كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل أمام المعضلة التي صنعتها: من فائض القوة إلى سؤال المستقبل...!

إسرائيل أمام المعضلة التي صنعتها: من فائض القوة إلى سؤال المستقبل...!

تاريخ النشر: 2026-08-17 | 12:15

د عبد الرحيم محمود جاموس
د عبد الرحيم محمود جاموس
ليست أزمة إسرائيل اليوم أزمة قوة عسكرية أو تفوق تكنولوجي أو قدرة على خوض الحرب؛ فهذه كلها متوافرة بدرجات كبيرة. إنما أزمتها الأعمق هي أزمة مشروع تاريخي اصطدم بحدود القوة وبقاء الشعب الفلسطيني، وأصبح عاجزاً عن إنتاج صيغة مستقرة للمستقبل. فإسرائيل لم تنشأ في فراغ تاريخي، وإنما جاء تأسيسها في سياق المشروع الصهيوني الذي تبلور في أواخر القرن التاسع عشر، وتقاطعت نشأته مع منظومة الاستعمار الغربي في ذلك العصر. وقام المشروع الاستيطاني الصهيوني على إقامة مجتمع يهودي في فلسطين، في أرض لم تكن خالية من شعبها، وعلى أساس تفوق قومي يهودي أفضى إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الفلسطينيين، ومصادرة أراضيهم، وإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان بالقوة. ومن هنا بدأت المعضلة التي لم تستطع إسرائيل، رغم عقود طويلة من التفوق العسكري، أن تحسمها. لقد نجحت الحركة الصهيونية في إقامة دولة قوية، وتمكنت إسرائيل من توسيع سيطرتها واحتلال مزيد من الأراضي عام 1967، وبناء منظومة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية متقدمة. لكنها لم تنجح في تحقيق الهدف الأهم للمشروع الاستيطاني: إنهاء الوجود الفلسطيني الوطني، أو دفع الشعب الفلسطيني إلى مغادرة وطنه نهائياً. لقد بقي الفلسطينيون.... بقوا في وطنهم داخل الأراضي التي قامت عليها إسرائيل عام 1948، وبقوا في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة الذي احتُل عام 1967، كما بقي اللاجئون الفلسطينيون متمسكين بحقوقهم الوطنية. وعلى الرغم من عقود من الحروب والقتل والتهجير ومصادرة الأرض والاستيطان وهدم البيوت وسياسات الإقصاء، لم تختفِ القضية الفلسطينية، ولم يتحول الشعب الفلسطيني إلى مجرد أثر من الماضي. وهذه الحقيقة هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم المعضلة الإسرائيلية. فالقوة تستطيع السيطرة على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء شعب يعيش عليها ويتمسك بهويته وحقوقه. والاستيطان يستطيع تغيير الخريطة، لكنه لا يستطيع جعل الفلسطينيين غير موجودين. والاحتلال يستطيع فرض واقع عسكري، لكنه لا يستطيع أن يحوّل هذا الواقع إلى شرعية دائمة مقبولة فلسطينياً وعربياً ودولياً. بل إن استمرار هذا النهج يقود إسرائيل إلى تناقض أشد عمقاً: كلما توسعت في الاستيطان والضم والسيطرة على الأرض، أصبحت إمكانية حل الدولتين أكثر صعوبة. فالدولة الفلسطينية القابلة للحياة تحتاج إلى أرض متصلة وقابلة للحكم والسيادة، بينما يؤدي التوسع الاستيطاني والضم إلى تفتيت هذه الأرض وتقليص إمكان قيام دولة مستقلة ذات مقومات حقيقية. وإذا استمرت هذه السياسة، فقد تصل إسرائيل بنفسها إلى اللحظة التي يصبح فيها حل الدولتين مستحيلاً عملياً. وعندها لن يختفي السؤال الفلسطيني، بل سيتغير السؤال من: كيف نقيم دولتين؟ إلى كيف يعيش شعبان في وطن واحد؟ وهنا يبرز، بالضرورة، خيار الدولة الواحدة الديمقراطية. وليس المقصود دولة فلسطينية تقصي اليهود، ولا دولة إسرائيلية تواصل إخضاع الفلسطينيين، وإنما دولة واحدة لجميع مواطنيها، تقوم على القانون والمواطنة والمساواة الكاملة، ولا تمنح امتيازاً على أساس العرق أو الدين أو اللون أو الجنس. دولة يكون فيها اليهودي والفلسطيني مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، تحمي حرياتهم وهوياتهم وحقوقهم الفردية والجماعية، ويكون الانتماء إلى الدولة قائماً على المواطنة لا على التفوق القومي أو الديني. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين نهاية الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً استيطانياً قائماً على الامتياز القومي والإقصاء، وبين نهاية الوجود اليهودي في فلسطين. فالأول يمكن أن يعني انتقالاً تاريخياً نحو نظام أكثر عدلاً وديمقراطية، أما الثاني فليس هدفاً ولا ضرورة، ويتناقض أصلاً مع مبدأ المساواة الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة المنشودة. وقد يبدو هذا التصور بعيداً في اللحظة الراهنة، لكنه قد يصبح أكثر حضوراً إذا واصلت إسرائيل سياسات الاستيطان والضم، وأغلقت بنفسها الطريق أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة. فالتاريخ السياسي لا يترك الفراغ طويلاً؛ فإذا أُغلق طريق التقسيم، سيعود سؤال الحقوق والمواطنة ليطرح نفسه على كامل الأرض. ومن هذه الزاوية، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله إسرائيل لمستقبل مشروعها ليس أن تتعرض لهزيمة عسكرية، وإنما أن تلغي بإرادتها إمكانية الفصل السياسي بين الشعبين بفعل الاستيطان والضم. فقد تستطيع إسرائيل منع قيام دولة فلسطينية، لكنها لن تستطيع بالضرورة منع السؤال الذي سيأتي بعدها: إذا كانت الأرض واحدة، فلماذا لا تكون الحقوق واحدة؟ وهنا تبلغ المعضلة ذروتها.... تريد إسرائيل أن تجمع بين السيطرة على الأرض والحفاظ على دولة ذات تفوق قومي يهودي، لكن استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين من دون حقوق سياسية متساوية يضع هذا النموذج أمام مأزق ديمقراطي وأخلاقي وقانوني متزايد. أما استمرار الحرب والتهجير والاقتلاع والاستيطان، فلن يحل المعضلة؛ بل قد يعمقها، ويزيد عزلة إسرائيل، ويجعلها أكثر اعتماداً على القوة والدعم الخارجي، بدلاً من أن تصبح دولة طبيعية من دول المنطقة. ومن هنا يمكن أن يكون التحول التاريخي الحقيقي هو انفكاك الدولة المستقبلية عن منطق المشروع الاستيطاني وعن علاقته التاريخية بمنظومة الاستعمار، وانتقالها إلى دولة مدنية ديمقراطية في المنطقة. دولة تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، وتحفظ لليهود حقهم في الوجود والأمن والكرامة، وتضع الجميع أمام القانون على قدم المساواة؛ دولة لا تقوم علاقتها بجيرانها على القوة والردع وحدهما، وإنما على المصالح والاحترام المتبادل والتعاون. عندها يمكن أن يبدأ اندماج حقيقي في النظام الإقليمي، وأن تتحول العلاقة مع المحيط من علاقة صراع دائم إلى علاقة طبيعية بين دول وشعوب متجاورة، وأن تصبح الدولة الجديدة مقبولة إقليمياً ودولياً. وهذا ليس تنبؤاً بانهيار إسرائيل، ولا حكماً بأن هذا المسار حتمي. إسرائيل ما زالت دولة قوية تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية كبيرة. لكن القوة لا تعني القدرة على حل المعضلة. فقد تستطيع الدولة أن تربح معارك وأن تفرض واقعاً عسكرياً، لكنها لا تستطيع أن تنتصر بالقوة وحدها على الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ وحق شعب في تقرير مصيره. ومن هنا فإن السؤال الذي تواجهه إسرائيل ليس فقط: كيف تنتصر في الحرب القادمة؟ وإنما: كيف تنتقل من منطق السيطرة والحسم إلى منطق التسوية والاعتراف بالحقوق؟ ذلك هو الطريق إلى الأمن والاستقرار والقبول الإقليمي والدولي. أما الفلسطينيون، فإن مسؤوليتهم التاريخية ليست انتظار انهيار إسرائيل، وإنما تحويل صمودهم الطويل إلى مشروع سياسي قادر على استثمار التحولات الدولية والإقليمية، وإنهاء الاحتلال، وتجسيد حقوقهم الوطنية، وفتح الطريق أمام سلام عادل يقوم على الحرية والمساواة والأمن المتبادل. فالمستقبل لن تحسمه القوة وحدها، بل القدرة على إنتاج صيغة سياسية قابلة للحياة والقبول. وقد يكون السؤال التاريخي الذي تفرضه سياسات إسرائيل على نفسها، في نهاية المطاف، بسيطاً في صياغته وعميقاً في نتائجه: دولة امتياز وتفوق، أم دولة مواطنين؟ دولة تقوم على التفوق القومي والديني، أم دولة قانون ومساواة؟ دولة تعيش في مواجهة محيطها، أم دولة تنتمي إليه؟ إن استمرار الطريق الحالي قد يقود إلى إغلاق باب الدولتين، لكنه لن يغلق باب التاريخ. وعندها قد لا تكون المسألة نهاية شعب أو بداية شعب آخر، وإنما نهاية صيغة سياسية استيطانية إقصائية، وولادة صيغة جديدة لدولة ديمقراطية يتساوى فيها الفلسطينيون واليهود في الحقوق والواجبات، وتصبح قادرة، للمرة الأولى، على أن تكون جزءاً طبيعياً من المنطقة لا جسماً غريباً عنها.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط