كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل تحضر الحفلة وتشارك في تقسيم الكعكة

بوقاحةٍ وغير خجلٍ، وسفالةٍ وقلة أدبٍ، يرتفع الصوت الإسرائيلي انتصاراً للإنسان العربي المعرض للقصف والموت، وكأنهم يقفون معه، وينتصرون لحياته، ويؤيدون مطالبه، ويحزنهم ما أصابه وما لحق به، ولا يرضيهم ما ينزل به من محنٍ ومصائب، في الوقت الذي لا تتوقف طائراتهم عن الإغارة، وصواريخهم عن القصف، ولا تهدأ عملياتهم الأمنية اليومية، وعمليات المداهمة والاعتقال، وكأنهم في فلسطين رحماء، ومع المواطن الفلسطيني كرماء وعدول، وطيبون وصادقون ومخلصون، ولا يظلمون ولا يعتدون، ولا يقتلون ولا يغدرون، وكأنهم هم المثال الأفضل، والنظام الأنسب، وعلى الآخرين أن يحذوا حذوهم، وأن يكونوا مثلهم ويتعلموا منهم.

إسرائيل ليست غائبة عما يجري في المنطقة العربية، فهي حاضرةٌ تتابع وتراقب، وليست بريئة مما ينفذ فيها ويخطط، فهي إن لم تكن تنفذ جرائمها بيديها، فإنها توكل إلى عملائها وزبائنها القيام بما تريد، وتنفيذ ما ترغب، وتحقيق ما تصبو إليه وتأمل، وما تدمير بلادنا، وخراب أوطاننا، وشتات شعوبنا، وتمزيق أمتنا، وضياع مستقبلنا إلا أحلاماً يهودية، وأمنياتٍ صهيونية، عملوا من أجلها طويلاً، ودفعوا في سبيلها كثيراً، وتآمروا مع الكون كله لتكون، إذ أن فيها بقاءهم، وفي تحقيقها أمنهم وسلامتهم، وعكسها خطرٌ عليهم، وتهديدٌ لمصالحهم، وتعريضٌ لأمن ومستقبل وجودهم، ولهذا فإنهم لا يغيبون عن الساحة، ولا يتأخرون عن المساهمة، ويتدخلون حيث يرون لهم نفعاً، وينسحبون عندما يعتقدون أن انسحابهم خيرٌ لهم وأفضل.

بلغ الأمر في الإسرائيليين، حكومةً وجيشاً، ومثقفين وإعلاميين، وقاحةً عجيبة، وصفاقةً غريبة، وتدخلاً سافراً وصريحاً في شؤوننا العربية، إذ بات لهم رأيٌ فيما يجري ويحدث، وكأنهم أشقاء وإخوان، وأصدقاءٌ وجيران، ولهم الحق في أن يكون لهم دورٌ ورأي، ونصحٌ ومشورةٌ، وهو ما بات يمارسه الإسرائيليون جميعاً، العامة قبل الخاصة، في الشارع وعبر وسائل الإعلام، وفي الندوات والمؤتمرات، وفي الحوارات العامة وعلى صفحات الجرائد، وكأنهم ليسوا مجرمين، ولم يسبق لهم أن قصفوا وقتلوا، واحتلوا وطردوا، وصادروا ودنسوا، وارتكبوا أشد الجرائم وأخطر الانتهاكات، فيبدون وكأنهم حكماء وعقلاء، وإنسانيون وحضاريون، يدعون إلى العدل، ويرفضون الظلم، ولا يقبلون بالصمت إزاء الجريمة، ولا بالسكوت عن قول الحق لأنه فضيلة.

إنهم يتحدثون عن حقوق الإنسان، وأن الإنسان العربي مهدور الكرامة، ومحرومٌ من الحقوق، وأن حياته مستباحه، وممتلكاته منهوبة، ومقدساته غير مصانة، وأنه يتعرض للموت الرخيص بلا ثمن، ويقتل بالعشرات والمئات دون مساءلة ولا محاسبة، وأنه يقصف بلا رحمة، وتلقى فوق رؤوسه الحمم والمتفجرات، التي تقتل بلا تمييز، وتدمر بوحشيةٍ، ويعيبون على العالم صمته وسكوته، ويحرضونه على التدخل في الوقت الذي يرونه مناسباً، ليكون للعالم دورٌ في حماية المواطن العربي، والانتصار لكرامته، والحفاظ على حياته، وعدم السماح للقوى المتصارعة بالاعتداء عليه وقتله.

بل إنهم يطالبون بتغيير أسماء الكيانات العربية، وشطب القواسم المشتركة بين سكانها، وإعادة تشكيلها من جديد، والاعتماد في التقسيم على معايير جديدة، تأخذ بعين الاعتبار مصالحهم ومنافعهم، وتراعي أمنهم وسلامة كيانهم، وهذا لا يكون بزعمهم في ظل دولةٍ عربيةٍ واحدةٍ، تجمع بين حدودها كل الأقليات والإثنيات والأديان، ليكونوا جنباً إلى جنب مع الأغلبية العربية السنية، إذ أن هذه الدولة برأيهم قد أثبتت فشلها، وتسببت في إلحاق أضرارٍ فادحة بمكونات شعوبها، ولم تتمكن من الحفاظ على موروثات التاريخ العرقية والإثنية.

للأسف فإن الكيان الصهيوني يشعر بغير قليلٍ من الراحة والطمأنينة، وبالكثير من الثقة والاعتداد بالنفس، ولا يبدو عليه الرعب ولا الخوف، ولا يسكنه القلق وهواجس الخطر الذي اعتاد أن يسيطر عليه على مدى العقود الستة التي مضت، التي صبغت حياته بالخوف والحيطة والحذر، وجعلته دائماً في أعلى درجات الاستعداد والجاهزية، ولكنه الآن يشعر بأنه قد تجاوز التحديات، وتحدى الصعاب، وسقطت من أمامه الجيوش التي كانت تخيفه، والقوى التي اعتادت أن تهدده، ولم يعد أمامه ما يعتقد بأنه يهدد وجوده، ويستهدف بقاءه، ويعرض هويته للشطب، ومواطنيه للخطر، ومستقبل كيانه للزوال.

هو ربما يشعر بالكثير من الشماتة في أنظمةٍ هددت أمنه، واستهدفت استقرار كيانه، وألحقت الضرر بمواطنيه وسكانه، وأشغلت جيشه ومؤسساته، وأربكت سنواتٍ طويلةً مخططاته ومشاريعه، عندما رعت المقاومة واحتضنتها، وآوتها واستضافتها، وزودتها بالسلاح ومكنتها من التدريب والتنظيم، ومنحتها مكاتب ومقراتٍ، وقواعد ومعسكراتٍ، ودعمت مواقفها وعززت شعاراتها، وتمسكت بالأهداف الفلسطينية والثوابت العربية، وطالبت باستعادة الحقوق وتحرير الأرض وطرد المحتل، الأمر الذي مكَّن للمقاومة في المنطقة، وأرسى قواعدها عميقاً في الأرض، وسهل لها التمدد والانتشار، والتوسع والتأثير، ورفع صوتها عالياً، ومكنها من الحضور والمشاركة، والتمثيل وفرض الرأي.

الإسرائيليون يتطلعون لأن يكون لهم مما يحدث نصيبٌ وأجر، وحصةٌ كبيرة تليق بصمتهم، وتستحق حيادهم، فهم يدعون أنهم لم يتدخلوا مع فريقٍ ضد آخر، ولم يناصروا طرفاً، ولم يكن لهم على الأرض فريقٌ يمثلهم، ويقاتل نيابةً عنهم، لذا فإنهم ينتظرون أن تكون لهم من الكعكة العربية التي بات تقسيمها لزاماً وواجباً حصةً كبيرة، بل إنهم يتطلعون أن يقوموا هم بالتقسيم والتوزيع، فهم أدرى بالمنطقة ومصالحها، وأعلم بشؤونها وما يخدمها، فلماذا لا يكونون هم الذين يحملون سكين التقسيم وقلم الحدود.

ألا يدرك العرب أنهم يخدمون عدوهم، وأنهم يمكنون له في الأرض، وأنهم يؤدون عنه الدور بالنيابة، وأنه يستخدمهم لمصالحه، ويسخرهم لخدمته، وأن ما يجري في المنطقة العربية لن يخدم أحداً غير الإسرائيليين وحلفائه، وأن المتضرر من كل ما يجري هم شعوبنا وأوطاننا وخيراتنا، فلنفق ونستيقظ، ولنعد إلى حكمتنا وعقلنا، ولنحمِ أنفسنا ومستقبلنا، وأبناءنا وأجيالنا، وليتنازل لبعضنا لنحميَ ما بقي من إرثنا، وإلا فلا نحلم بعد اليوم بوطنٍ واحدٍ، ولا بأمةٍ عربيةٍ موحدةٍ، وإن كانت ذات رسالةٍ خالدة.

بيروت في 24/8/2015

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط