كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل والانهيار السوري: الطيور بلا أقفاص

المعلق ذو الشعبية على راديو الجيش الإسرائيلي أفشالوم كور وصف مؤخّرا العرب بعنصرية مفضوحة أنهم "أكلة لحوم بشر"! هل كان ليجرؤ على ذلك قبل الزلزال السوري؟!

نستطيع أن نتصوّر ماذا يمكن أن تفعل أقليات وأكثريات من دون دول حاضنة تطمئن إليها في العلاقات السرية وغير السرية مع إسرائيل؟ أو في ظل علاقات وتقاطع مصالح بصورة شبه علنية بين دول في المنطقة وبين إسرائيل بعد الانفجار السوري وقبله؟
الوضع في المشرق يواصل الاقتراب من "اللادولة" في العراق وسوريا ولبنان (ناهيك عن ليبيا). جماعات ذات تكوينات اجتماعية ودينية وقومية أصبحت "ستايْتْ لاس" (stateless). كل الضوابط باتت مهدّدة أو منفلتة بعد الانفجار السوري.
هناك مستويان على هذا الصعيد:
مستوى الجماعات وبعض هذه لها تاريخ من الصلات مع إسرائيل أبرزها الصلة مع أكراد العراق الذين كانوا يتعرضون تاريخيا إلى ضغط ساحق من "الدولة العراقية" خصوصا بعد عام 1958 دون أن ننسى تجربة لبنان التي وضعت الأحزاب المارونية أمام ما سمّي "الحائط المسدود" في بيروت والجنوب عام 1975. وثمة أمثلة عديدة أقل أهمية سياسية.
المستوى الثاني مستوى الدول: لدينا التجربة المصرية التي أدارت فيها الدولة إدارة حقيقية للعلاقات مع إسرائيل فأبْقتْها سياسيا وثقافيا ضمن ضوابط الدولة الرصينة إنما التي حوّلتها تجربة حكم الرئيس حسني مبارك تدريجيّا لاسيما في الأعوام العشرة الأخيرة إلى نوع من التحالف الفعلي بين مصر وإسرائيل. وهناك نمط العلاقة بين الدولة الأردنية وإسرائيل. ثم النمط الثالث "الدولتي" القلِق بل المهدَّد - لأسباب إسرائيلية - وهو النمط الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو عام 1993.
بين هذه وتلك من أشكال العلاقات الدولتية الرسمية (معاهدات واتفاقات) هناك المحاولات المتفاوتة المغربية والقطرية والإماراتية واليوم السعودية والإيرانية. وحيث هناك فجوة أو تردّد تتكفّل أجهزة واشنطن بالصلة.
التحوّل العراقي - الكردي عام 2003 ثم راديكاليا الانفجار السوري غيّرا المعطيات ونقلا الحالة الإسرائيلية من حالة قوّة عسكرية صرف في العالم العربي والمسلم المحيط وتحديدا المشرق إلى حالة سياسية: من دولة غير مشروعة في مجتمع المنطقة إلى الدولة الوحيدة المتماسكة في محيطها المشرقي.
لقد انتقلت إسرائيل من الجيوبوليتيك الصاخب إلى الجيوبوليتيك الهادئ، وهذا نوع من "مشروعية" الأمر الواقع رغم كل جلافة الإغلاق الرسمي الإسرائيلي للحل مع أكثر الفلسطينيين المعتدلين اعتدالا. بينما المجتمع العربي المحيط، وهو فعلا بالنتيجة مجتمع ثقافة واحدة وديانات ومذاهب متنوّعة، أخذ يصبح مجتمعا بلا دويلاته الآخذة بالتفكك. الخطورة ولاسيما بعد الزلزال السوري (كم نحن عراة بلا سوريا) أن هذه الجماعات المشرقية العربية وغير العربية لم تنضج فيها بعد كفايةً ثقافةٌ دولتيّةٌ سلمية بعد تسعين عاما على تأسيس دول "سايكس بيكو"، بعكس المجتمع المصري المسالم والدولتي. إنها، أي الجماعات، تبدو حاليا كطيور أفلتت من أقفاصها - دولها أو هي آخذة بالتفلّت أكثر فأكثر. (المعلق ذو الشعبية على راديو الجيش الإسرائيلي وأستاذ الألسنيات المختص باللغة العبرية أفشالوم كور وصف مؤخّرا العرب، بعنصرية مفضوحة أنهم "أكلة لحوم بشر"!).
التغيير الخطير – ونعود دائما إلى سوريا- هو أن الانهيار السوري بكل أبعاده الدولية والإقليمية والمحلية أتاح الانتقال الإسرائيلي نحو "الجيوبوليتيك الهادئ" الذي قد يتحوّل إلى "حاجة" لأطراف ضعيفة في العمق ومتنازِعة.
هناك حالات "جديدة" منها حاضرة ومنها آخذة في التبلور في أفق استراتيجي:
- الأردن الذي جعله الانهيار السوري الخطير ينظر إلى إسرائيل كمصدر استقرار رئيسي للمملكة الهاشمية في ظل الانخراط السعودي في الحرب الأهلية الإسلامية.
- خروج إيران الموضوعي من الصراع العربي الإسرائيلي بعد اتفاقها الاستراتيجي مع واشنطن إذا كان لهذا الاتفاق أن يتفاعل في توازنات جديدة. لعل أبرزها سيكون لبنانيا مع انتقال أولوية "حزب الله" وكتلته الشيعيّة من الجنوب إلى الشمال وما يعنيه ذلك من بدء "ستاتيكو" سلمي فعلي على الحدود مع إسرائيل.
يحيط بالمشرق العربي 3 دول - أمة متماسكة بأشكال مختلفة: إيران، تركيا وهما دولتان الأولى تعود من الباب الإسلامي فالمذهبي إلى منطقتنا بعد غياب بضعة قرون والثانية هي جزء من نسيج المنطقة التي كانت خاضعة لها قبل حوالى قرن. انقطعت عن هذا النسيج ولكنها "عادت" إليها منذ فترة محدودة ولم تُظهِر خلالها الكفاءة التي أظهرتها إيران في لعب واختراق دول حروب أهلية.
الدولة الثالثة هي إسرائيل. موشي أرينز وزير الدفاع السابق كتب قبل ثلاثة أيام في "هآرتز" أن إسرائيل أكثر شرعية من دول المنطقة. هذه "لغة" في التخاطب مع الفلسطينيين والعرب لم تكن لتظهر بهذه الفجاجة لولا حالة التفكك الجديدة التي جعلها الانهيار السوري وكأنها صورة المنطقة.
الأمة الدولة المفتقَدة في هذا الترتيب هي مصر التي جعلت شخصيتَها الحديثة منذ محمد علي تتمحور حول مشروعَ امتدادها المشرقي العربي وهو مشروع سياسي وثقافي أصيل في المنطقة. لكن مصر في وضعها الحالي غير قادرة على تفعيل تجديد هذا الارتباط بسبب عناصر ضعفها الداخلية الاستراتيجية مع أنها حققت في الأشهر الأخيرة منذ 30 يونيو إنجاز منع الحرب الأهلية والإبقاء على كونها دولة متماسكة.
هكذا تتوغّل إسرائيل كقوة "داخلية" في المشرق كما تتوغّل السفن في مياه المستنقعات التي بات هذا المشرق شبيها بها من البصرة في الجنوب إلى طرابلس في الشمال. تتوغّل سياسياً بعدما تغوّلتْ عسكريا لزمن طويل. وها هي الآن تدخل زمن "الجيوبوليتيك الهادئ" لكن بكل أنيابها الجاهزة.
(راجع مقال "إسرائيل الدولة المتماسكة الوحيدة في المشرق" (18/1/2014) ومقال "للمرة الأولى تبدو إسرائيل قوة "داخلية" في منطقتنا" ( 21/1/2014).

عن النهار اللبنانية

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط