تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:19
تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:19
ثمة سمة فلسطينية لا أدري أهي من مفارقاتنا الاجتماعية أم من أعراض أزمتنا السياسية والثقافية؛ لكنها تكشف، دون مواربة، عن حالة عميقة من الانكشاف المجتمعي، وعن هشاشة علاقتنا بالنقد والاختلاف. ..فما إن يتعرض قيادي أو نخبوي أو صاحب حضور عام للنقد، بسبب تصريح أو موقف أو قرار، حتى تستنفر دوائر من الأتباع والمدافعين، وكأن المساس بفكرة أو موقف قد تحول فجأة إلى مساس بشخص، أو أن نقد القائد بات فعلاً من أفعال الخيانة والعداء.
والحال أن النقد، في المجتمعات الحية، ليس إعلان حرب على الأشخاص، ولا طعناً في النوايا، ولا خروجاً على الجماعة؛ بل هو أحد أكثر أشكال المسؤولية العامة نضجاً. فالفكرة التي لا تحتمل النقد تتحول إلى عقيدة مغلقة، والقائد الذي لا يحتمل المساءلة يتحول، ولو تدريجياً، من ممثل للجماعة إلى وصي عليها، والجماعة التي تستبدل الحوار بالتخوين والتكفير والتمجيد تفقد، مع الوقت، قدرتها على رؤية أخطائها.
المشكلة إذن ليست في أن يختلف الناس، بل في أننا كثيراً ما نحول الاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى عداء، والمراجعة إلى مؤامرة، والاعتراض إلى خيانة. وفي لحظة كهذه، لا يعود النقاش منصباً على الفكرة أو الموقف، وإنما ينصرف إلى الدفاع عن الأشخاص، واستعراض الولاء، وتبادل الاتهامات، والانخراط في مناكفات لا تضيف إلى الحقيقة شيئاً، ولا إلى القضية قوة، ولا إلى المجتمع قدرة على تجاوز أزماته. وحين يبلغ الأمر حد التخوين أو التكفير، فإننا لا نكون أمام دفاع عن فكرة، بقدر ما نكون أمام محاولة لإغلاق المجال العام وإخضاع العقل الجمعي لمنطق الولاء الشخصي.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تحمي القائد بقدر ما تعزله عن الحقيقة؛ إذ إن كثرة المادحين حوله قد تحجبه عن رؤية أخطائه، كما أن تحويل كل نقد إلى استهداف شخصي يحرمه من أهم ما يحتاجه صاحب المسؤولية: مرآة صادقة تقول له أين أخطأ، لا جوقة تصفق له حيث أصاب وحيث أخطأ.
نحن، في لحظة فلسطينية شديدة القسوة، أحوج ما نكون إلى استعادة الذاكرة النقدية؛ لا ذاكرة تمجيد الذات، ولا ذاكرة البحث عن الأعذار، ولا ذاكرة تعليق الفشل على الآخرين. لقد راكمنا، على امتداد سنوات طويلة، ما يكفي من الإخفاقات السياسية والوطنية والمؤسسية والاجتماعية لكي ندرك أن الاستمرار في حماية الأخطاء باسم الوحدة، أو حماية الأشخاص باسم القضية، ليس سوى تأجيل للأزمة وإعادة إنتاج لها.
بعد كل ما وصلنا إليه من انسداد وفشل وتراجع وانكشاف على مستويات متعددة، لم يعد ترفاً أن نراجع مسيرنا ومسارنا، وأن نسأل بشجاعة: أين أخطأنا؟ متى انحرفنا؟ لماذا فشلنا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وما الذي كان يمكن فعله ولم نفعل؟ والأهم: كيف نمنع إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها؟
إن استعادة ثقافة النقد لا تعني جلد الذات، ولا تعني هدم الرموز، ولا تعني إضعاف الموقف الوطني؛ بل ربما تكون أحد شروط استعادة القوة. فالأمم والجماعات لا تنهض لأنها لا تخطئ، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة الأخلاقية والفكرية للاعتراف بأخطائها وتصحيحها. والمقاومة الحقيقية للفشل تبدأ من مقاومة تحويل الفشل إلى تابو، وتحويل المسؤول إلى رمز فوق المساءلة، وتحويل الولاء إلى بديل عن التفكير.
ربما آن الأوان لأن نعيد ترتيب العلاقة بين الولاء والنقد: أن نكون أوفياء للقضية لا للأشخاص، وللحقيقة لا للرواية التي نحبها، وللمصلحة العامة لا لمراكز النفوذ. فليس أكثر إخلاصاً لفكرة أو قائد من ذلك الذي يمتلك شجاعة القول: هنا أخطأت، وهنا أخطأنا، وهنا يجب أن نعيد التفكير.
وفي النهاية، فإن المجتمعات لا تنكشف فقط عندما تُهزم في الميدان، بل تنكشف أيضاً عندما تفقد قدرتها على مساءلة نفسها. ولعل أخطر علامات الانكشاف ليست أن نفشل، وإنما أن نصرّ على تحويل كل سؤال عن أسباب الفشل إلى جريمة، وكل نقد إلى خيانة، وكل مراجعة إلى مؤامرة. عندها يصبح التمجيد بديلاً عن التفكير، والولاء بديلاً عن الحقيقة، ويصبح الصمت فضيلة زائفة، فيما تتراكم الأخطاء في الظل حتى تصبح أكبر من قدرة المجتمع على احتمالها.
ولذلك، فإن استعادة ثقافة النقد الموضوعي ليست ترفاً فكرياً في هذه اللحظة الفلسطينية؛ إنها، في جوهرها، فعل من أفعال الصمود. فالمجتمع الذي يستطيع أن ينظر إلى جرحه دون أن يخاف من رؤيته، هو وحده القادر على معالجته. والمجتمع الذي يمتلك شجاعة نقد مساره، يمتلك أيضاً فرصة حقيقية لتصحيح مساره.
غزة