كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الى روح يوسف شاهين خالدا

استعادة فيلم "المصير" في اليوبيل الذهبي له: وهذا المصير العربي ونحن منه!

استعادة فيلم "المصير" في اليوبيل الذهبي له: وهذا المصير العربي ونحن منه!

تاريخ النشر: 2021-08-07 | 18:26

تحسين يقين
تحسين يقين

"إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب علينا أن نعرف ماذا في البرازيل"، تلك عبارة حسني البرزان في مسلسل صح النوم من أكثر من 4 عقود: كنا أطفالا في عمر الورد.

الآن أقول، إذا أردنا نعرف ما في أي بلد عربي شقيق، علينا أن ندرس التاريخ السياسي، خصوصا ما بعد الاستقلال.

باختصار، وهذا هو موضوع المقال: لو كان الحكم صالحا لما استفردت القوى الظلامية بعقول الشباب والجمهور بشكل عام، حيث صارت تلك القوى للأسف مجالا بديلا، راح الناس ينشدونه كرد فعل لما يكون، لا عن وعي تماما.

والنتيجة وصول الإسلام السياسي لطريق مسدود، استدعى النظم السياسية لتطورات جينية، كما في الخيال العلمي، وكان ما كان، وللقارئ/ة وعي الشهود على هذه المرحلة العجيبة، غير القابلة للوصف، بمعنى صار المواطن العربي يخيّر بين السيئ والأسوأ.

لا تقل لي هل للمعرفة جدوى!

نعم لها..لا بدّ أن يكون لها ذلك، وستظل محرك الكون.

ولو بعد حين، ستتتحقق وتتجلى سلوكا فرديا شخصيا وعاما وطنيا وإنسانيا.

"الأفكار ليها اجنحة محدش يقدر يمنعها توصل للإنسان"، الكثير منا يذكر هذه العبارة التي وردت في الدقيقة  147من الفيلم، في حوار مع المنصور، الذي هدد بحرق كتب ابن رشد. لقد  اشتهرت المقولة وما زالت متداولة، وأظنها ستعيش طويلا.

هل كان يمكن استعادة الجمهور وتحريره؟ هل كان بالإمكان فك التحالف بين نظم الحكم العربية والإسلام السياسي؟

تأخرت الاستجابة لا السؤال!

والمصير: وصول التيارات الدينية للحكم، بما تحمله من إقصاء للآخر، وسوء إدارة وحكم، كما في تونس ومصر وفلسطين، ومن قبل كقوى مهم في الأردن، وكادت أن تصل في الجزائر، بعد الانتخابات المحلية التي حققت فيها فوزا. ومعلوم أن تلك التيارات استطاعت الوصول لأسباب لها علاقة بإداء الحكم، أي كانت استجابة الجمهور هي استجابة رد الفعل الانفعالي.

والمصير، أنه بسبب الإشكاليات البنيوية الماضوية في تلك التيارات، فقد أخفقت في الحكم، فكان ذلك مدعاة لاستعادة النظام مدعوما بالجيش للحكم، أي عدنا للمربع رقم واحد، في ظل هدم تحالف سابق، لكن لربما لم يكن مناسبا الآن، حيث كان هناك مجال لتجربة الشعوب لهذا النوع من الحكم، ليتم إسقاطه ديمقراطيا في أية انتخابات لاحقة. (سنرى التجربة التونسية مستقبلا كمثال).

كان التحالف السابق خطأ، فصار الصراع الحالي مربكا، خاصة في مسألة تطبيق الديمقراطية.

في صيف عام 1997، ظهر فيلم المصير. كان يدخل يوسف شاهين في السبعين بكل هذا الجمال والوعي، ونحن ندخل في الثلاثين، ولكل منا هنا أن يضع نقطة ارتكازه الزمني، من كان طفلا أو شابا أو كهلا، ومن كبر خلال تلك ال 24 عاما التي مرّت، فكل له تاريخه الشخصي الذاتي مع العمل الأدبي والفني، الذي تتكرر قراءته أو مشاهدته.

الفيلم تاريخي، لكن باللهجة المصرية، لذلك، لا أدرى وقتها لم شعرت أنه إنما يتحدث عن الأمس القريب وعن الآن، وغدا.

امتلاك بعض الوعي على التاريخ المصري السياسي المعاصر، وضعني أمام حالة ما يمكن أن نصفه، بالتحالف بين الرئيس الراحل أنور السادات مع جماعة الأخوان السياسي، بهدف سياسي وهو مواجهة المعارضة الناصرية واليسارية. وكذلك استمرار مجاملة السلطة للرأي العام الذي يؤثر فيه الإسلام السياسي، كبديل للسلطة لأسباب لها علاقة بالحكم والإدارة والعدالة، حيث تم السطو من خلال الشعبوية السطحية، المرتدية ثوب الدين، من قبل جماعات تعرف نقطا ضعف الشعب. ومنها تدينه.

صحيح أن إنتاج يوسف شاهين لفيلم "المصير"، عن حياة ابن رشد، جاء ردا (لحظيا) على ما حدث لفيلمه السابق في وقتها، وهو "المهاجر" الذي قد منع من العرض في دور السينما. لكن بالطبع جاء في سياق فك التحالف ضد التنوير، والقوى الديمقراطية واليسارية والقومية، لما لنظم الحكم من مصلحة بذلك اتفقت مع مصالحة التيارات الدينية التي تريد ملء الفراغ الذي هيأه لها نظام الحكم، بسبب ابتعاده عن الجمهور، ولا تود أي قوى أخرى تساهم فيه.

في الفيلم يبعد الخليفة المنصور ابن رشد كممثل للنخبة المتنورة، ومحذر للقائد من الجماعات المتطرفة  من أجل كسب الجمهور من خلال شعبوية الشيخ رياض، الذي يستطيع تعبئة الناس ضد الفلاسفة، من خلال السيطرة على المساجد.

لذلك يمكن قراءة هدف الهتاف للمنصور في بداية الفيلم والنهاية، من خلال أحد أعضاء الجماعة، مدح لايصاله للغرور، وبذلك سيكرهه الناس، مما سيمنحم مجالا للوصول للحكم.

لم يكن المنصور هو الخليفة، لكنه كان الشخصية الحاكمة فعلا، التي لعلها أصيبت بغرور ما، شجعته جماعات الشيخ رياض، بل وراحت تنفخ به ليزداد غرورا، من أجل إسقاطه، من خلال إبعاده عن التنوير، وقد كان يتم ذلك إلا لطمع الشيخ رياض بالسلطة باسم الدين. في هذا الجو، تبدأ الفوضة والتطرف، تحريض المتطرفين الجمهور ضد الفلاسفة. يظهر الفيلم فهم الجماعات الدينية لنفسها كمرجعية دينية بعد الله ورسوله كما أعلن الشيخ رياض لحظة قتل المغني مروان، كذلك يظهره محبا للسلطة، حتى ولو كان ثمن ذلك التحالف مع الدول الأجنبية (فرنسا). كما أظهر استخدامها الشباب بعد مسح أدمغتهم، والزهد بهم والاستغناء عنهم بعد انقضاء دورهم.

ابتدأ الفيلم بسحل جيرار بيريل، مفكر فيلسوف في القرن الثاني عشر، في اللونج دوك بفرنسا، "وحرقه لكفره وترجمته لكتب ابن الكافر رشد"، وفقا لحكم محكمة التفتيش، حيث يهرب أخوه يوسف بطلب منه، فيذهب الى قرطبة حيث ابن شد القاضي والفيلسوف والطبيب.

يلاحظ ابن رشد ما يحاك حول الفلاسفة، فينبه المنصور، لكن الغرور يجعله زاهدا، بل سيضحي فيما بعد بالفلاسفة وابن رشد لكسب الجمهور.

في محاكمة قاتل مروان، يبيع الشيخ رياض قاتل مروان، في حين يتحدث ابن رشد عن العقل مناط التكليف، فيكون الحكم مخففا، يستغله الآخرون، "الأوصياء على الدين"، في الشكل بالطبع، من خلال تمثيل الجدية، في حين يظهر ابن رشد عاديا.

في مشهد مؤثّر آخر، يخاطب ابن رشد القاضي والفيلسوف قاتل مروان، فيجد عقله مستلبا، فينفعل قائلا: "هو كل حد يحفظ ايتين يصير عالم..او يحفظ بيتين شعر يصير شاعر..ايش تعرف عن الرياضيات عن الطب عن حركة الكون، عن الحب والحق والعدل". ولا شك أن هذا المشهد له علاقة بسياق التكفيرين.

قادت الحوارات بين ابن رشد والمنصور المشاهد الى معاني المواطنة:

-       ببحثوا عن الشباب لتجنيدهم..حتى انهم وصوا ابنك

-       انا اعرف احمي ولادي

-       "كل المواطنين اولادك".

بنية الفيلم، الذي غدا عمره 24 عاما، قائمة على هذا الصراع، وأساليب الجماعة للوصول للحكم، بأساليب مريبة، وصولا لابن المنصور، عبدالله، الذي يحب الفن: الرقص والشعر، وارتياد "الملاهي"،  حيث تربطه علاقة بالغجرية سارة أخت مانويلا. تستغل جماعة متطرفة برهان حيرة عبد الله وفشله في التعليم، وتسلط عليه أفراد يتربصون به، من أجل تسهيل تجنيده من قبل أميرها برهان، وإقناعه بقتل أبيه المنصور وتولي الحكم.

يركز الفيلم على تحولات عبد الله عاشق الحياة، إلى أحد مريدي  الشيخ "برهان، الذي يشرف على تربية الأعضاء من خلال، كما قلنا، مسح أدمغتهم، حيث نشاهد ونسمع الرقصات الصوفية على وقع كلمات أغنية فيها عبارة "ملعونة تلك الحياة".

فغي سياق تحالف العسكري المنصور مع الشيخ رياض، يتم التحريض على الفلاسفة ومنهم ابن رشد الذي يتم حرق كتبهم ونفيهم.

تتعرض كتب ابن رشد للحرق مرتين، الأولى بتدبير من الجماعة المتطرفة، لكنها لا تنجح، حيث يكون الشاب الفرنسي يوسف قد اخفاها، والثانية حين يتم الإعلان عن حرق الكتب، حيث يكون المنورون قد توقعوا ذلك، فنسخوا عدة نسخ، لنشرها في فرنسا ومصر.

ينجح برهان إلى حد كبير، لكن مانويلا ومروان ينقذانه من القلعة، لكنه يظل مصرا على موقفه، حتى مقتل مروان، حيث يستيقظ عبد الله من غفلته، يساعده في ذلك أخوه الأكبر عبدالرحمن الناصر، ولي العهد الذي تعلم على يد الفيلسوف المفكر ابن رشد. في مشهد مؤثر، يخبر عبد الله أباه المنصور بما كانت تعده الجماعة له، عن طريقه. يصطف الأخوان الناصر وعبد الله مع والدهم المنصور في حربه ضد الفرنجة، ويوقع المنصور بالشيخ رياض، بأن يكون وجماعته في مقدمة الجيش، رغم استعطاف الأخير بأنه كبير في السن لا يصلح للقتال.

في الفيلم إيحاءات أخلاقية وفكرية، بأن الفن لا يتناقض مع الدين، حيث كان هناك ثمة انسجام بين مروان وابن رشد الذي عالجه من إصابته الأولى على يد المتطرفين الذبن أرادوا إسكاته.

لذلك جاءت أغنية "علي صوتك بالغنا"، من ألحان كمال الطويل، مناسبة في مكانها، وتم توظيفها لتتحدث عن الآن، حتى انها اشتهرت أكثر من الفيلم:

على صوتك بالغنى لسة الاغانى ممكنة

اااه ولسة ياما ياما ياما ياما فى عمرنا

ولو ف يوم راح تنكسر لازم تقوم واقف كما النخل باصص للسما للسما

ولا انهزام ولا انكسار ولا خوف ولا ولا حلم نابت ف الخلا ف الخلا

غنوتك وسط الجموع تهز قلب الليل فرح تداوى جرح اللى انجرج اللى انجرح

ترقص ارقص غصب عنى ارقص غصب عنى غصب عنى

ارقص ينشبك حلمك بحلمى غصب عنى ارقص غصب عنى غصب عنى

سينمائيا، من نحن لنتحدث عن سينما يوسف شاهين، لكن سأتحدث عن مشهدين عظيمين، يعبران عن عبقريته:

الأول مشهد حرق جيرار بيريل في اللونج دوك بفرنسا، حيث أظهر خلال نصف دقيقة ردود فعل الحضور من النساء والرجال، حيث وجدنا تنوعا في المشاعر وردود الفعل، من امرأة تأكل شيئا ما كأنها تشاهد فيلما مشوقا، بوجه حيادي، إلى وجع تشف، إلى وجه فزع، إلى حزن.

الثاني: مشهد محاولة اغتيال المغني مروان، حيث تظهر علاقات سرية متخفية بين رجال ونساء، يغض المتطرفون النظر عنها زاهدين بها، في حين يهمون بقتل مروان. كأنه المخرج هنا يعريهم، كونهم حريصين على السلطة لا على تطبيق الدين والأخلاق.

 كما بدأنا ننهي: سيظل للمعرفة جدوى.

وكل ما له علاقة بجوهر وجودنا على الأرض ينبغي أن يكون دافعا وطنيا وقوميا وإنسانيا ووجوديا، للتوعية عليه، وتحدي ما يشدنا بعيدا عن الأرض.

×
أخبار
نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط