تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:21
تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:21
تكشف أوضاع النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة عن نمط متكرر من العنف البنيوي الذي يتجاوز مجرد الخروقات الميدانية ليصل إلى جوهر المشروع الذي يسعى إلى تحويل الإنسان إلى كائن وظيفي قابل للاستبدال أو الإزالة فمع اقتراب فصل الشتاء يعيش مئات الآلاف في خيام مهترئة لا تقي بردا ولا مطرا وسط نقص حاد في الإمدادات الغذائية ومنع إدخال أي مأوى كريم أو كرفانات في ظل استمرار خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول أكتوبر 2025.
ومن زاوية أخرى لا يمكن فهم هذه المأساة بوصفها نتيجة عرضية للحرب بل هي تعبير عن آلية منهجية تحول المكان نفسه إلى أداة للإخضاع تشير التقارير الميدانية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن أكثر من 60 بالمئة من الخيام أي نحو 162 ألف خيمة من أصل 270 ألف خيمة أصبحت مهترئة تماما وخارجة عن الخدمة بعد سنوات من التعرض للشمس والرياح والأمطار والتنقل القسري المتكرر يعيش نحو 15 إلى 176 مليون نازح في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وفق تقديرات اليونيسف ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا حيث يفتقر أكثر من 84 بالمئة من السكان إلى الحماية الكافية من البرد والفيضانات.
ولعل من المناسب أن نتأمل في دلالة الخيمة المهترئة ذاتها فهي ليست مجرد قطعة قماش بالية بل رمز لتجريد الإنسان من حقه في الاستقرار والكرامة الخيمة التي أقيمت كحل مؤقت لأيام أو أسابيع تحولت إلى منزل دائم لسنوات لا أبواب لها تغلق ولا نوافذ تفتح يتكدس فيها الأطفال والنساء والمرضى عرضة للقوارض والحشرات وتسرب المياه والبرد القارس وفي هذا السياق يحذر تقرير الأونروا من أن أكثر من 15 مليون نازح يعيشون في خيام قماشية وبلاستيكية ممزقة لم تعد صالحة للاستخدام البشري فيما سجلت اليونيسف وفيات أطفال بسبب انخفاض حرارة الجسم في الشتاء السابق.
وعلى النقيض من ذلك يرفض الاحتلال إدخال الكرفانات أو المنازل المؤقتة التي نص عليها الاتفاق أو دعت إليها المنظمات الدولية مكتفياً بالسماح بكميات محدودة من الشوادر والخيام التي لا تلبي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات وبناء على ذلك تتحول المعابر إلى أدوات للتحكم في وتيرة الحياة والموت حيث لم يدخل سوى نحو 35 بالمئة من الشاحنات المتفق عليها وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي مما يبقي المساعدات الغذائية عند مستويات لا تغطي سوى 25 إلى 30 بالمئة من الاحتياجات الأساسية.
وفي المقابل تستمر الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار سجلت السلطات في غزة أكثر من 5100 خرق منذ سريان الاتفاق أسفرت عن سقوط أكثر من 1400 شهيد وآلاف الجرحى بما في ذلك استهداف مباشر لخيام النازحين في مناطق متعددة وتشير المعطيات إلى أن هذه الخروقات ليست استثناءات فردية بل جزءا من سياسة ممنهجة تبقي السكان في حالة نزوح دائم وترهيب مستمر تحول دون أي محاولة لاستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
ولتوضيح ذلك يكفي النظر إلى شهادات النازحين الذين يناشدون العالم بشعارات تقول خيامنا ممزقة وبطوننا فارغة لا تتركونا للمجهول ومن هذا المنطلق يكشف المشهد عن تناقض صارخ بين الخطاب الدولي عن التهدئة والواقع على الأرض الذي يفرض شروطاً تجعل الشتاء المقبل أكثر فتكاً من سابقه.
ونتيجة لتلك العوامل تتراكم المخاطر الصحية والبيئية تحذر منظمة الصحة العالمية من أن اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي والنفايات المتراكمة سيخلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه خاصة بين الأطفال الذين يعانون أصلاً من سوء التغذية وضعف المناعة وفي ظل تلك الظروف تتحول مواقع النزوح إلى مستنقعات محتملة فيما تظل المباني الآيلة للسقوط التي يتجاوز عددها ألفي مبنى وفق وزارة الأشغال تهدد حياة من يلجأ إليها هربا من الخيام.
ومن الرؤى الشائعة كذلك أن الأزمة الإنسانية مجرد تداعيات جانبية للحرب غير أن التحليل الأعمق يظهر أنها جزء أصيل من بنية الاحتلال التي تسعى إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويله إلى مجموعات وظيفية مقتلعة من أرضها وتاريخها فالنازح هنا ليس ضحية عابرة بل هو المستهدف في كينونته الإنسانية ذاتها حيث يحرم من المأوى والغذاء والأمان في آن واحد.
وفي ضوء المعطيات السابقة يتضح أن منع إدخال الكرفانات والخيام الجديدة إلى جانب تقييد المساعدات الغذائية ليس إجراء أمنيا عابرا بل استراتيجية لإبقاء غزة في حالة الإبادة البطيئة التي لا تحتاج إلى قصف يومي مكثف كي تحقق أهدافها وهذا ما يقود إلى إدراك أن الشتاء المقبل لن يكون مجرد فصل مناخي قاس بل امتدادا لمعمار العنف الذي يفرض على الفلسطيني أن يعيش تحت سماء مفتوحة وخيام ممزقة في مواجهة برد لا رحمة فيه وسياسات لا تعرف الرحمة.
وهنا لا بد من بيان أن التقارير الدولية من أوتشا و اليونيسيف والأونروا ومنظمة الصحة العالمية تتفق على أن الوقت يضيق وأن الفجوة بين الاحتياجات والاستجابة تتسع يوما بعد يوم فما يدخل من مساعدات لا يكفي وما يسمح به من مواد إيواء لا يحمي وما يرتكب من خروقات لا يتوقف ومن هنا يمكن القول إن أوضاع النازحين في غزة ليست مجرد أزمة إنسانية عابرة بل هي مرآة تكشف عن حدود المنظومة الدولية وعجزها عن كبح جماح مشروع يتعامل مع الإنسان الفلسطيني كرقم قابل للتقليص والمكان كفراغ قابل لإعادة التشكيل.
إن الخيام المهترئة في غزة ليست مجرد مشاهد مؤلمة تعرض على الشاشات بل هي شهادة حية على استمرار منطق يرفض الاعتراف بالفلسطيني كذات إنسانية كاملة الحقوق وفي مواجهة هذا المنطق تبقى المعاناة اليومية تحت المطر والبرد والخيام الممزقة دعوة مستمرة لإعادة التفكير في الجذور العميقة لهذه المأساة بعيدا عن السرديات السطحية التي تختزلها في أرقام أو أحداث عابرة.