كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

استيطان النيات الحسنة والاحتلال الديلوكس

استيطان النيات الحسنة والاحتلال الديلوكس

تاريخ النشر: 2018-09-07 | 12:03

ربما يأتي وقت سوف يجري فيه اعتبار الاحتلال الاستيطاني الكولونيالي الإسرائيلي شرعيا، فيما لو جرى اعتباره؛ اعتبار فعل الاحتلال وقد تم "بحسن نية"، كما حصل مؤخرا حين حددت محكمة اسرائيلية أنه يمكن تنظيم وشرعنة بؤرة "متسبيه كراميم"، التي بنيت على أراض فلسطينية، بدعوى أن الاستيلاء تم وفق ما أسمته "حسن نية". 
يأتي هذا في وقت، تزامن فيه الكشف عن عمليات مصادرة وسلب ونهب أراضي جديدة في الضفة الغربية المحتلة، تحت أنظار السلطة الفلسطينية، ومراقبتها وربما توثيقها لما يجري، من دون أن تجرؤ على الانتفاض، أو الاعتراض على سرقة المزيد من أراضي المواطنين الفلسطينيين ومصادرتها، وبناء بؤر استيطانية غير شرعية، يمكن شرعنتها فيما بعد، بذات الطريقة التي تم فيها شرعنة بؤرة "متسبيه كراميم"؛ حين قبل القاضي في المحكمة المركزية في القدس المحتلة أرنون دريئيل مزاعم المستوطنين، على أساس ما أسمي "نظام السوق" الذي يمكن بموجبه تنظيم وشرعنة بؤرة غير قانونية، إذا ثبت أن الاستيلاء على الأرض تم بـ "حسن نية".
ووفقاً للقرار الذي يعتبر سابقة، فإن المستوطنين يسيطرون على الأرض بشكل قانوني، ولا تستطيع الإدارة المدنية إلغاء اتفاقية الترخيص، ويملك سكان البؤرة الاستيطانية الحقوق على الأرض، ولا يُسمح للفلسطينيين بطردهم منها. 
وقد أقيمت بؤرة "متسبيه كراميم" عام 1999 بالقرب من مستوطنة "كوخاف هشاحر"، بعد أن تم نقلها من منطقة أخرى، بالتنسيق مع سلطات الحكومة الاسرائيلية التي وعدت السكان بأنه سيتم تنظيم البؤرة في موقعها الجديد. وقد منحت شعبة الاستيطان تصاريح باستخدام الأراضي وتم إنشاء منازل البؤرة الاستيطانية بناء على ذلك. 
"حسن النية" هذا ذات الطابع الاستيطاني المغطى احتلاليا من جانب المؤسسة الحاكمة في كيان العدو، يبدو أنه يأتي بالترافق مع "حسن نية" من جانب المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وهي تشهد وضعا مأساويا يسوده الفوضى والتمزق، فيما هي تشهد على المزيد من خطوات التنكيل بها من جانب الاحتلال، وهو يمضي في ظل ضعفها وتشرذمها نحو مزيد من خطوات تكبيلها سياسيا واقتصاديا وأمنيا، من دون أن تقوى على أي حراك جدي، من قبيل تطبيق قرارات المؤسسات الرسمية للنظام السياسي الفلسطيني، المعطلة من قبل المؤسسة الرئاسية، بتواطؤ مكشوف من قبل أعضاء تلك المؤسسات، وقد باتت خاضعة بدورها لفردانية وذاتية "المؤسسة الأولى" واستبدادية قراراتها وتوجهاتها الفئوية، واعتبار كونها صاحبة القرارات الملزمة، بعيدا عن أية أطر جماعية ملزمة؛ وقد كانت يوما ما كذلك، ولكنها في ظل فوضى إدارة الشأن العام، بل فوضى النظام السياسي ذاته، وضياع الحدود الفاصلة بين سلطات منظمة التحرير المفقودة، وهيمنة سلطويي السلطة وسيطرتهم على كامل إدارة الشأن العام الفلسطيني، بعيدا عن كفاحية حركة تحرر وطني لم تنجز أيا من أهدافها بعد، كل هذا لا يجعل من القرارات الفردية صائبة بالضرورة، كما لا يجعل من معارضتها الشكلية فئويا وفصائليا صائبا بالضرورة كذلك، من دون توجهات جدية لاستنباط أفعال كفاحية، توقف التدهور العام عند حده. 
علاوة على كل ذلك، فإن ما يجري على الطرف الآخر من محاولات التوصل إلى "صفقة تهدئة" في غزة، إنما هو نوع آخر من "حسن نية" ثمنها أكثر بكثير مما يعلن عنه، ومما لا يعلن عنه من مقاربة "السلام الاقتصادي" مرة، ومن مقاربات "صفقة العصر" مرات أخرى. 
واقع الضياع الفلسطيني والحالة هذه هنا، لا تؤشر إلى أي نوع من أنواع "الاستقلالية" التي طالما جرى التغني بها، وعطفها على وطنية مملوكة لـ "أهل القيادة" هنا، وهي من شيم "أهل السلطة" الموازية هناك. وفي الحالين جرى إضاعة القضية بفقدانها من ينافح ويكافح من أجلها، وباتت المنافحات "الكفاحية" الزائفة تتمحور حول الاحتفاظ بالسلطة هنا، وبمكاسب وإنجازات السلطة هناك. وبات الكل يفقد زمام المبادرة تماما، انتظارا لما قد تأتي به رياح الوساطات والتدخلات الاقليمية والدولية، المعنية بأهدافها ومراميها هي، من دون الالتفات أو الاستجابة لمرامي وأهداف سلطتي أوسلو الأولى أو الثانية؛ وإنما يجري تمثل الأهداف الاسرائيلية – الأميركية بالدرجة الأولى. 
ووفق النهج الكيسنجري للمفاوضات، تعمل إدارة ترامب اليوم، ومنذ الأيام الأولى لدخولها البيت الأبيض، على فكفكة ملف المفاوضات، خطوة خطوة، وقضية وراء الأخرى، بدءا من إخراج مسألة القدس، وتثبيت مسألة الأمن نهائيا عبر تقديس "التنسيق الأمني" ودفن مسألة الاستيطان، بزعم تبادل أراض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وصولا الآن إلى ما تسعى إليه الولايات المتحدة، وإدارتها الترامبية تحديدا، من محاولات إلغاء قضية اللاجئين، مقدمة لإلغاء حق العودة، عبر الالتفاف على قضية الشعب الفلسطيني الوطنية، والتقليل من أعدادهم، واعتبار اللاجىء فقط هو من لجأ في عام النكبة (1948)، من دون احتساب الأبناء والأحفاد، مقدمة لإلغاء حقوق اللاجئين وحق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم.
واستكمالا لـ "حل" أو نسف قضايا المفاوضات، كما وردت وترد في الذهن الترامبي، كما وفي الذهن الإسرائيلي، وفي هذا السياق يجري اليوم حجب الأموال عن الأونروا في محاولة لتصفيتها، مقدمة لتصفية قضية اللاجئين. الأمر الذي اضطر المفوض العام للأونروا بيير كرينبول، للإعلان في رسالة مفتوحة وجهها للاجئي فلسطين ولموظفي "الأونروا" يوم السبت الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، عبر فيها عن رفضه وبلا تحفظ للنص الأميركي المصاحب لقرار وقف الدعم الكامل عن الوكالة. وقال "إن الحاجة إلى عمل إنساني ينشأ جراء العنف الشديد والألم والمعاناة والظلم الذي تسببه الحرب، وفي حالة لاجئي فلسطين، فإن تلك سببها التشريد القسري ونزع الملكية وفقدان البيوت وسبل المعيشة، علاوة على انعدام الدولة والاحتلال. وبغض النظر عن عدد المحاولات التي تم القيام بها من أجل تقليص أو نزع شرعية التجارب الفردية والجماعية للاجئي فلسطين، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها تبقى أنه لديهم حقوقا بموجب أحكام القانون الدولي وأنهم يمثلون مجتمعا قوامه 5.4 مليون رجل وامرأة وطفل لا يمكن ببساطة القيام بإلغاء وجودهم".
وفي هذه الحالة ما الذي يتبقى من القضية الوطنية للشعب الفلسطيني، وما الذي يمكن التفاوض عليه، إذا ما نجحت الإدارة الترامبية – الإسرائيلية لملف المفاوضات في دفن أسس ومبادئ التفاوض، ومعها إفقاد عنصر الشراكة من الجانب الفلسطيني، عبر إغراق الكل الفلسطيني في مستنقعات الفوضى والتفلت والتصارع على وراثة إرث "السيد الرئيس"، وفرض حالة طوارىء شللية وزاروبية، مدعومة من أطراف فئوية هنا وهناك داخليا وإقليميا؛ فأي مواجهة يمكننا أن نشهد لصفعات تتعدد مصادرها وأطرافها، فيما الوضع الوطني العام فلسطينيا يشهد مزيدا من التفكك "القيادي" والتبعثر الفصائلي والاحباط الجماهيري؟. 
المقاومة الجادة لصفقة القرن ومواجهة صفعاتها، لا تكون بالقعود على قارعة انتظار هذا الفعل الأميركي، أو ذاك الإسرائيلي؛ أو الوساطات الاقليمية، بل بأفعال ومبادرات كفاحية وجهود موحدة، ومحاولات الاقتراب من تكتيل كل القوى في مواجهة كل الهجمات التصفوية التي تتعرض لها قضية شعب فلسطين الوطنية، وهي الأقدس من مسائل السلطة والتسلط والاستبداد، والشراكة مع الاحتلال، وتقاسم ما تبقى من أرض فلسطين وبعض بعض ما تبقى من شعبها، وطالما استمر البعض الفلسطيني في فرض "نياته الحسنة" بديلا من الفعل الكفاحي الملزم وتأطير الأهداف الوطنية، فهو في النهاية لن يجد أرضا لدولته الموهومة؛ لا في الضفة الغربية ولا في قطاع غزة، فالاستيطان الاحتلالي وقد بات اليوم يقوم على بدعة قضائية قانونية تقوم على "تراضي الأمر الواقع" واحتكامه إلى "حسن نيات" طرفي الصراع، مثل هذا الاستيطان الاحتلالي لا يمكن إزالته بأشكال من التفاوض الرخو والهش، وإنما بمقاومة شعبية صلبة وعنيدة، تؤمن بقيم التحرر الوطني ومبادئه الكفاحية، وتطعن على الدوام بسوء نيات عدو استولى ويستولي على أرض وطن وممتلكات شعب كامل، بادعاءات وأساطير خرافية ومزاعم توراتية وتلمودية لا سند لها بالمطلق؛ باعترافات علماء آثار يهود وغربيين منصفين، شهدوا ويشهدون بالحق، فيما غيرهم ومن محسوبين علينا، شهدوا ويشهدون لصالح الباطل التوراتي، ويريدون منا وفق "نياتهم الحسنة"، ومطامعهم ومطامحهم السلطوية، أن نتبعهم ونشهد لباطلهم على أنه الحق، وهذا من سابع بل من عاشر المستحيلات.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط