل والإهانة والفكر العنصرى الذى لا يزال متغلغلاً فى أوروبا، رغم بريق الشعارات التى ترفعها.

أما الأسوأ فى كل ما يحدث اليوم، أن ما يقوم به بعض الأفراد الناقمين على السياسات الأوروبية يدفع ثمنه الملايين من المسلمين الذين لا علاقة لهم بالعنف، لكن اختارت أوروبا بدلاً من أن تُصحح أوضاعها معهم، أن توجه رشاشة عنصريتها وتحقيرها لهم، وتعاملهم كمتهمين لمجرد ارتدائهم الحجاب أو لبسهم البوركينى.

إن صور السيدة والشرطة تخلع ملابسها بالإكراه ستظل نقطة سوداء على جبين الحرية التى تُشكّل أحد مبادئ فرنسا. الحرية التى غالباً ما يتم النظر إليها بمعايير مزدوجة ما دام الغرب يتجاهل كون لبس المايوه أو لبس البوركينى، كما التبرّج أو الحجاب، كلها أمور شخصية وحرية فردية يجب أن تُحترم فى كل المجتمعات، وألا تكون معياراً للتمييز أو الإهانة أو الإقصاء.

على أوروبا أن تستوعب أن محاربة الإرهاب لن تتأتى بالنفخ فى فتيل التطرّف، وعليها أن تؤمن أنه لا يكفى أن تُقدّم دروساً فى التعايش السلمى وقبول الآخر ونشر ثقافة الحوار، بل عليها أن تطبّق هذه المبادئ على نفسها وتعلمها أبناؤها الذين عليهم الاقتناع بأن المهاجرين هم شريك فى الوطن، وأن الشراكة تعنى القبول بالآخر باختلاف دينه واختلاف عاداته، بدل التصفيق على إهانته.

لا يمكن أن ينخرط الغرب فى حربه ضد التطرّف والإرهاب وهو فى الوقت نفسه يمارس تطرّفاً من نوع آخر على الجالية المسلمة لديه، التى يعتبرها «مواطناً من الدرجة الثالثة أو الرابعة». وسياسات الإهانة والإقصاء والاستفزاز لن تزيد الوضع إلا تأزماً فى وقت ما أحوجنا فيه إلى التدبّر والحكمة حتى لا نترك لتجار الدين فرصة لاصطياد المزيد من الناقمين أو الحاقدين.

*كاتبة مغربية

عن الوطن المصرية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط