كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل تفقد القدرة على قياس المخاطر المستقبلية

ميزت إسرائيل نفسها منذ قيامها فوق أرض فلسطين،بقدرتها على نقل المعارك إلى خارج حدودها وخوضها لحروب قصيرة الأمد، تسجل فيها انتصارات ملموسة وسريعة تحبط وتجهض به الخصوم وتدب الذعر في صفوفهم مما يؤدي إلى رفع معنويات جمهورها. وبذلك أبقت جبهتها الداخلية محصنة وقوية ومتماسكة وبعيدة عن الارتدادات السلبية لنتائج الحروب والتي بسبب حسن إدارتها وكفاءة التخطيط لها والدعم الأميركي والغربي اللا محدود لها وتقاعس خصومها وتشتتهم، مكنها من الانتصار في الحروب التي خاضتها ضد العرب موحدين أو منفردين. وقد نجحت في تكريس شبه قناعة لدى الشعب العربي بصعوبة وأحيانا استحالة هزيمتها. وجاءت حرب أكتوبر الوطنية عام 1973 لتهز هذه المقولة من جذورها وتحدث تحولا  في الشارع العربي وتضع نهاية أو حدا لفكرة الجيش الذي لا يقهر ولا يؤسر ولا يظهر على شاشات التلفاز حافي القدمين أشعث الشعر رث الثياب مطأطأ الرأس أمام الجيوش العربية.وقد أجبرتها خلخلة أو هزة أكتوبر والمشاهد سالفة الذكر لعقد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر السادات والانسحاب العسكري من سيناء، بغض النظر عن القيود التي رافقت عملية التوقيع ،وتكرر نفس الشيء تقريبا على الجبهة السورية وتم استرداد القنيطرة التي احتلت عام 1967.وقد شكل ما سبق انعطافا وتغيرا ذا دلالة في الإستراتيجية القتالية العربية ومن ضمنها الفلسطينية. فالمقاومة الفلسطينية تمكنت وبالتحديد بعد حرب أكتوبر المجيدة من توجيه ضربات موجعة ومؤلمة للمفهوم العسكري الإسرائيلي وللإستراتيجية الأمنية ككل. فالمعارك والمواجهات باتت تدور وسط مدنها وعلى طول وعرض جبهتها الداخلية فلم يعد مواطنيها بعيدين عن الاكتواء بنار الحروب كما لم تعد مدنها محصنة أو آمنة بسبب العمليات العسكرية البطولية التي كانت تقوم بها فصائل منظمة التحرير. إلا أن نقطة التحول الإستراتيجية فائقة الأهمية والتي شكلت انعطافا هاما،كانت حينما أطلق الرئيس العراقي السابق صدام حسين نحو 40 صاروخا على المدن الرئيسة دون أن تتمكن من الرد بسبب الضغط الأميركي خشية من إفساد التحالف المشبوه والمقيت والغادر ضد العراق في شهري كانون الثاني وشباط عام 1991 والتي شارك فيه العديد من العرب. وقد وضع هذا القصف حدا لمقولة ضرورة التمسك بالحدود الجغرافية والعوائق الطبيعية كالأنهار والجبال التي ستسهل عملية الدفاع عنها لكونها تشكل مصدات ودفاعات طبيعية ضد هجمات الخصوم.

الانتفاضتان الأولى والثانية

لقد شكلت الانتفاضة المجيدة الأولى في ديسمبر عام 1987 أول اختراقا لمفهوم الدولة القلعة الآمنة

التي لا يستطيع أحد اقتحامها والولوج إليها أو تعكير جبهتها الداخلية ، إلا أن تصدع وتفسخ جدران القلعة وفتح ثغرات واسعة وكبيرة فيها بدأ في الانتفاضة الثانية على نطاق واسع بحيث أصبح الوصول إلى كل المدن والمرافق والتجمعات الصناعية الإستراتيجية كوسائل النقل والمصانع وحتى الأمنية والسكنية والتجارية ممكنا ومتاحا بل ومفتوحا. فالمواطن الإسرائيلي في المدن بدأ يشعر ولأول مرة بأنه أصبح يشكل خط الدفاع الأول عن الدولة وليس الجندي المتواجد في قناة السويس ونهر الأردن وهضبة الجولان، وعليه فلم يعد بمأمن عن الموت أو الإصابة أو الأسر. وإذا كان من أبرز نتائج حرب أكتوبر 73 اضطرار إسرائيل الانسحاب من سيناء وفق ترتيبات معينة وانسحاب جزئي لم يكتمل من الجولان فأن نتائج الانتفاضة الأولى المجيدة كانت رضوخ إسرائيل لقيام السلطة الوطنية وعودة الآلاف من المناضلين وإعادة انتشار جيشها وخروجه من المدن الفلسطينية الكبيرة. 

ميلاد فجر جديد

جاءت حروب إسرائيل ضد المقاومة في لبنان وفي مقدمتها حزب الله لتثبت للعالم أجمع بأن مفهوم الدولة القلعة القوية ذات الذراع الطويلة القادرة على حسم أية حرب ضد أعدائها أو خصومها لم تعد قائمة فحسب بل وبالإمكان هزيمتها ميدانيا.فانسحابها المخزي والمذل بدون شروط من جنوب لبنان عام 2000 جاء ليؤرخ  لميلاد مرحلة جديدة بالصراع وبالأدق لحقبة تتعاكس كليا مع ما كان سائدا ومتداولا منذ قيام إسرائيل.فقد باتت هزيمتها أو منعها من تحقيق الانتصارات قابلة للتطبيق.ونفس ما تحقق في جنوب لبنان تكرر إلى حد معقول في قطاع غزة.حيث انسحبت إسرائيل من القطاع عام 2005 وهدمت المستوطنات وأخلت المستوطنين منها كما فعلت في سيناء قبل ذلك دون توقيع اتفاقية.ويتضح مما سبق انه لم يعد بإمكان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بكل فروعها وأبرزها "جيش الدفاع الإسرائيلي" تحقيق انتصارات سريعة كتلك التي كانت تتم قبل عام 1973،فقد ولت هذه المرحلة إلى حيث لا رجعة.فصمود المقاومة اللبنانية والفلسطينية وأخذهما لزمام المبادرة في أكثر من مناسبة بما في ذلك اقتحام مواقع عسكرية إسرائيلية أو خطف جنود وهم في دباباتهم وبلباسهم العسكري الميداني وتصويره ونشره على الملأ وإطلاق عشرات الصواريخ على المدن الكبيرة بما فيها تل ابيب،وضع علامات استفهام كبيرة على العقيدة الإستراتيجية القائمة على الردع التي تميزت فيها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.فالمواجهات العسكرية المباشرة مع المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية كانت تكشف في كل مرة عن ثغرات وعورات وسلبيات وضعف وتصدع الجبهة الداخلية الإسرائيلية.فوسائل الإعلام المرئية وثقت ونقلت لنا وللعالم أجمع مدى الخوف المتغلغل في نفوس المواطنين الإسرائيليين المدنيين والعسكريين على حد سواء. فقد بات الجميع يشاهد بالصوت والصورة الصياح والذعر الذي يعتمر نفوس المواطنين في الشوارع والمؤسسات بما في ذلك مذيعي محطات التلفاز الذين شوهدوا وهم يتركون مذياعاهم وكاميراتهم ويتوقفوا عن بث تقاريرهم المباشرة ويختبئون خلف أقرب صخرة أو ملجأ مما تسبب في انقطاع البث أكثر من مرة سواء خلال إطلاق صواريخ صدام أو حزب الله أو المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة. وخلاصة القول هنا أن إسرائيل لم تعد قادرة على استخدام سياسة الردع العسكرية بما فيها الرد الفوري بدون توقع حدوث ردات فعل مؤثرة وقوية من الخصم والتي من شأنها شل نظام الحياة اليومية والإنتاجية في إسرائيل بما فيها وقف الملاحة الجوية في المطارات المدنية وهذا لم يكن يحدث قبل عام 2000.

قتال الأنداد

لم يكن التآكل والتراجع الكبير والملموس في ما يسمى قوة الردع الإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تحديدا هي التي تأثرت وضعفت وباتت غير قادرة عن تحقيق نتائج تعيد الاعتبار لهيبتها فحسب،بل أصاب  كفاءة وقدرة إسرائيل على "أخذ العبر والدروس" كما كانت تفعل في السابق. فلم تعد معنية أو مهتمة سوى باستخدام القوة تماما كالثور الهائج دون حساب للنتائج المترتبة على عملياتها العسكرية وأهمها التطور الإيجابي في قدرة الخصم على التحمل وجرأته غير المسبوقة في التحدي ومواجهة الجندي الإسرائيلي الذي صُور بالعسكري الذي لا يقهر ولا يؤسر.وبذلك أنهت المقاومة الهالة المصطنعة التي أحيط بها حول شجاعته وقوته الدفاعية والقتالية.لقد أصاب الغرور القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية مما جعل الأخيرة تستخف بالتطور الهائل والملموس الذي تم في بنية المقاومة اللبنانية والفلسطينية على حد سواء. لقد نظرت إسرائيل إلى قوتها المتعاظمة التي راكمتها خلال العقود الماضية لكنها لم تلتفت إلى ما فعله ويقوم به الخصم لتعزيز قوته. فعلى سبيل المثال، لم يعد بإمكان بوارجه الحربية أن تقصف وتضرب قواعد الخصم وهي في عرض البحر دون أن تتعرض للصواريخ وتصاب وتسحب من المعركة،كما لم يعد بإمكان الدبابات الإسرائيلية اجتياز الحدود دون أن تتلقى ضربات موجعة بما فيها تدميرها وحرقها وتركها في الميدان ونفس الشئ بالنسبة إلى طائرات المروحية. وباختصار شديد لم تعد حروب إسرائيل ضد المقاومة عبارة عن نزهة ذات كلفة بسيطة جدا كما حصل في حزيران عام 1967 أو كما حصل خلال اجتياحها لبنان عام 1982فالأمر تغير كليا.والدليل على ذلك أنها لم تتمكن في العام 2006 من دخول الأراضي اللبنانية سوى لأقل من 5 كيلومترات كحد أقصى دفعت ثمنه غاليا في الأفراد والدبابات والطائرات المروحية بعكس عام 82 حين استطاعت الوصول إلى أطراف بيروت وتطويقها خلال أقل من أسبوعين ومن ثم حصارها لمدة 79 يوما قبل أن تقتحمها بعد خروج المقاومة منها.ويمكن تعميم ما سبق على قطاع غزة في العدوانيين الأخيرين 2008 و 2014 ،فشتان بين الحالات المنوه عنها. ففي كل مرة كانت تتراجع وتتآكل فيه قوة الردع الإسرائيلية بحيث باتت لا تخيف أحدا وفي مقدمتهم أطفال الحجارة.

عملية القنيطرة

لا توجد دولة في العالم شبه عاقلة تسعى وتعمل بدأب على توسيع جبهات قتالها وزيادة درجة العداء لها كما تفعل إسرائيل. ولم تخرج عملية القنيطرة التي راح ضحيتها 6 مقاتلين من حزب الله وجنرال إيراني عن هذا السعي.فإذا كانت إسرائيل تعتقد بأن العملية المشار إليها ستعيد قوة الردع لمؤسستها العسكرية وبداية لأخذ زمام المبادرة فستكون قد أخطأت خطأ كبيرا ولم تتعلم من كل الغارات التي شنتها ولم تستفد أيضا من الدروس والعبر التي استخلصتها.فإدخالها إيران في المواجهة المباشرة يعكس عدم قدرتها على حساب أو قياس المخاطر المستقبلية التي تنتظرها. فالسؤال الذي يجب على إسرائيل الإجابة عليه ليس فيما إذا كانت إيران وحزب الله سيردان أم لا ولكن متى سيقع وما هو الهدف والمكان وقوته؟.الغارة التي شنتها إسرائيل على مجموعة حزب الله وإيران في القنيطرة تعتبر مثالا حيا على فشلها في حساب المخاطر المتوقعة التي ستواجهها في المستقبل.وإذا أردنا أن نحسب الإيجابيات والسلبيات من عملية القنيطرة فينبغي معرفة الأهداف الإستراتيجية التي حققتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من هذه الغارة؟؟ فإذا كانت تعتقد بان من شأنها ردع حزب الله وتخويف إيران فالتجربة معهما قالت ألف مليون لا،وإذا كانت تظن بأن من شأنها إعادة الاعتبار لقوة الردع الإسرائيلية المتآكلة فهي مخطئة تماما. وإذا كانت ضمن خطة لبداية مرحلة مواجهة جديدة مع حزب الله وإيران فأنها تعلم قبل غيرها بان من شأن ذلك جر المنطقة إلى آتون حرب تدميرية ستكون هي ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية أكثر المتضررين منها.كل ما حققته الغارة أنها زادت من إصرار حزب الله على الرد الموجع وعمقت الحقد والكراهية المتبادلة وجعلت إيران في المواجهة المباشرة معها.ما فعلته إسرائيل في القنيطرة هي قيامها بسحب مسمار أمان القنبلة وبقي السؤال متى ستقذف لأنه لا يمكن الاستمرار في حمل القنبلة المنزوع منها مسمار أمانها طويلا فإسرائيل لم تعد تتمتع بالكفاءة لقياس المخاطر الجمة التي ستواجهها في المستقبل جراء عمليات كهذه. فهي تفعط بدمائها وتقامر بمستقبلها وعلى القيمين على أمرها أن يدركوا بأنه من المستحيل أن تبقى إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط ومن سابع المستحيلات أن تبقى الوحيدة ذات الذراع الطويلة. تلك هي أبرز الدروس والعبر التي كان يجب على إسرائيل استيعابها والوقوف أمامها مليا لتجنب مواجهة ستكون هي الخاسر الأكبر فيها.  

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط