كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

استشهاد العاروري… مزيد من الوقود لحماس والمقاومة

استشهاد العاروري… مزيد من الوقود لحماس والمقاومة

تاريخ النشر: 2024-01-06 | 13:19

استشهد القائد المجاهد صالح العاروري رحمه الله، ولكنّه تحول من قيادي ميداني إلى رمز كبير وحالة إلهام للمقاومة الفلسطينية بل وللشعب الفلسطيني وللأمة بشكل عام. وكذلك فعل رفاقه الذين شاركوه الشهادة أو سبقوه إليها.
الاستعمار والطغيان والرموز:
ما لا يدركه الاستعمار أو قوى الطغيان عند التعامل مع الثورات وحركات التغيير، أن قتل الرموز والقادة يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأجيج الثورات التي تقوم على دين أو فكرة أو رسالة أو أيديولوجية تُعبّر عن الوعي الجمعي للشعب أو الأمة. فعندما يرتقي زعماؤها شهداء، فإن هذه الثورات والحركات تزداد مصداقيتها وثقة الجماهير بها؛ ويتحول زعماؤها إلى منارات ومصادر إلهام، وينتقل تأثيرهم المؤقت إلى حالة تتصف بالدوام، بحسب مكانتهم ومواقفهم وحالة الإلهام التي تركوها خلفهم. وفوق ذلك، فإن ما يفعله الطاغية أو المستعمر يرفع جدران الدم والعداء مع الشعوب المحكومة بالقوة والنار، ويضاعف الرغبة في الانتقام.
هذه الظاهرة هي ظاهرة عامة في حركة الحياة وتجارب التاريخ، وتنطبق على مختلف الأيديولوجيات والشعوب؛ وهي تنطبق بشكل فعال على الشعوب الحية ذات العمق الحضاري والعقائدي والتاريخي وليس المجتمعات المفككة الهشة، وتنطبق على التيارات أو الحركات التي تجتمع على الفكرة والمبدأ وليس على الجماعات التي تلتف حول الشخص أو المصلحة.
وفي القرآن الكريم ترى ذلك في قصص سحرة فرعون وفي مؤمن آل فرعون، وفي زكريا عليه السلام الذي نشر بالمنشار، وفي يحيى عليه السلام الذي قطع رأسه لأجل امرأة غانية. وفي المسيحية يتخذ أتباعها بحسب اعتقادهم مصادر إلهام هائلة من "تضحية" المسيح عليه السلام، ومن استشهاد ستيفن (ستيفانوس) وبطرس (بيتر) وبولس(بول)… وغيرهم.
وفي التاريخ الإسلامي نَبَعتْ عظمة الكثيرين من استشهادهم كما في سُمية وعمار وخبيب بن عدي رضي الله عنهم، ولعل نموذج الحسين بن علي رضي الله عنه هو الأشهر، والأكثر تأثيراً. وفي تاريخ فلسطين الحديث تتربع نماذج القسام وعبد القادر الحسيني وعبد الفتاح حمود ومحمد يوسف النجار وخليل الوزير وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي… وغيرهم كثير. وما ضَرَّ هؤلاء ألاّ تتحقق انتصارات كبرى على أيديهم، أو يحققوا أهداف العودة والتحرير؛ ولكن تضحياتهم كانت وما تزال نماذج ملهمة ووقوداً للثورة وقوتها لمن حمل الراية بعدهم.
الشيخ صالح العاروري:
إن خسارة حماس بالشيخ صالح ورفاقه خسارة كبيرة، فهو الرجل الثاني في الحركة، ويتمتع بعدد من المواصفات قل نظيرها. فإلى جانب ذكائه الحاد وشخصيته القيادية القوية وشجاعته، وقدرته على الإقناع وديناميته العالية، وتواضعه وسهولة معشره، فقد كان يُعدُّ أحد مفكري الحركة ومنظري مرحلتها، وله دوره الكبير في إدارة علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع "محور المقاومة".
الشيخ صالح العاروري المولود سنة 1966 ، ترعرع في أحضان جماعة الإخوان المسلمين في قرية عارورة، وصار رئيساً للاتجاه الإسلامي في مدرسة القرية، ثم رئيساً للكتلة الإسلامية في جامعة الخليل، بينما كان يتابع تخصصه في الشريعة الإسلامية.
كتائب القسام في الضفة:
كانت المحطة الفارقة في حياة العاروري دوره الرئيس في تأسيس كتائب الشيخ عز الدين القسام في الضفة الغربية. فقد كانت حماس قد شكلت جناحها العسكري الحالي "كتائب عز الدين القسام" في 1990 ، الذي حلّ محل "المجاهدون الفلسطينيون"، في قطاع غزة. أما في الضفة الغربية فقد أخذ العمل العسكري في البداية شكل المبادرات الفردية أو المنظمة المحدودة. وكانت أحد أولى المبادرات "مجموعة بيت أمر" والتي تعود أولى عملياتها إلى آذار/ مارس 1988 ؛ ومجموعة سمير الأسطة في نابلس؛ ومجموعات البراق التي تشكلت بإشراف قيادة حماس في الخليل، في النصف الأول من 1990 . بالإضافة إلى محاولة الشيخ محمد أبو طير بعد الإفراج عنه في آذار/ مارس 1991 .
ويعود اتخاذ كتائب القسام شكلاً مستقراً في الضفة سنة 1991 ، إلى الدور الذي لعبه الشيخ صالح العاروري عندما كان أمير الكتلة الإسلامية في جامعة الخليل، والتقى في السجن مع عادل عوض الله أمير الكتلة الإسلامية في جامعة بيت لحم، وإبراهيم حامد أمير الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت. حيث قرروا إطلاق العمل العسكري بعد خروجهم من السجن وإعادة تشكيل المكتب الإداري للكتلة الإسلامية في مدينة رام الله وقُراها برئاسة العاروري وعضويتهما سنة 1991 . واستخدموا مواقعهم لترشيح أعضاء في العمل العسكري، على أن يقود العاروري الجهاز ويكون نائبه عوض الله، ويتولى حامد التواصل مع الخارج لجلب الدعم للجهاز. وقام العاروري بتجنيد موسى دودين وعباس شبانة من الخليل. واستقبل عدداً من مطاردي القسام من غزة، وتولى إيواءهم وتسليحهم. ونسَّق العمل في شمال الضفة مع زاهر جبارين وعدنان مرعي، كما نسَّق مع قطاع غزة. ونسَّقت قيادة الحركة في الخارج العمل مع صالح العاروري ورفاقه، بإشراف موسى أبو مرزوق، وأرسلت محمد صلاح بمبالغ مالية لتمويل العمل العسكري في الضفة. وتمّ تثبيت اسم كتائب القسام في الضفة بالتوافق مع الخارج وغزة سنة 1992 . ونفذت أولى العمليات باسم القسام في الضفة على يد محمد بشارات الذي قَتَل جندياً صهيونياً في 22/9/1992 . ثم تواصل العمل، بالرغم من اعتقال العاروري في تشرين الأول/ أكتوبر 1992 وحبسه إدارياً.
في السجون الإسرائيلية:
مكث الشيخ صالح في السجون الإسرائيلية نحو 18 عاماً ( 1992-2 010 ) تخللتها فترة قصيرة أفرج عنه فيها ثم أعيد اعتقاله. وتميز خلال اعتقاله بكونه شخصية إجماع وطني، بالإضافة إلى كونه أحد أبرز رموز حماس في السجون. وكان عادة ما يكون مرجعاً معتمداً لتسوية الأمور وحل أي خلاف بين الأسرى، بفضل ما يتحلى به من حكمة وقدرات قيادية وإمكانات استيعابية واسعة للعناصر المختلفة. وقد لعب الشيخ صالح دوراً أساسياً في ترتيب صفقة شاليط من داخل السجون بالتنسيق مع يحيى السنوار ورفاقه في حماس، والتي أدت إلى إطلاق سراح 1,027 أسيراً، بينهم أكثر من 300 من المحكومين بالمؤبدات.

متابعة الضفة الغربية:
أُطلق سراح الشيخ صالح قبيل صفقة شاليط، وأُبعد عن فلسطين المحتلة سنة 2010 ، حيث غادر إلى سورية لينضم إلى قيادة حماس هناك، وليتابع ملف الضفة الغربية من خارج فلسطين؛ وقد ظل يدير هذا الملف حتى استشهاده. وكان للشيخ صالح دور أساس في تفعيل العمل العسكري في الضفة الغربية بالرغم من الظروف القاسية التي تعانيها الضفة في ظل التنسيق الأمني بين سلطة رام الله والعدو الصهيوني. وقد جعل هذا الدور الشيخ صالح أحد أكبر المطلوبين للتصفية في قوائم الاحتلال. ومن المعروف أيضاً أن الولايات المتحدة جعلته في قوائم الإرهاب منذ أيلول/ سبتمبر 2015 ، ووضعت لاحقاً مكافأة بمبلغ خمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض عليه.
من ناحية أخرى، فإن الشيخ صالح انتخب نائباً لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس في 2017 وأعيد انتخابه للموقع نفسه في 2021 . ولعب خصوصاً في السنوات الست الماضية دوراً مفصلياً في صناعة قرار الحركة وبناء توجهاتها، إلى جانب دوره في إدارة الضفة الغربية.
***
بالرغم من الخسارة الكبيرة والفراغ الذي سيتركه الشيخ صالح رحمه الله، باستشهاده وعدد من رفاقه؛ فإن حركة حماس حركة إسلامية ذات قاعدة شعبية واسعة، حافلة بالرموز والقيادات والكفاءات. وإن التجربة التاريخية، تشير إلى قدرة هذه الحركة على التعافي والاتساع، وتحويل التضحيات إلى حالة من مراكمة المنجزات، التي تعمق مصداقيتها، وتزيد دائرة تأثيرها، وتجتذب الجماهير نحوها.

رحم الله الشهيد الشيخ صالح ورفاقه وتقبله في الفردوس الأعلى.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط