مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

إسرائيل" وصناعة الزومبي في غزة

إسرائيل" وصناعة الزومبي في غزة

تاريخ النشر: 2025-07-15 | 04:12

حسن لافي
حسن لافي


في زمنٍ تحوّلت فيه الحروب إلى مختبرات معقّدة تتجاوز الميدان العسكري إلى البنى المجتمعية العميقة، تبدو غزة اليوم أمام أخطر أشكال العدوان: عدوان على الإنسان ذاته، على أخلاقه، وهويته، وشبكة علاقاته، ومفهومه عن نفسه ومجتمعه.

لم تعد الحرب مقتصرة على القصف والتجويع والعزل، بل باتت تستهدف البنية التحتية الأهم لأي مقاومة أو مشروع تحرّر: النسيج الاجتماعي. في قلب هذا النسيج، يتحرك التخريب المنظّم، لا في شكل انفجارات، بل كتحوّل زاحف يعيد إنتاج العشيرة مكان الدولة، والمختار مكان القانون، والغريزة مكان الوعي الجمعي.

تسير هذه الخطة بهدوء قاتل: تُحرم الناس من ضروريات الحياة، تُغذّى الفوضى، تُهمّش المؤسسات الوطنية، تُقيّد المبادرات الجامعة، وتُفتح الأبواب للعائلة والعشيرة كملاذ أخير. ومع الوقت، تتكاثر الحوادث التي تُدار فيها المساعدات بقانون الدم، وتُحلّ فيها النزاعات بحكم العُرف والقوة لا القانون والعدل، ويُمنح فيها الولاء للعشيرة بدل الوطن. هي حرب "الكلّ على الكلّ" في ثوب اجتماعي، تُنتجها الضرورة وتغذّيها السياسة الإسرائيلية بدقة بالغة.

هذا الانحدار لم يكن عشوائيًا. فمنذ عقود، أدركت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وخاصة جهاز الأمن العام "الشاباك"، أن إخضاع الفلسطينيين لا يتحقق بالقوة الصلبة فقط، بل بالمعرفة الدقيقة لتكوينهم النفسي والاجتماعي والاقتصادي. فالمجتمع الفلسطيني كان ولا يزال تحت المجهر، ليس فقط لرصد تهديداته الأمنية، بل لتفكيكه من داخله.

يعمل الشاباك، بالتنسيق مع مراكز الأبحاث الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية، على دراسة البنية العائلية والعشائرية، وخرائط النفوذ المحلي، وأنماط السلوك والانتماء، لتحديد نقاط القوة التي تمنح الفلسطينيين القدرة على المقاومة، ونقاط الضعف التي يمكن استخدامها كرافعة للاختراق. ومع كل جولة قتال أو أزمة معيشية، تتجدد محاولات تغذية العصبيات الفرعية، وفتح خطوط تماس اجتماعية داخلية تُضعف البنيان الوطني، وتُجهض إمكانات الوحدة أو الصمود الجماعي.

هذه الاستراتيجية ليست وليدة حرب غزة الأخيرة، بل تستند إلى تجربة استعمارية عميقة الجذور. ففي أعقاب نكبة عام 1948، ومع بقاء جزء من الفلسطينيين في أراضيهم داخل حدود الكيان الجديد، لم تكتفِ "إسرائيل" بمحاولة صهرهم في "الدولة"، بل عمدت إلى تفكيكهم هوياتيًا عبر تصنيفات رسمية: دروز، بدو، مسلمون، مسيحيون.

لم يكن الهدف فقط توصيفًا إداريًا، بل مشروعًا ممنهجًا لـطمس الهوية الوطنية الجامعة، وزرع الهويات الدينية والطائفية والقبلية كبديل.

- تم تجنيد الدروز قسرًا كأداة لخلق قطيعة بين الانتماء القومي والواجب العسكري.

- عُزل البدو في تجمعات مُهمّشة وحرمتهم "الدولة" من أبسط مقومات الحياة.

وجرى تفتيت الحضور السياسي للمسلمين والمسيحيين من خلال رعاية زعامات محلية عميلة وتطويق التيارات الوطنية.

لقد نجحت "إسرائيل" – نسبيًا – في تحويل فلسطينيي الداخل إلى "أقليات"، تعيش في ظلال "الدولة" لا في مواجهتها، وتخوض صراعات داخلية صغيرة بدل الانخراط في مشروع تحرّر وطني شامل.

اليوم، تُعيد "إسرائيل" تصدير هذه المعادلة إلى غزة، ولكن بطريقة أشد قسوة، لأن السياق مختلف والأدوات أكثر تعقيدًا. فالاحتلال لم يعد بحاجة إلى تجنيد مباشر، بل يكفيه تجويع الناس، وتهميش المؤسسات، وتحويل المساعدات إلى أدوات صراع أهلي، لإحياء العشائرية لا كهوية اجتماعية، بل كأداة تحكّم وسلطة بديلة.

وهنا، تكمن خطورة المرحلة: أن يتحوّل الفلسطيني الغزّي، بقوة القهر اليومي، من مواطن مقاوم يسعى لبناء دولته المستقلة، إلى فرد معزول يبحث عن حماية عشيرته، ومن حامل لمشروع تحرر وطني إلى مستهلك للمعونة المفقودة، ومن صاحب حق إلى تابع في صراع بقاء فرضته سياسة التجويع الإسرائيلي.

ولا يكتمل مشهد التفكيك الممنهج للمجتمع الفلسطيني من دون التوقف عند الهجوم المتصاعد على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، الذي لا يأتي بمعزل عن السياق العام، بل يُشكّل ركيزة مركزية في مشروع إلغاء الهُوية الجماعية للاجئين، وتفكيك ما تبقّى من بنى إنسانية جامعة في القطاع.

لقد شكّلت "الأونروا"، رغم كل ما يُقال عنها، العنوان المؤسسي الأهم الذي حافظ على مفهوم "اللاجئ الفلسطيني" كهوية قانونية وسياسية وإنسانية، وأبقت حكاية النكبة حيّة في الوعي الدولي. والأهم، أنها كانت – وما زالت – أداة مركزية في ربط الغالبية الساحقة من أبناء غزة، الذين ينحدرون من عائلات لاجئة، بهوية جامعة تتجاوز العائلة والعشيرة والمخيم والحي.

من هنا، فإن تفكيك "الأونروا" أو استبدالها بكيانات بديلة غير محايدة أو ذات طابع سياسي أو مناطقي لا يعني فقط تدمير جهاز خدماتي، بل نسف أحد آخر الجسور الجامعة للشعب الفلسطيني، واستبدالها بآليات توزيع تكرّس الزبائنية، والتبعية، والانقسام، وتفتح الباب لهيمنة الهويات الدنيا (العائلية والعشائرية والمناطقية) تحت الرعاية الأمنية الإسرائيلية، على حساب الوطنية والكرامة الجمعية.

إضافة إلى ذلك، فإن "الأونروا" كانت – ولا تزال – الجهة الأكثر قدرة وكفاءة على توزيع المساعدات بشكل منظم، سريع، عادل، ويحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. ضربها لا يُقوّض فقط الخدمات، بل يفتح المجال أمام حالة من الفوضى والتمييز والتلاعب في المعونات، ما يُفاقم مناخات الانقسام والشك والتنازع.

من المشاهد الأكثر إيلامًا، والتي تختصر فصول الحرب المجتمعية على غزة، ما نشاهده يوميًا من تدافع طوابير الناس على المساعدات، لا أمام مقار فلسطينية، ولا مؤسسات دولية حيادية، بل أمام مساعدات الذل والقتل الأميركية (جمعية غزة الإغاثية)، التي تحرسها دبابات الاحتلال، وكأننا في مشهد مستعار من أفلام الزومبي الأميركية، حيث يتحوّل البشر إلى كائنات فاقدة للوعي، مدفوعة فقط بغريزة الجوع.

هذا هو النموذج الذي تريده "إسرائيل": فلسطيني لا يطمح إلا للفتات، لا يطالب بدولة مستقلة، ولا يسعى لتحرير، ولا يرى في الوطنية سوى عبئاً على البقاء. إنسان منزوع الطموح،  حلمه الهجرة، منسلخ عن الجماعة، لا يسعى إلا لملء معدته، ولو على حساب أخيه وجاره وكرامته.

لكن الأخطر من ذلك، أن داخل هذه الكتلة من الجوعى، تعمل "إسرائيل" على خلق نمط أكثر توحشًا من "الزومبي" نفسه: زعماء الميليشيات والعصابات التابعة للشاباك. هؤلاء لا يقتاتون من الجوع، بل يعتاشون عليه، يمسكون بخيوط المساعدات، ينهبونها، ويعيدون توزيعها وفق منطق هندسة الفوضى، بمساعدة وتوجيه مباشر من الشاباك، الذي يرى فيهم أدوات مثالية لتفتيت ما تبقّى من نسيج، ومنع أي إمكانية للتعافي أو النهوض.

بهذا الشكل، تتحوّل غزة من ساحة صمود إلى مختبر اجتماعي للاستعمار الحديث: حيث الزومبي يمثّل الشعب المُجَوَّع، والزعماء المتوحشون أدوات الاحتلال، والمساعدات وقود الانهيار الجماعي.

ومع أن الاحتلال هو العامل الرئيسي لهذا التفكيك، إلا أن فشل النخب الفلسطينية في حماية الفضاء العام، وتوظيف بعض القوى المحلية في صراعات زبائنية ضيقة، ساهم في تسهيل هذه المخططات، وإنْ بوعي متفاوت.

لذا، إن ما يجري في غزة اليوم ليس فقط حربًا على الجغرافيا، بل على الهوية والانتماء والعقل الجمعي. وإذا كانت "إسرائيل" تسعى بكل ما أوتيت من أدوات إلى تفكيك الإنسان الفلسطيني، فإن الرد لا يكون فقط بالمقاومة المسلحة، بل ببناء منظومة وعي جديدة تُعيد الاعتبار للهوية الوطنية، وللمجتمع كحاضنة للمشروع، لا كساحة للاقتتال والانكفاء.

فلا مشروع تحرر بلا مجتمع متماسك.

ولا وطن يُبنى على أطلال العشيرة.

ولا مقاومة تُثمر في صحراء من العنف الأهلي والتفتت الاجتماعي،

ما يُراد لغزة ليس فقط أن تسقط، بل أن تُعيد إنتاج ذاتها كفراغ… وما نملكه الآن هو أن نمنع هذا الفراغ من أن يتحوّل إلى قدر.

×
أخبار
النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط