كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسرائيل والسعودية واحتمالات تطبيع في دوّامة الحرب الباردة

إسرائيل والسعودية واحتمالات تطبيع في دوّامة الحرب الباردة

تاريخ النشر: 2023-08-10 | 07:48

الدافع الأساسي للتحرّك الأمريكي تجاه السعودية هو محاصرة التمدد الصيني في المنطقة

في مقابلة تلفزيونية، مطلع الأسبوع الحالي، أعرب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عن ثقته في تحسن في العلاقات مع السعودية، حتى لو لم يجر اتفاق تطبيع رسمي، مضيفا بأنه متفائل بإمكانية عقد صلح وسلام مع السعودية. وتناقلت وسائل الإعلام أخبارا، ليس واضحا بعد مدى صحتها ودقتها، بأن الولايات المتحدة والسعودية اتفقتا على الخطوط العريضة لاتفاق مستقبلي من شأنه أن يشمل التطبيع مع إسرائيل مقابل «تنازلات» إسرائيلية كبيرة للفلسطينيين، دون أي إشارة إلى موقف إسرائيل من هذا الكلام.
لكن، وبالرغم من نغمة التفاؤل الأمريكية والإسرائيلية، لم يصدر عن المملكة أي تصريح أو تسريب يشي بأن التطبيع وشيك، بل أن ولي العهد السعودي قد صرح بأنه لا يهرول للتطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظل الحكومة المتطرفة. الموقف الرسمي السعودي المعلن ما زال يؤكد على الحقوق الفلسطينية وعلى استحالة السلام مع إسرائيل قبل تلبيتها. وكذلك طفت على السطح معارضة في إسرائيل وفي الولايات المتحدة لبنود الاتفاق المتوقعة، كما جرى نشرها مؤخرا، ما يزيد من تعقيد المسألة ويجعل مسألة التطبيع مستبعدة في هذه المرحلة، خاصة وأن السعودية تبدو حتى الآن متحفظة وليست على عجلة من أمرها.
وتشير أكثر التقديرات «تفاؤلا» بأن إمكانية عقد صفقة ثلاثية أمريكية سعودية إسرائيلية تحتاج الى أكثر من سنة من المفاوضات، وتخيم فوق هذه التنبؤات علامات استفهام كبيرة، خاصة وأن الحديث، إذا صح أصلا، يجري عن تفاهمات أولية بين السعودية والولايات المتحدة، قد تبقى أولية، على ما هي عليه، تبعا للسياسات الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل.
الشروط السعودية
تتعامل السعودية مع الموضوع على أنه اتفاق شامل أمني واقتصادي وسياسي بينها وبين الولايات المتحدة، وعلى هامشه تبدي استعدادا للتطبيع مع إسرائيل، إذا حصلت على كل ما تريده من الأمريكان. القيادة السعودية وضعت شروطا من الوزن الثقيل وتفاوض عليها بشراسة، وأوضحت بأنها صفقة كاملة ومترابطة، إذا سقط أحد بنودها سقطت كلها. ويبدو من التسريبات الصادرة عن لقاءات أمريكية سعودية، أن السعودية ليست مستعدة لقبول المطالب الأمريكية بشأن تقليص العلاقة بالصين وخفض سعر النفط والتطبيع مع إسرائيل، سوى في إطار صفقة واسعة تضمن أمنها ومكانتها ومصالحها الاستراتيجية، كما تراها قيادة المملكة. وتتضمن الشروط السعودية:
1- عقد معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة، تضمن أمن المملكة في حال تعرضت لاعتداء، على غرار الالتزامات في حلف الناتو. ولم تعقد أمريكا مثل هذه المعاهدة (خارج الناتو) سوى مع اليابان عام 1960، ومع كوريا الجنوبية عام 1953. ويحتاج مثل هذا الاتفاق إلى مصادقة مجلسي الشيوخ والنواب، وهذا غير متوفر حاليا، وتعول إدارة بايدن على عون إسرائيلي، تبعا للتطبيع، لإقناع الجمهوريين بدعمه إذا جرى التوصل إليه. ومن العوائق الأخرى أمام هذا المطلب أن دولا كثيرة ستطلب مثله ومنها إسرائيل والإمارات. ويبدو أن إسرائيل تدعم هذا المطلب السعودي تحديدا، حيث نشر وزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، هذا الأسبوع، مقالا في صحيفة «وول ستريت جورنال»، دعا فيه الولايات المتحدة إلى الأخذ بالنموذج الكوري وبسط الحماية الدفاعية على دول الخليج كلها، مضيفا أن السعودية عندها لن تكون بحاجة إلى «النووي»، كما أن كوريا الجنوبية لا تسعى لتطوير أسلحة نووية ردا على كوريا الشمالية، لأنها تحظى بحماية أمريكية ملزمة.
2- السعودية تريد موافقة أمريكية على إنشاء مفاعلات نووية لأغراض سلمية، يتم فيها تخصيب المواد المشعة. وتخشى إسرائيل والولايات المتحدة أن يؤدي ذلك إلى تسريع السباق النووي في المنطقة ليشمل مصر وتركيا والإمارات وربما غيرها. كما تخشى إسرائيل أن يدفع ذلك إيران الى الإسراع في إنتاج سلاح نووي، ما قد يدفع السعودية الى الرد بمشروع سلاح نووي من عندها، خاصة وأن ولي العهد محمد بن سلمان صرح سابقا بأن السعودية ستمتلك سلاحا نوويا إذا قامت إيران بتصنيعه. كما جرى الحديث، في إسرائيل والولايات المتحدة، عن خطر ربط مستقبلي بين المشروع النووي السلمي السعودي والمشروع النووي العسكري الباكستاني. ويلقى مقترح مفاعل نووي سعودي لتخصيب اليورانيوم معارضة شديدة في بعض أوساط المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل. ودعا بعضهم الى التنازل عن التطبيع مع السعودية إذا كان الثمن «نوويا سعوديا». ولكن أوساطا أمنية إسرائيلية أخرى، تطرح حلولا مبتكرة مثل إنشاء شركة أمريكية – سعودية، تقوم بمشروع نووي على أرض السعودية بشراكة ورقابة كاملة وقريبة من الولايات المتحدة.

3- تشترط السعودية قبولها للمطالب الأمريكية بشأن الصين وإسرائيل والنفط، بأن تزودها الولايات المتحدة بأسلحة قتالية حديثة ومتطورة، بالأخص في مجال مضادات الصواريخ والمقاتلات الجوية مثل طائرة الشبح إ.ف. 35. وتعكف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، هذه الأيام، على إعداد موقف تفصيلي من هذه المسألة، يشمل ما أسمته مخاطر حصول السعودية على سلاح أكثر تطورا. وقد دعا عدد من الخبراء العسكريين، إلى تجهيز قائمة مطالب من الولايات المتحدة، في مقدمتها أن تحصل إسرائيل على مرتبة بريطانيا في مجال الحصول على أسلحة متطورة جدا، وكذلك ضمان التفوق الإسرائيلي عبر «تعويض» الجيش الإسرائيلي بتزويده بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، لتجاوز التسلح السعودي.
4- يستدل من تصريحات رسمية لمسؤولين سعوديين أن المملكة تتمسك بمبادرة السلام العربية، التي بادرت هي إليها. ولكن وسائل الإعلام تناقلت تسريبات بأن المطالب السعودية بهذا الشأن هي أقل من ذلك وتشمل وقف الاستيطان والالتزام مبدئيا بإقامة دولة فلسطينية وتقديم تسهيلات وازنة للفلسطينيين. وفي تصريحات، مجهولة السبب والدافع، سخر نتنياهو من جدية السعودية بشأن القضية الفلسطينية وقال في تصريح، مطلع هذا الأسبوع، لوكالة «بلومبيرغ» بأن السعوديين ليسوا قلقين بما سيحصل عليه الفلسطينيون من الاتفاق المحتمل، وأضاف: «اعتقد أنه يتم طرح المسألة الفلسطينية كنوع من خانة الاختيار وعليك أن تضع علامة لتقول إنك تفعل ذلك»، أي مجرد رفع عتب على حد تعبيره. وأمعن نتنياهو في وقاحته تجاه القيادة السعودية قائلا بأن ما يحدث في الاجتماعات المغلقة (في الشأن الفلسطيني) أقل بكثير مما ينشر في الملأ. للأسف لم نسمع حتى الآن ردا سعوديا على صلف واستفزاز رأس هرم السلطة في إسرائيل. ربما لأن السعودية غير معنية أصلا بالدخول في نقاش حول شروطها «الفلسطينية»، قبل أن تحصل على بقية مطالبها، لأن الموضوع غير مطروح أصلا، إلا بعد تلبية هذه المطالب.
الموقف الأمريكي
حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية هي محاصرة التمدد الصيني، والحد من قدرة العملاق الآسيوي على منافسة الولايات المتحدة. وقد جنّ جنون الولايات المتحدة، بعد قيام القيادة السعودية بالابتعاد عنها أكثر فأكثر والاقتراب من الصين بخطوات متسارعة. وقال الخبير الصيني «بان غوانغ» لصحيفة «ساوث تشاينا مورننغ بوست»، الأربعاء 9.8، بأن «علاقات السعودية مع الصين آخذه في الارتفاع والعلاقات مع الولايات المتحدة في تراجع». وتعتبر الإدارة الأمريكية ما يحدث على خط بكين – الرياض، ليس مجرد ارتفاع، بل انفلات خطير يضر بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية. وعليه جاء التحرك الأمريكي الأخير والزيارات المتكررة لوزير الخارجية، انتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي، جاك ساليفان، ومسؤولين أمريكيين آخرين للسعودية، كمحاولة لإعادة الدفء لمحور واشنطن – الرياض، ولضمان بقاء العلاقات الصينية – السعودية ضمن الحدود التي «تسمح» بها الولايات المتحدة. هذا هو الاعتبار الأمريكي المركزي، أما الاعتبار الثانوي فهو رغبة الرئيس الأمريكي، جو بايدين، بتحقيق إنجاز ما في السياسة الخارجية.
الحسابات الأمريكية أصبحت واضحة، فالرئيس لن يستطيع تمرير اتفاق مع السعودية في الكونغرس بلا دعم الجمهوريين، وهؤلاء قد يقنعهم نتنياهو، ومن هذا الشق تحديدا أصبح التطبيع مركبا مهما في الصفقة مع السعودية. كما أن التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي متحفظ جدا من الحكومة السعودية بسبب ملفات حقوق الإنسان، ويعتقد بايدن بأنه بالإمكان إقناعهم بتغيير موقفهم إذا شملت الصفقة وقف الاستيطان وتجميد التغييرات على جهاز القضاء في إسرائيل، كما تطلب الإدارة من نتنياهو. كل هذا يضاف، طبعا، إلى أن بايدن صهيوني حتى النخاع ويرغب في تسجيل إنجاز وفي إنقاذ إسرائيل من نفسها.
المبدأ الناظم للسياسة الأمريكية الكونية هو الحرب الباردة مع الصين، التي بدأت تسخن أكثر فأكثر. ومنها تشتق بقية التوجهات، بما فيها حتى العلاقات الاستراتيجية بحلفائها في المنطقة. وبما أن الصين تضع على الطاولة قدراتها الاقتصادية الضخمة، تلجأ الولايات المتحدة إلى طرح قوتها العسكرية لضمان المحافظة على نفوذها، ولديها قواعد عسكرية كبيرة في المنطقة، وهي المزود الأول بالأسلحة الثقيلة، ولا أحد غيرها (سوى روسيا في سوريا) لديه حضور عسكري وازن. هناك من يعتقد بأن الحرب الباردة الصينية الأمريكية هي لعنة على المنطقة، وهناك من يرى فيها فرصة يمكن استغلالها. وبين هذا وذاك، فإن المحصلة تتعلق بالذات العربية الفاعلة، فإن هي بقيت على تقاعسها خسرت، وإن هي تحركت بحكمة وشجاعة كسبت.

عن القدس العربي

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط