كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل حين يتردد السياسي... يتقدم الجيش

تكشف التقارير الإسرائيلية الأخيرة حول غزة ولبنان عن ظاهرة تستحق التوقف عندها، ليس فقط لفهم مسار الحرب الحالية، بل لفهم طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية في إسرائيل. فبينما يبدو للوهلة الأولى أن الحديث يدور عن جبهتين مختلفتين وظروف ميدانية متباينة، فإن قراءة متأنية للتسريبات والتقديرات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي تظهر وجود نمط تفكير واحد يحكم المؤسسة العسكرية في كلتا الساحتين.

ففي التقرير الذي نشرته صحيفة “هآرتس” حول لبنان وإيران، عبّر مسؤولون عسكريون كبار عن قلقهم من قرار وقف إطلاق النار، واعتبروا أن التريث السياسي يمنح إيران فرصة لفرض معادلة “ربط الساحات”، ويقيد حرية العمل العسكري الإسرائيلي مستقبلاً. ووفقاً للتقرير، لم يكتف الجيش بعرض تقديراته الأمنية، بل دفع باتجاه توسيع العمليات العسكرية ضد إيران وحزب الله، محذراً من أن أي تراجع أو توقف قد يؤدي إلى تآكل الردع وإضعاف قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

في الوقت نفسه، كشفت تقارير أخرى حول غزة، من بينها ما نُسب إلى قائد المنطقة الجنوبية، أن المؤسسة العسكرية لا ترى أن أهداف الحرب قد استنفدت بعد. فبدلاً من الحديث عن إنهاء الحرب أو الانتقال إلى مرحلة سياسية، يتركز النقاش داخل الجيش على كيفية مواصلة الضغط على حركة حماس، سواء من خلال العمليات العسكرية أو عبر أدوات الحصار والخنق الاقتصادي والتحكم بالمساعدات الإنسانية، وحتى إعادة إحياء نماذج مثل “الجزر الإنسانية” وآليات التوزيع البديلة التي جرى الترويج لها خلال مراحل سابقة من الحرب.

ما يجمع بين الحالتين هو أن الجيش لا يتصرف بوصفه جهازاً تنفيذياً يطبق قرارات الحكومة فحسب، بل كطرف فاعل في صياغة السياسة نفسها. فعندما يتعرض المستوى السياسي لضغوط دولية أو داخلية تدفعه نحو التهدئة أو التسوية، تتقدم المؤسسة العسكرية لعرض رؤية مختلفة تقوم على ضرورة استكمال الحرب ومواصلة الضغط وعدم التراجع عن الأهداف المعلنة.

هذه الظاهرة ليست جديدة في إسرائيل. فمنذ تأسيس دولة الاحتلال احتل الجيش مكانة مركزية في الحياة السياسية وصناعة القرار. ولم يكن دوره مقتصراً على تنفيذ الأهداف التي يضعها السياسيون، بل شارك في أحيان كثيرة في تحديد تلك الأهداف وصياغة التصورات الاستراتيجية التي حكمت سياسات الحكومات المتعاقبة. وقد ظهر ذلك في حروب مفصلية شهدتها إسرائيل، حيث لعب كبار الجنرالات دوراً مؤثراً في تحديد اتجاهات السياسة الأمنية والعسكرية.

وقد تناول الباحث المتخصص في مثلث العلاقات الجيش – المجتمع – السياسة، البروفسور ياغيل ليفي هذه العلاقة المعقدة بين الجيش والسياسة، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلالية والتأثير، وأنها لا تتردد أحياناً في معارضة أو الضغط على القيادة السياسية عندما ترى أن قراراتها لا تخدم ما تعتبره مصالح استراتيجية للدولة أو للمؤسسة العسكرية نفسها. كما أثار أكاديميون وكتّاب إسرائيليون آخرون، من بينهم أستاذ اللسانيات الإسرائيلي، البروفسور عيدان لاندو، انتقادات متكررة للدور المتعاظم للمؤسسة العسكرية في توجيه القرار السياسي، محذرين من تحول الاعتبارات الأمنية والعسكرية إلى إطار مهيمن على عملية صنع السياسات في اسرائيل.

ومن هذا المنظور، تبدو الحرب الحالية مثالاً واضحاً على هذا التداخل. فالتقارير الصادرة عن الجيش لا تعكس فقط تقديرات مهنية أو مخاوف أمنية، بل تحمل في طياتها موقفاً سياسياً يتعلق بمستقبل الحرب وأهدافها. فعندما يحذر الجيش من وقف العمليات في لبنان، أو يدعو إلى استمرار الضغط على غزة عبر الحصار والتحكم بالمساعدات، فإنه لا يناقش الوسائل العسكرية فقط، بل يحدد أيضاً ما ينبغي أن تكون عليه السياسة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

الأهم من ذلك أن هذه التقارير تشير إلى أن المؤسسة العسكرية، رغم مرور سنوات الحرب وما رافقها من استنزاف وضغوط دولية وانتقادات متزايدة، لا تبدو في حالة مراجعة للأهداف التي وضعت منذ البداية، بل في حالة بحث عن أدوات جديدة لتحقيقها. فبدلاً من إعادة النظر في جدوى الحرب أو حدود القوة العسكرية، يدور النقاش حول كيفية مواصلة الضغط وتطوير أدواته وتوسيع مجالاته.

لذلك قد يكون من الأدق القول إن الخلاف داخل إسرائيل لا يدور حول أهداف الحرب بقدر ما يدور حول الوسائل والتوقيت. أما الأهداف الأساسية المتعلقة بإضعاف حماس، وإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في غزة، والحفاظ على حرية العمل العسكري في الإقليم، فما زالت تحظى بدعم واسع داخل المؤسسة العسكرية، بل ربما تبدو أكثر رسوخاً فيها مما هي عليه داخل بعض أوساط القيادة السياسية.

فحين يتردد السياسي أو يتعرض لضغوط تدفعه نحو التسوية، لا يتراجع الجيش إلى موقع المنفذ المحايد، بل يتقدم إلى الواجهة باعتباره شريكاً في رسم السياسة وتحديد مسار الحرب. وربما لهذا السبب لا تزال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بعد كل ما جرى منذ السابع من أكتوبر، تتحدث بلغة استكمال الأهداف أكثر مما تتحدث بلغة إنهاء الحرب. فبينما ينشغل السياسي بحسابات الضغوط الداخلية والخارجية والتحالفات والتسويات، يواصل الجنرال التفكير بمنطق الحرب المفتوحة، والبحث عن أدوات جديدة لتحقيق الأهداف ذاتها، سواء بالقوة العسكرية أو بالحصار والخنق وإعادة هندسة الواقع في غزة والمنطقة. ولعل هذا ما يجعل عنوان المشهد الإسرائيلي اليوم أقرب إلى حقيقة راسخة: حين يتردد السياسي، يتقدم الحيش.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط