كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

استشراق كولونيالي يجدّد روح السرديات التوراتية

استشراق كولونيالي  يجدّد روح السرديات التوراتية

تاريخ النشر: 2018-01-16 | 15:45

في معاندة واضحة، وعلى الضد من واقع الأمر الذي كان قد تحدّد أول الأمر، يتناقض الأمر الواقع، راهنا وفي كل وقت، مع الواقع ومجموع الوقائع، لا سيما التي تنتمي إلى عجينة الأساطير والخرافات القديمة، وكذلك التي تأسست عليها سلطات الاستبداد والطغيان، وحولت "واقع الأمر" معها إلى "أمر واقع" يغبّ من الأساطير سردياته الخاصة؛ وأبرز مثال على هذه المسألة اليوم في ما يحيط بنا من وقائع صراعية، ما بات يعرف باسم "المسألة اليهودية"، حين جرى التخطيط لفرض كيان احتلالي إسرائيلي، أمرا واقعا كولونياليا على حساب واقع الفلسطينيين، كشعب طرد من أرضه، واحتلت ممتلكاته، وغيبت هويته الوطنية. 

وما زال الصراع يجري، من أجل فرض وجود الهوية الوطنية، هوية واقع وطني لم تؤسسه الأسطورة، كما هو حال الهوية الدينية التي تأسست على ركام من سرديات الأساطير التي استندت إليها الخرافة التوراتية، كي تؤسس "أمرا واقعا"، لعبت الحركة الصهيونية في مساحته الواسعة التي أتاحها لها الاستعمار، وقد تحولت هي ذاتها إلى حركة استعمار كولونيالي، بحراسة حركة الرأسمال العالمي، إمبريالية الطابع، صاحبة الهوية الاستعمارية المفروضة بقوة "الأمر الواقع" وأيديولوجياته المؤسسة.

قبل قرن من الزمان، آلت بريطانيا الدولة الاستعمارية الكبرى ذات التاريخ العريق باستعمار واستعباد العديد من الشعوب والأمم، آلت على نفسها تنكب مهمة زرع بذور "أمر واقع" مستجد في فلسطين، فكان وعدها بداية الزرع الذي اكتمل ونضج يوما بقيام كيان سياسي جسد أمرا واقعا سمي "إسرائيل"، هذا الكيان الذي ما يني يفرض مفاعيله الظالمة، ليس في منطقتنا فحسب، بل ويخلخل كل معايير قيم وأخلاقيات العدالة والنزاهة في العالم كله، على حساب شعب لا ذنب له في ما آلت إليه مصائر اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها على أيدي النازيين والفاشيات القومية، برغم تحالفات الحركة الصهيونية مع بعضها، بهدف جعل اليهود يضطرون للهجرة إلى فلسطين، وإحلال وتسمين الوجود اليهودي فيها على حساب أصحابها الأصلانيين من الفلسطينيين والعرب.


هكذا أريد أن يسود "الأمر الواقع" الصهيوني، انطلاقا من الأسطورة المؤسسة، صعودا إلى تأسيس كياناتٍ أسطوريةٍ، عمادها "الأمر الواقع" والواقع الافتراضي، على ما درجت قوانين الإمبرياليات الكولونيالية والشوفينيات القومية التي ما زالت تحلم بإقامة مزيد من الأساطير المؤسسة لواقع الهيمنة الإمبراطورية ووقائعها، استنادا إلى عبودية المقدس الديني وأساطيره التي ما برحت تجد صداها وسط عالم الحداثة الراهن في مواطنها الأكثر تقدّما في الولايات المتحدة وأوروبا؛ وإلا فلم هذا الإغراق في مواصلة البناء على منوال الأسطورة التوراتية التي جعلت من فلسطين مسرحها، ومسرح سردياتها القائمة على قاعدة التصالح مع المصالح الكولونيالية، واستعداء ما يتناقض (أو يتعارض) مع تلك المصالح، ذات الطابع الشعبوي المغرق في يمينية متطرّفة، استهوت المؤمنين بالصفقات الكبرى، من قبيل ما يدّعيه ويزعمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من قدرته على تذليل "صراع القرن"، وإيجاد حلول يقايض فيها "واقع الأمر" الفلسطيني بـ "أمر واقع" إسرائيلي، محمولا على كفّ الدعم والإسناد الهيمني الكولونيالي، حتى في ظل تهاوي العظمة الإمبراطورية وتراجعها في "واقع الأمر" الحقيقي، واستئناف تخيلات "أمر واقع" فيه من الهشاشة الكثير، ومن التزييفات الترامبية أكثر بكثير. 

كان الأوْلى والأوجب لمن تهفو أفئدتهم وقلوبهم تجاه إسرائيل، الكيان الاستعماري الاستيطاني الذي كان صنيعتهم، أن يقيموه في بلدانهم، لا في بلاد الآخرين، وأن يقيموا له عاصمة في عواصمهم، لا في عاصمة بلد وشعب آخر، لا ذنب له سوى أنه كان ضحية تزييفات وأكاذيب وأراجيف سرديات توراتية، لا قعر لها ولا قاع، ولا يمكن لأي عاقل تصديقها، إلا لمن كان له مصلحة أو مصالح خاصة كولونيالية، شبت عليها الإدارات الاستعمارية، خدمة لمخططات ومشاريع بلدانها في احتكار ثروات واحتلال بلاد الآخرين. 
وفي حين جرى اعتماد إسرائيل كيانا وظيفيا، صمم وجوده ليكون أداة طيعة لخدمة الأهداف الاستراتيجية التي تتطلبها طبيعة الاستعمار الجديد، في العقود المقبلة، التي تكرست خلالها إسرائيل دولة احتلال استيطاني عنصري، يواصلون دعمها، واليوم ها هم يكرّسون القدس الفلسطينية عاصمة لتلك الدولة الناقصة من حيث افتقادها كل شروط بناء الدولة/ الأمة، على الرغم من مرور سبعين عاما على قيامها، وتجميع "شعبٍ" لا تجمعه وحدة الهوية أو التاريخ، من كل أصقاع الأرض. 

لم تكن فلسطين يوما أرضا بلا شعب، بل هي، وطوال ما دونه التاريخ، وما عرفته جغرافيا هذه المنطقة وبلدانها، كانت أرض الشعب الفلسطيني ووطنه على اختلاف أديان وطوائف وطبقات من وجدوا منذ البدء، ومن استقرّوا وبقوا يقيمون فوق تراب هذا الوطن، واندمجوا بمواطنيه الأول ممن حملت فلسطين اسمها، اشتقاقا من نسبتها إليهم، ومنهم ومن غيرهم أصبح مواطنو هذا البلد يعرفون بالفلسطينيين، وهم شعبٌ ينتسب إلى مدن تاريخية قديمة، لا يمكنها أن تنتسب إلى أي تراثٍ آخر، حتى لو زعم أن قبورا لبعض الأسلاف دفنوا هنا أو هناك في بعض المدن الفلسطينية، فالتاريخ ليس طوع بنان الاستشراق الكولونيالي، ولا طوع بنان الخرافات 

والأساطير التوراتية التي أعيت أصحابها ومعتنقيها، من دون أن يجدوا أي أثر لما زعمته عقلية "المقدس" التوراتي في كل الأرض الفلسطينية، فلا أثر ولا آثار، ولا وجود لأي لقىً آثارية، تسند رواياتهم وسردياتهم الخائبة. 

لتكن لندن أو باريس أو واشنطن عاصمة لأشتاتٍ من شعوب شتى، لا يمكن أن تستقيم أوضاعها إلا في حال عودتها إلى أوطانها، وترك وطن أصحابه وبيوتهم، فذلك أولى وأوجب من الانسياق خلف أحلام جنون العظمة وطموحاتها، تلك التي يرتكب المزيد من فواحشها إمبراطور العقارات والمليارات، انحيازا لكيان استعمار استيطاني، يُراد له أن يكون "زينة الحياة الدنيا" لطغاة الأرض، ومن يستبدون بأرواح الناس والشعوب.

القدس عاصمة لإسرائيل، هذا يعني تماما إسقاط مسألة المفاوضات وإفشالا لها، ولكل بنودها التي كان يجري التباحث في شأنها طوال مسيرة "أوسلو"، وما تبعها من جولات تفاوضية، فماذا يتبقى لحل "الدولتين" سوى تحول الدولة الواحدة (إسرائيل) دولة يعيش الفلسطينيون في بعض كانتوناتها، ممزقين غير موحدين على أي شيء، طالما الحكم العسكري والمدني الإسرائيلي يهيمن على فلسطين التاريخية، أرضا وبقايا شعب.

ما يلزم الفلسطينيين اليوم وطن ودولة، بمعنى اكتمال شروط الدولة/ الأمة، لا الدويلة المسخ، دولة حكم ذاتي محدود السلطة والصلاحيات والسيادة تحت حكم احتلالي جائر، بات هدفه الرئيس اليوم استكمال مخطط التهويد ليشمل كل أرض فلسطين التاريخية. وفي المقابل، حبذا لو تأخذون إسرائيلكم عنا وترحلون، تلك أمنية لو تتحقق، لأمكن إنقاذ مئات الآلاف، وربما الملايين من الأرواح البشرية. وحبذا لو تأخذون "دواعشكم" وفواحشكم عنا وترحلون؛ قبل أن تتكشف الأيام المقبلة عن صعاب لم ترها منطقتنا والعالم من قبل، حيث قد تكون الصراعات الدينية هي الأقسى في هذا الزمن "الداعشي" العابث بكل شيء، حتى بالدين نفسه، بل قد تكون الصراعات الوطنية في امتزاجها مع قضية الدين الأكثر تدميرا وفتكا، وهذا ما لا يدركه ترامب، ومن لفّ لفه، فهل هذا ما لا تدركه الولايات المتحدة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط