كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أسطول الصمود: معركة البحر الأخيرة أم الشرارة التي ستحاصر إسرائيل في وجدان العالم؟

أسطول الصمود: معركة البحر الأخيرة أم الشرارة التي ستحاصر إسرائيل في وجدان العالم؟

تاريخ النشر: 2025-10-02 | 13:27

منذ أن غادرت عشرات القوارب الأوروبية موانئ المتوسط باتجاه غزة، تحمل مئات النشطاء، إلى جانب شحنات رمزية
من المساعدات الإنسانية، والمشهد يتدحرج ككرة نار نحو مواجهة محتومة بين الإرادة الشعبية العابرة للقارات، وبين آلة الاحتلال الإسرائيلي التي تصر على إبقاء غزة سجنا مغلقا. أسطول الصمود العالمي ليس مجرد سفن خشبية أو قوارب صغيرة، إنه استفتاء حي على شرعية الحصار، وصوت الملايين الذين لم يعودوا يطيقون صمت حكوماتهم على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، الإبادة عبر التجويع والقصف والحصار.

منذ اللحظة الأولى، أدركت إسرائيل خطورة هذا المشهد. ليست الخطورة في الكميات المحدودة من الدواء أو الطحين التي تحملها السفن، بل في الصورة. صورة العلم الفلسطيني يرفرف فوق سفينة أنطلقت من ميناء أوروبي، تحمل على متنها ناشطة المناخ السويدية غريتا تونبري، ومئات الحقوقيين والسياسيين والنقابيين القادمين من القارات الخمس. الصورة التي تحاصر إسرائيل أخلاقيا، وتضعها في مواجهة الرأي العام العالمي، تماما كما وضعتها قبل خمسة عشر عاما في مواجهة "أسطول الحرية" الذي هز العالم حين سقط الدم على مياه المتوسط.

اليوم، تحاول إسرائيل أن تعيد كتابة السيناريو، الاعتراض المبكر، تجريف السفن نحو ميناء أسدود، اعتقال النشطاء ثم ترحيلهم، وإغراق الحدث في ضجيج البروباغندا. لكنها تواجه سياقا مختلفا هذه المره، حرب إبادة في غزة استمرت لعامين كاملين، عشرات آلاف الشهداء، مئات آلاف الجوعى، وحركة تضامن عالمية لم تشهدها القضية الفلسطينية منذ عقود. الأسطول هنا ليس مجرد تحد بحري، بل اختبار لإرادة الشعوب في مواجهة عجز الأنظمة.

المشهد النهائي المتوقع يتراوح بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول، وهو الأكثر ترجيحا، أن تمنع إسرائيل جميع السفن من دخول غزة، وتحولها بالقوة إلى موانئها. هذا السيناريو يحقق لإسرائيل مكسبا تكتيكيا لكنها ستدفع ثمنه استراتيجيا، مشاهد الاعتقالات والاعتراض ستملأ شاشات التلفزة، وستفجر موجات احتجاج في العواصم الكبرى. الثاني، أن ينجح بعض القوارب بالوصول أو بالاقتراب من شواطئ غزة، ما سيشكّل نصرا رمزيا هائلا، حتى لو لم يحمل سوى شوالات طحين قليلة. والثالث، وهو الأخطر، أن ينزلق المشهد إلى مواجهة دامية يسقط فيها قتلى أو جرحى بين النشطاء، وحينها سيتحول البحر إلى فضيحة دبلوماسية قد تعصف بالعلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول الأوروبية.

لكن بعيدا عن الحسابات العسكرية المباشرة، هناك حقيقة لا يمكن لإسرائيل الإفلات منها، لقد خسِرت معركة الصورة. حين ترى الملايين مشاهد الشرطة الإيطالية وهي تواجه متظاهرين يقطعون الطرق تضامنا مع غزة، أو حين تنقل صور إضرابات النقابات الأوروبية رفضا للحصار، فإن الرسالة تصل واضحة، الحصار لم يعد شأنا فلسطينيا فقط، بل صار قضية عالمية، وصار كل ميناء يغلق في وجه أسطول الصمود ساحة مواجهة بين الشعوب وحكوماتها.

ما لا تدركه إسرائيل أن العالم تغير. الأجيال الجديدة التي تملأ الشوارع في باريس وبرلين ونيويورك ومدريد، هي ذاتها التي أسقطت أساطير كثيرة، من شرعية الاستعمار القديم إلى عنصرية أنظمة التمييز. هذه الأجيال تقرأ غزة كرمز، وتقرأ أسطول الصمود كترجمة عملية لشعار "لن نصمت بعد الآن". لذلك، فإن أي محاولة إسرائيلية لإغراق السفن في بحر العزلة الإعلامية ستبوء بالفشل. اليوم، كل هاتف محمول على متن الأسطول قادر على نقل المشهد لحظة بلحظة، وكل منصة رقمية قادرة على تحويل سفينة خشبية إلى حدث كوني.

المشهد النهائي، إذن، لن يقاس بعدد السفن التي تصل أو لا تصل، بل بما سيبقى في الوعي الجمعي. وسيبقى أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، وقفت عاجزة أمام قوارب صغيرة يقودها نشطاء عزل. ستبقى صورة الجنود المدججين بالسلاح وهم يقتحمون قاربا يحمل أطباء وحقوقيين ونشطاء سياسيين، هي أقوى من مئة بيان رسمي. وسيبقى أن الملايين الذين تظاهروا في العواصم العالمية لم يفعلوا ذلك استجابة لنداء حكوماتهم، بل بدافع إنساني بحت، وهذه سابقة لا تستطيع إسرائيل ولا حلفاؤها الأميركيون شطبها من التاريخ.

في النهاية، لا يمكن لأسطول الصمود أن يكسر الحصار العسكري المفروض على غزة، لكن بإمكانه أن يكسر الحصار السياسي والأخلاقي الذي تحاول إسرائيل فرضه على العالم. وكما كتب أحد النشطاء على لافتة مرفوعة في ميناء نابولي، "قد لا تصل السفن إلى غزة، لكن غزة وصلت إلى ضمائرنا". هذه هي الحقيقة التي يخشاها الاحتلال، أن تتحول معركة البحر إلى معركة ضمير عالمي لا تنتهي.

إنها ليست معركة قوارب صغيرة أمام بارجات حربية فحسب، بل معركة إرادة إنسانية في وجه آلة القتل. أسطول الصمود قد لا يحرر غزة من الحصار، لكنه يحرر ملايين العقول من الخوف، ويضع إسرائيل في الزاوية التي حاولت طوال عقود تجنبها، أن يرى العالم حقيقتها كدولة فصل عنصري تمارس الإبادة أمام أعين العالم. وهذا هو المشهد النهائي الأهم، المشهد الذي سيبقى ... غزة محاصرة بالسلاح، لكن إسرائيل محاصرة بالوعي.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط