كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

استشكالات الهوية والانتماء في الخطاب السياسي العربي الراهن

استشكالات الهوية والانتماء في الخطاب السياسي العربي الراهن

تاريخ النشر: 2016-02-08 | 11:04

ندرك المغامرة الابستمولوجية في استعمال مصطلح الخطاب السياسي العربي أو العقل السياسي العربي اليوم بنفس المعاني والدلالات التي سادت خلال الشطر الأكبر من القرن الماضي ، سواء من حيث المضمون والقدرة على التوصيل والتواصل مع المتلقي ، أو التعبير عن هوية وطنية قُطرية أو عربية جمعوية .

فهل الخطاب السياسي العربي سياسي بالفعل إذا أخذنا السياسة بتعريفها اللغوي العربي الأصيل (القيام على الشيء بما يُصلحه) أو مفهومها المعاصر (فن إدارة الدولة ) ؟، وهل هو عربي الهوية في ظل حالة التشرذم العربي وتذرر الهوية والانتماء؟ وهل يجوز الحديث عن خطاب سياسي عربي في ظل غياب مشروع قومي عربي يعبر عنه الخطاب أو يدعو له ؟ . ما يقال عن الهوية العربية ينسحب على الهوية الوطنية .

المقصود بالخطاب في سياق مقالتنا السمة الغالبة على المكتوب والمنطوق بلغة عربية ويعالج قضايا تتعلق بالشأن السياسي في (العالم العربي) . هذا الخطاب السياسي جزء من الفكر والثقافة السياسية و يعكس نمطا من التفكير السياسي ، و منتوج عقلي يعكس أو يزعم أنه يعكس واقع زمانه وثقافته السياسية وينتح منهما .

لأن الواقع العربي وخصوصا في الدول التي ابتُليت بفوضى الربيع العربي يشهد حالة استقطاب وتجييش وفوضى تمتد حتى إلى ما كان أو يُفتَرض أن تكون مسلمات ، كالدولة والمجتمع الكُلي والتاريخ والهوية والدين ... ، لكل ذلك فإن الخطاب السياسي في عموميته وخصوصا الحزبي والرسمي ، في هذه الدول تحديدا ، انزلق ليصبح إحدى الأدوات الفكرية والدعائية والأيديولوجية للأفرقاء المتصارعين للحفاظ على السلطة أو الوصول لها ، متجردا من عقلانيته وشموليته الوطنية والقومية ، متحولا لخطاب سجالي مؤَدلَج يتخبط في تناقضاته وفوضاه، ومدجج بكل مفردات الحقد والكراهية والإقصاء ، ينتح ويتكئ على التاريخ المتَوَهم أو التاريخ غير التاريخي و الاستبصار الديني ، أكثر مما هو خطاب جمعوي توحيدي ، يستقرئ الواقع و يستلهم قيم الحداثة والحضارة والتقدم ومتطلبات التنمية الشمولية والتخطيط للمستقبل .

قد يبدو وكأن هناك تناقضا داخليا في كلامنا أعلاه ما بين استعمال لفظة الخطاب السياسي العربي والحديث عن تناقضاته التي قد تصل لتجريده من ماهيته العربية . فكيف يكون خطابا عربيا بالرغم من كل هذه التناقضات والصراعات بين مقولاته وتجسداته العملية في أحزاب وميليشيات وجماعات وأنظمة متقاتلة ؟ .

بالرغم مما يبدو من تعدد التوجهات والأيديولوجيات وتباينت الألفاظ فان هناك ما هو مشترك مما يُجيز تسميته بالخطاب السياسي العربي .فبالإضافة إلى سلطة اللغة العربية التي يُصاغ الخطاب بها ، فإنه بقراءة تفكيكية لهذا الخطاب و أوالياته نجده أسير برادغمات العقل (الفكر ) السياسي العربي حيث تتحَكَم هذه البرادغمات بطرق وكيفية تحصيل المعرفة وفهم الواقع . إنه خطاب عقل سياسي ما زالت تهيمين عليه الرغبوية والتوق للمطلق الذي يُصاغ في شعارات كبيرة تهيج الجمهور ، دون حسبان الإمكانيات والقدرات الفعلية .

الخطاب السياسي العربي ، وكما يتجلى اليوم في اغلب المُنتَج السياسي المكتوب والمنطوق للأفراد وللأحزاب السياسية ، تَنَكب لقيم الديمقراطية والمشاركة السياسية وانحاز للعصبية القبلية العربية الجاهلية مع (تحديثها) لتستوعب كل الانتماءات المستجدة من عرقية وطائفية وجهوية وعائلية ، وتنَكَّب لمفهوم المواطنة وسيادة الأمة والشراكة في خيرات الأمة وانحاز لمنطق الإمارة والأمير وأرض العنوة ، وتَنَكَّب للوسطية التي تقوم عليها العقيدة وانحاز للتعصب والانغلاق والتكفير .

في هذه الأجواء الحربية الممتدة من ساحات المعارك إلى السياسة و الثقافة والفكر، تتم أدلجة و (أصلنة) الخطاب السياسي العربي بكل أطيافه ، فالأصولية لم تعد دينية بل تغلغلت حتى في الخطاب اليساري والقومي والوطني ، كلها تأدلجت في قالب من الأصولية المُستَحدَثة ، حتى يجوز القول بأصولية قومية وأصولية يسارية وأصولية ليبرالية وأصولية وطنية بل وأصولية (سلوكية فردية) الخ .

في هذا الخطاب السياسي / ألا سياسي تبرز عبودية الحاضر للماضي و علو صوت وتأثير الأموات على صوت وتأثير الأحياء ، والغرق في تفاصيل الحاضر دون انفتاح على المستقبل ، وتسود حالة من الإرهاب والقمع الفكري ، ويتراجع ويتقوقع الخطاب العقلاني الوسطي المعتدل ، وتصبح أصوات أصحابه شاذة تغرد خارج سرب الغربان الناعقة . ما يساعد على ذلك امتلاك المتحاربين ومن بيدهم السلطة للمال الذي يمكنهم من امتلاك المنابر الإعلامية وشراء ذمم كثير من أشباه المثقفين والكُتاب والإعلاميين، وإقصاء كل من يخالفهم الرأي .

هذا الخطاب السياسي وأدواته التنفيذية من أحزاب وجماعات وأنظمة الخ مجرد أدوات للحرب والحرق والتدمير وتفكيك الدولة والمجتمع ولا يتوفر أي منها ، حتى وإن حسم الحرب لصالحه ، على مقومات تأسيس لا دولة وطنية ديمقراطية ولا دولة وحدوية عربية ، وبالتأكيد من غير الوارد تأسيس دولة الخلافة الإسلامية الأممية .

وهنا تقع المسؤولية على المثقفين والمفكرين العرب الديمقراطيين التنويريين ، المؤمنين بالفكر القومي العربي وبحق الأمة العربية أن يكون لها مشروع قومي وحدوي ديمقراطي حداثي يواجه المشروع الصهيوني والمشاريع الإقليمية التي تتصارع للهيمنة على الأمة العربية وخيراتها . قد يكون أصحاب هذا الخطاب والفكر قلة محاصَرة تحاربهم كل القوى الأخرى ، وقد تكون الفكرة القومية والخطاب القومي ليس على رأس أولويات الخطاب السياسي الحالي ، بل حتى الفكرة الوطنية الجامعة قد تكون مُغَيبة ، ولكن المستقبل سيكون لهم ولكل القوى الديمقراطية العقلانية الوطنية والقومية .

عندما ينقشع الغبار عن ساحات الحرب التي وقودها العرب من بشر وعمران وتاريخ ، مع أنها حرب مفروضة ومُخطط لها من الآخرين ، سينقشع الغبار أيضا وتنكشف كم هي واهية كل الخطابات والأيديولوجيات التي بررت الفتنة والاقتتال ، وسيكتشف العرب أن الخطاب الوحيد المؤهل للملمة الحالة الفكرية والثقافية وتجميع شتات الأمة والدولة هو الخطاب الوطني الديمقراطي الذي يتوق إلى ويستشرف مستقبلا قوميا عربيا .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط