كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل بين قدرة العرب وفقدان الغرب

بات الكيان الصهيوني محتاراً قلقاً، لا يعرف كيف يتصرف، ولا يعرف كيف يواجه المتغيرات الخارجية المحيطة به، رغم أنه يحاول دوماً توظيف الظروف لصالحه، واستخدامها لمنفعته، وتسخيرها لنفسه، ولو أساءت للآخرين، وتسببت لهم بأضرار ومخاسر، طالما أنها تعود عليه بالنفع وحده.

وقد كان التوفيق دائماً حليفه، والنجاح رفيقه ولا يفارقه، ولم تخنه الظروف يوماً، ولم تتخل عنه المصادفات أحياناً، إذ استفادت الحكومات الإسرائيلية من كل المتغيرات الدولية السابقة في تثبيت كيانها، وترسيخ وجودها، وتحقيق أمنها، وإرهاب خصومها، وتأديب جيرانها، وإنعاش اقتصادها، والنهوض بشؤون شعبها، وتطوير سبل حياتهم، وتحسين مستوى معيشتهم.

وقد استبشر الإسرائيليون خيراً بتحولات الربيع العربي، وانقلاب نتائجه، وتبدل توقعاته، فبعد أن كان بالنسبة لهم مقلقاً ومخيفاً، وينذر بقدوم سلطاتٍ عربية شعبية ثائرة ومنتفضة، متوقعاً منها أنها ستنقلب على الإتفاقيات، وستواجه التحديات، وستتجاوز العقبات والصعاب، وسيكون لها موقفٌ مغاير منهم، ومعارضٌ لهم، منكرٌ لوجودهم، ومقاتلٌ لهم، ومساندٌ لكل القوى الفلسطينية المقاومة، التي استبشرت بدورها بالنتائج الأولية للربيع العربي، واعتقدت أن هذا العصر لها، وأن هذا زمانها، وأنها باتت تهدد الكيان الصهيوني، وقد اقتربت من حسم المعركة معه، بعد أن أصبحت شعوب المنطقة هي القائدة والحاكمة.

ولهذا كانت الحكومة الإسرائيلية قلقة وخائفة، فعملت على تحصين نفسها، وتطوير قدراتها، وابتزت دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لتزويدها بما يمكنها من مواجهة التحديات الجديدة، والصمود أمام بركان العرب الثائر، وربيعهم الناهض، الذي بات يهدد بزوال دولتهم، وشطب وجودهم، وطردهم من كيانهم، فكانت زيارات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين إلى الكيان الصهيوني، تطميناً لهم وتضامناً معهم.

ولكن خوف الإسرائيليين لم يطل، ونارهم لم تتقد طويلاً، إذ سرعان ما هدأت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم، بعد أن تأكد لهم أن الربيع العربي قد استحال خريفاً لا يخيف ولا يهدد، بل إنه أصبح وبالاً على أهله.

فرح الإسرائيليون كثيراً بذهاب همهم، وانشغال عدوهم، وشتات شعوبهم، وذهاب قوتهم، واستبشروا كثيراً بالفرقة التي دبت بينهم، وبالخصومة التي استعرت بين فئاتهم، وبالحقد الذي تأصل في نفوسهم على بعضهم، وبالمقتلة العظيمة التي وقعت بينهم، وبالمجازر الدموية التي حدثت لهم، بسلاحهم وعلى أيدي جيوش بلادهم، الذين استبدلوا الجبهات بالميادين والساحات.

ظن الإسرائيليون أن هذا الوقت هو الأنسب لهم، ليمضوا قدماً في تنفيذ سياساتهم، وتحقيق أهدافهم، إذ لن يجود عليهم الزمان بعصرٍ يكون فيه العرب، وهم أعداؤهم وخصومهم، بهذه الدرجة من الضعف والإنكسار، والانشغال والسقوط، فمضوا في إعلاء أسوار كيانهم، وتحصين جيشهم، وتطوير قدراتهم الدفاعية والقتالية.

وتمسكوا بالجدار الاسمنتي الأمني الفاصل، وأعلنوا حتمية الإعتراف بدولتهم اليهودية، وتعاهدوا على أن القدس مدينتهم وعاصمتهم الأبدية الموحدة، فلا تقسيم لها، ولا شريك لهم فيها، ولا قبول أبداً أن تكون بعض أحيائها جزءاً من عاصمة الدولة الفلسطينية.

وبدأوا في تنفيذ أحلامهم القديمة، في الاستيلاء على الحرم القدسي الشريف، وعلى المسجد الأقصى المبارك، مدعين أنه مشادٌ فوق هيكلهم الثالث المهدم، وأنه ينبغي استعادة المكان، لإعادة بناء الهيكل، وأعلنوا نيتهم فتح باحات الحرم لمصليهم، وتقسيمه مكانياً وزمانياً بينهم وبين الفلسطينيين، ولكن عيونهم تتطلع إلى السيطرة الكلية عليه، ليكون حاله كالحرم الإبراهيمي، الذي فقد فيه الفلسطينيون مكانهم، ولم يعد من حقهم دخوله أو الصلاة فيه في أي وقتٍ يشاؤون.

وأعلنوا أنه لا دولة فلسطينية ذات سيادة، ولا سماء لهم ولا أرض، ولا مطار ولا ميناء، وإنما كيانٌ يلحق بالأردن، ويكون جزءاً منه، يلتزم بقوانينه، وينضبط داخل حدوده، ويفي بالتزاماته الأمنية مع كيانهم، وتتعهد الحكومة الأردنية بدوام الحال بما يضمن أمن إسرائيل، ويحقق مصالحهم، وهم على يقينٍ من ذلك، فالعرب ضعافٌ لا حول لهم ولا قوة، وهم ممزقين بلا إطار يجمعهم، ولا رجل يلتفون حوله، ولا مشروع يتفقون عليه، ولا إرادة عندهم على قتال غيرهم، أو الإنشغال بغير همومهم.

ولكن الحكومة الإسرائيلية تفاجئت بمتغيراتٍ أمريكية وأوروبية، وإن بدا للبعض أنها شكلية وزائفة، وأنها لا تغير من حقيقة ولائها وتحالفها مع الكيان الصهيوني، وأن الغرب لن يقف مؤازراً للعرب ضد إسرائيل مهما كانت الأسباب، ولن يساندهم في مواقفهم وطلباتهم، في الوقت الذي يتخلى فيه عن الحاجات الإسرائيلية، التي هي في أصلها يهودية، والتي تشكل التزاماً غربياً تجاههم، انطلاقاً من الإحساس بعقدة الذنب والمسؤولية.

إلا أن الإسرائيليين يدركون أن التغيير الأوروبي والأمريكي الأخير جديٌ، وقد يكون خطيراً، وقد يلحق بالكيان الصهيوني نتائجَ وآثاراً غير متوقعة، ولا تتمنى الحكومة الإسرائيلية أن تمضي أوروبا والولايات الأمريكية في تنفيذ تهديداتها، التي بدت ككرة الثلح، تكبر يوماً بعد آخر، وتزداد ساعةً بعد أخرى، ويلتحق بقطار المقاطعة مؤسساتٌ اقتصادية، صناعية وتجارية وزراعية، ومؤسسات تعليمية، بحثية ودراسية، وهيئاتٌ قضائية وقانونية، ولم يعد الأمر مقتصراً على مقاطعة المؤسسات الاستيطانية، ورفض التعامل معها، أو مبادلتها التجارية، أو تقديم الدعم والعون لتنميتها، والنهوض بمشاريعها.

هل خسر الإسرائيليون الفرصة، وفاتهم ما كانوا يحلمون به، وباتوا يدركون أن الغرب قد يتعامل معهم تعامله مع تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الأولى، وكما أنهم كانوا موحدين تجاهها، وصارمين في التعامل معها، فإن إسرائيل قد تكون مثلها، وقد يصيبها ما أصابها، تحقيقاً للنفع العام، وصداً لأي ضرر متوقع، وستكون أوروبا معهم واضحةً وقاسية، وصريحةً وجافة، وقاصدةً ومتعمدة، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تقرر بنفسها، أيها أجدى لها وأنفع، أن تتعامل مع العرب بضعفهم وتخسر حليفها الغربي، أم تستغل الضعف العربي لتكسب الحليف الغربي، لتحقق من خلاله إتفاقاً لصالحها، بما يحقق طموحاتها، ويلبي أهدافها.

 

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected] بيروت في 9/2/2014

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط