كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل دولة تجسس وسايبر هجومي

إسرائيل دولة تجسس وسايبر هجومي

تاريخ النشر: 2021-07-21 | 20:56

قررت الحكومة الإسرائيلية إقامة طاقم خاص لمواجهة فضيحة «بيغاسوس» التي أثارت ضجة عالمية كبرى، بعد الكشف عن تورّط شرطة «إن. إس. أو» الإسرائيلية في تزويد عشرات الدول ببرامج «سايبر هجومي» للتجسس الإلكتروني على صحافيين وسياسيين معارضين وناشطي حقوق إنسان، وما لحق ذلك من مضايقة وتنكيل وحبس، وحتى قتل واغتيال.

وصرّح مسؤولون إسرائيليون، رفضوا الكشف عن اسمائهم، أن القضية في منتهى الجدية، وقد تؤدي إلى توريط إسرائيل في أزمة مع المجتمع الدولي واتهامها بالمساهمة في قمع حريّة التعبير، وحرية العمل السياسي، وحقوق الإنسان، في بلاد يمارس فيها الاضطهاد والكبت، وتأتي إسرائيل لتزوّد حكوماتها بأحدث وسائل «القمع التكنولوجي» التي طوّرتها صناعة «الهاي تك» الإسرائيلية.

ما خفي أعظم

انفجرت قضية بيغاسوس بعد أن كشفت 17 وسيلة إعلام عالمية، من بينها «واشنطن بوست» الأمريكية و»الغارديان» البريطانية، معا وفي وقت محدد واحد يوم الأحد 18 يوليو/تموز، عن تحقيق استقصائي عميق وواسع قامت به منظمة العفو الدولية «أمنستي أنترناشيونال» ومنظمة «القصص الممنوعة» أطلق عليه اسم «مشروع بيغاسوس» يظهر من خلاله أن حكومات عشرات الدول استعملت تقنية إسرائيلية لاختراق هواتف صحافيين ومعارضين وناشطي حقوق إنسان. ورصد التحقيق حوالي 50 ألف رقم هاتف من قوائم الهواتف المعدّة للاختراق.

ومن بين الهواتف، التي جرى التأكّد من اختراقها أرقام صحافيين كتبوا عمّا جرى ويجري في المملكة العربية السعودية والمكسيك والمغرب، وأشخاص كانوا على اتصال دائم وحميم بالصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي وقع ضحية عملية اغتيال، وناشطي حقوق إنسان في السعودية والمجر والهند وغيرها.

تضمّن «مشروع بيغاسوس» كما نشره «تحالف وسائل الإعلام» الخاص به، معلومات كثيرة عن خرق حقوق الإنسان في مواقع كثيرة في العالم عبر استعمال برنامج السايبر الهجومي، الذي طوّرته شركة «إن. إس. أو.» ولكن من المهم الإشارة إلى أن هذا ليس سوى قليل من ضوء على هذا المجال المظلم. فالتحقيق كشف فقط عن جزء يسير من استعمال تقنية «بيغاسوس 3» وبقيت البقية مجهولة.

وهناك تقنيات كثيرة أخرى طوّرتها الشركة ولا نعرف عنها سوى القليل، إضافة لذلك هناك شركات إسرائيلية منافسة، لديها تقنيات من العائلة نفسها، ويجري استعمالها لارتكاب جرائم شبيهة. كما أنّ هناك تقنيات إسرائيلية أخرى في حوزة الأجهزة الأمنية الاستخبارية فقط، وتقدّم خدماتها الحصرية لأصدقاء إسرائيل المقرّبين، بالأخص العرب منهم. قد تبدو الفضيحة الحالية كبيرة مقارنة بشح المعلومات، الذي سبقها. لكنها ستبدو «لعب عيال» لو جرى الكشف عن كامل المساهمة الإسرائيلية الفظيعة، في تزويد أنظمة الاضطهاد بوسائل «القمع الإلكتروني» وغير الإلكتروني، وعن مدى التواطؤ الدولي مع جرائم إسرائيل، التي تبدأ بالسايبر، وتمر بالملاحقة والمضايقة، بالتنكيل والحبس وتصل كثيرا حد القتل العمد.

تجارب إسرائيلية

تقوم إسرائيل بإجراء تجاربها على الأسلحة الجديدة، التي تطوّرها هي أو تقتنيها وتستعملها، على الشعب الفلسطيني، وأحيانا على غيره من الشعوب العربية. تقنية «بيغاسوس» سلاح عسكري وأمني، حتى وفق المعايير الإسرائيلية، فالرخصة الممنوحة لبيعه هي «تجارة بالسلاح» صادرة عن «قسم مراقبة الصادرات» في وزارة الأمن الإسرائيلية. ويتضح ممّا نشر في السنوات الأخيرة، أن قوى الأمن الإسرائيلية استعملت هذه التقنية في التجسس على الفلسطينيين والعرب، خاصة بعد تطويرها لاختراق الهواتف بدون الحاجة لرسائل ورد على الرسائل.

لقد فاخرت القيادة العسكرية الإسرائيلية بإنجازاتها في الربط بين العمل العسكري والقدرات الإلكترونية للجيش في عدوان «حامي الأسوار» على غزّة. وكان من أهم ما قام به رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي، خلال زيارته للولايات المتحدة هي تقديمه التقارير للقيادة العسكرية الأمريكية عن استعمال تقنيات استخباراتية متطوّرة، لتوجيه الضربات العسكرية «الدقيقة» كما تبجّحت أبواق الدعاية الصهيونية. الأسلحة، التي تقوم إسرائيل بتسويقها، تكون قد مرّت بتجربة ميدانية، ويجري عرضها للمشترين برفقة تقارير مفصّلة عن فعاليتها في السياق الفلسطيني والعربي والإيراني.

ومن أغرب المفارقات أن الإعلام الإسرائيلي يمجّد «القمع الإلكتروني» للفلسطينيين، ويتحفّظ على استعمال تقنيات إسرائيلية في اضطهاد المعارضين في دول الحكم الشمولي. كل ذلك على اعتبار أن إسرائيل هي دولة «ديمقراطية» وأنها لا تقمع، بل تمارس حقّها في «الدفاع عن النفس».

إسرائيل ترتكب جرائم إلكترونية وآن الأوان لمحاسبتها والنشر الأخير هو فرصة ذهبية، نأمل ألا تحوّلها قيادات فاشلة إلى فرصة من هباء

مسؤولية شركة «إن. إس. أو»

المتهم الأول في قضية «بيغاسوس» هو شركة «إن. إس. أو» الإسرائيلية، التي تطوّر وتبيع تقنيات «سايبر هجومي» من بينها برنامج «بيغاسوس» للتجسّس على الهواتف النقّالة. وتهتم الشركة بأن تروّج أن هذه التقنية لا مثيل لها في العالم اليوم، وتقدّم عدّة تسويغات لذلك: أولا، البرنامج يعتمد اليوم على تقنية «لا لمس» حيث يجري اختراق الهواتف بدون حاجة لاتصال ورد، إلى رسائل وفتح رسائل.

تكفي فقط معرفة رقم الهاتف لاختراق الهاتف، وثانيا، لأنه يصعب جدّا الكشف عن وسيلة التجسس المزروعة في الهاتف، حتى أن لها قدرة على تدمير نفسها في حالة الوصول إليها، وثالثا، لأن التقنية قادرة على تسجيل المحادثات بجوار الهاتف وعلى تفعيل التصوير، ومتابعة وتوثيق الاتصالات النصّية والصوتية وغيرها. أقيمت شركة «إن. إس. أو» عام 2010، من قبل ثلاثة خريجين من جهاز التجسس الإلكتروني في الجيش الإسرائيلي، استطاعوا تجنيد استثمارات ضخمة لتطوير الشركة.

ويتبين من نص الاتفاق، الذي تعقده الشركة مع مشتري برنامج «بيغاسوس» في العالم (كما علمت من أحد المحامين، الذين قدّموا التماسا ضد نشاط الشركة في المكسيك) أن الشركة لا تبيع منتجها والسلام، بل تضمن متابعة متواصلة ويومية لتقديم الحلول للمشاكل، ولتصنيف المعلومات ولحتلنة البرنامج ليبقى فعّالا حتى لو جرى تطوير وسائل حماية جديدة في الهواتف ووسائل الاتصال.

وإذ تدّعي شركة «إن إس أو» أنّها تعارض المس بحقوق الإنسان، وأن لا سيطرة لها على استعمالات غير مشروعة ببرنامج التجسس، المعد أصلا، وفق هذا الادعاء، لمحاربة «الإرهاب والإرهابيين من كل الأنواع، والجريمة والمجرمين من قتلة وتجار مخدرات ومرتكبي جرائم اغتصاب النساء والأطفال» وهي تدعي حتّى أن التقنية ليست ذات طابع أمني، مع أنّها بدأت بسياق سياسي – أمني ضد الفلسطينيين وانتهت بسياق سياسي ـ أمني ضد قوى المعارضة في دول مختلفة.

من الواضح أن هذه الشركة مسؤولة من الألف إلى الياء، فلديها منتج خطير وله استعمالات خطيرة وهي لم تقم بما يمنع الاستعمالات غير المشروعة، كما أنها تتابع العمل به وتعلم تماما كيف يجري تطبيقه، والأهم من كل هذا أنها تقدّم خدمات ومشورة بشأن هذا «القمع الإلكتروني».

بشكل غير رسمي يدعي القيّمون على الشركة أنّها تبيع تقنياتها لنوعين من الدول، تلك التي تحترم حقوق الإنسان ولا مشكلة معها، وتلك التي تخرق حقوق الإنسان وتزويدها بالأدوات الإلكترونية، يخدم أمن إسرائيل وأمن «العالم الحر» لأنها تقوم بمحاربة الإرهاب.

مسؤولية الحكومة الإسرائيلية

لا تقتصر مسؤولية الحكومة الإسرائيلية بأنها منحت الترخيص للشركة، وصادقت على كل صفقات الشركة، ولا بأنها على علم بكل تفاصيل استعمال تقنية «بيغاسوس» بل هي شجّعت وحثّت وفتحت الأبواب ولعبت دور الوسيط والعرّاب لصفقات «إن إس أو» مع عشرات من دول العالم.

وعندما خافت الشركة من المحاسبة الدولية، ومن الضغوط، بعد نشر أخبار عن تورّطها باغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، جاءت الرسالة من حكومة نتنياهو واضحة بأن «اصمدوا أمام العاصفة وواصلوا العمل مع السعودية».

وشجّع نتنياهو كذلك شركتين إسرائيليتين أخريين لمواصلة العمل مع المملكة العربية السعودية ومنحت الحكومة الإسرائيلية ترخيصا لأربع شركات سايبر إسرائيلية جديدة للتعاقد مع المملكة، بالذات بعد مقتل خاشقجي.

كما يستدل من تحليل أجرته صحيفة «هآرتس» قبل أيام، أن بداية مراقبة الهواتف في الهند والمجر والسعودية ورواندا، جاءت بعد لقاء نتنياهو بقادة هذه الدول، ما يشير إلى صفقات التجسس الإلكتروني كانت ضمن الاتفاق مع هذه القيادات، وقد نشرت أخبار عن مشاركة مسؤولين من شركة «إن إس أو» في جولات نتنياهو.

للحكومة الإسرائيلية صلاحية كاملة في منع أي تعاقد له طابع أمني مع أي دولة في العالم. لكن ما تقوم به إسرائيل فعلا هو استغلال قدراتها وسمعتها كدولة عظمى في مجال السايبر الهجومي والدفاعي للحصول على مكاسب سياسية وأمنية ودبلوماسية.

على سبيل المثال كان لصفقات التجسس الإلكتروني مع المجر دور مهم في ضمان توصيتها لصالح إسرائيل في الاتحاد الأوروبي ومنع قرارات لصالح الفلسطينيين، وقد كانت المجر الدولة الوحيدة التي صوتت في بروكسل ضد الدعوة لوقف إطلاق النار خلال العدوان الأخير على غزة.

كما تحصل إسرائيل على معلومات استخبارية مجانية من خلال التجسس على المتجسسين عبر استخراج المعلومات من تطبيق تقنية «بيغاسوس» في الدولة المختلفة.

إسرائيل ترتكب جرائم إلكترونية وآن الأوان لمحاسبتها على ذلك.. النشر الأخير هو فرصة ذهبية للعرب والفلسطينيين، نأمل ألا تحوّلها قيادات فاشلة إلى فرصة من هباء.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط