كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إسقاطات موللريّة       

إسقاطات موللريّة       

تاريخ النشر: 2025-01-30 | 16:05

ناقشنا في لقاء "منتدى حنا أبو حنا للكتاب" الحيفاوي الأخير (تأسس في كانون الثاني عام 2009) المجموعة القصصيّة "إسقاطات" للكاتبة هيرتا موللر (170 صفحة، ترجمة من الألماني: أكاد محمد حسن، مراجعة: د. مصطفى السليماني، وهي كاتبة رومانية ألمانية، ومن كتبها التي تُرجمت للعربية: أرجوحة النفس، وحيوان القلب، وكان الثعلب يومها الصياد وليتني لم أقابل نفسي اليوم).

تشمل المجموعة القصصيّة 15 قصّة، أطولها قصّة بعنوان "إسقاطات"؛ وكلمة التأبين، الحمام الصوابي، عائلتي، إجاص فاسد، التانغو الضاغط، النافذة، الرجل ذو علبة أعواد الثقاب، سيرة القرية، الفُرق الألماني والشارب الألماني، حافلة النقل الخارجي، أبي وأمي والصغير، كنّاسو الشوارع، الحديقة السوداء، ويوم العمل، ووجدت المجموعة رواية قصيرة (لن أتناول التجنيس في مقالتي، بل سأتركه لمقالة قادمة، حين أتطرّق لمسألة الترجمة).

الترجمة عبارة عن فن وضرورة كونيّة من أجل التعرّف على الآخر وتفهّمه عبر ثقافته، والتثاقف بين الشعوب، وتبادل التجارب الحياتيّة والتعلّم منها، تلك الترجمة الأمينة المحبّبة، بعكس الترجمة المعدنيّة المنفّرة، التي تُفقِد النص جماليتّه ورشاقته، وترجمة هذه المجموعة لم تكن موفَّقَة أبداً، ناهيك عن الأخطاء اللغويّة والنحويّة عبر صفحات الكتاب.

تسرد ذاكرة طفلة عاشت كوابيس ماضٍ هجرته في رومانيا بطريقها إلى ألمانيا، ماض يلاحقها ولم تنجُ منه رغم محاولاتها التخلّص منه، طفولة مليئة بالغموض الذي يخيّم على فضاء القصّ "المكانُ هنا معتمٌ دائماً، والرعشةُ التي تعتريني تتصاعدُ من البلاط، إنه مخيفٌ كسهلٍ واسعٍ من الجليد، لم يعد للسائر رجلان في بدنه لكثرة ما مشى عليها، فاضطرَّ أن يتابع المشيَ على وجهه".


تسرح الكاتبة وتمرح في وصفها لدقائق الأمور، تعقّد الأمور البسيطة بعيداً عن العفويّة، فلا تترك شخوصها وحيواناتها ومكانها تسير على طبيعتها، وكما تشتهي "وفي الليلِ يأتي الحلمُ من الفناءِ الخلفيّ ويندسُّ في الفراش… كنتُ راقدةً في فراشي وشعرت بالسكين على عنقي فتألمت، وأخذ الشقّ يزداد عمقاً، فسخن لحمي وبدأ حلقي يغلي غلياناً، ثم صار الشقُّ أطولَ مني ونما حتى غطى السريرَ بأكملهِ مشتعلاً تحت الدثار ناراً"، فأحلامها مليئة بالأشلاء الممزّقة وبالجثث لتفيق ليوم آخر عادي، مليء بالقهر ومشحون ولكنّة دون كوابيس وأموات، بل صفعات الأم ومكانسِ الجدات، وطفل يحلم بأن يصير دوّاساً على آلة موسيقيّة وموسيقياً عظيماً "الدواس يدوس على اللوح وله خواطره في رأسه، وهو يدوس فيبدأ كل الآخرين بالإنشاد، فإذا أمسك... أمسكوا"، وكذلك الحال مع طفلة الكورس المُنشدة.

تصوّر الكاتبة حياة مليئة بالبؤس؛ فرجالها يكرعون الألم واللامبالاة خارج الحانات كرجال الثلج، يكرعون الألم واللامبالاة، ونساؤها امتهنّ الفقر والبؤس وقسوة الحياة والطفلة لا تعيش طفولتها السليبة فتتخيّل والدها قاتل في نظرها لذبحه العجل، وتتخيّله في قصّة "كلمة التأبين" مغتصباً ومجرم حرب، وتعتبر جدّتها سفّاحة لأنها ذبحت طيور البط "الجسدُ المهجور يرتعش عند جليديّة القدمين، الموت حاضرٌ، والريش الأبيض ريشُ طيرٍ من جديد، وسيطير الآن".


الاغتراب سيّد الموقف والسوداويّة تلاحقها أينما حلّت رغم بساطة الحياة اليوميّة وانسيابيّتها "البقرة عُشِّرَت، الدجاجةُ أُحضِنَت البيض، التبغُ سُلّم، الخنازيرُ اشْتُريَت".


تخيّم توتاليتاريّة أيام تشاوشيسكو على النصّ؛ حرمان وقهر، تيه وسراب وعدم يقين، وماذا يخبّئ لك الغد "هل يمكن أن تتخيل معنى أن تستيقظ صباحاً والخوف ينهش أحشاءك لأنك لا تعلم إن كنت ستبقى حياً حتى حلول المساء". وتزداد عنفواناً حين تقول "الساعة الخامسة والنصف صباحاً يرنّ المنبّه. أستيقظ فأخلع ثوبي، وأضعه على الوسادة. أرتدي بيجامتي وأذهب الى المطبخ. أدخل في حوض الاستحمام. أتناول المنشفة فأغسل بها وجهي، وأتناول المشط وأجفف به جسمي، أتناول فرشاة الأسنان فأمشط شعري بها، وأتناول ليفة الحمام فأنظف بها أسناني. ثم أذهب إلى الحمام فأتناول شريحة من الشاي وأشرب كوبا من الخبز" ولا تعرف ما ينتظرها من مجهول. أخذتني لما أسمعه ليل نهار من أصدقائي في الضفّة الغربيّة، ينام ولا يعرف ما يخبئه الغد، هل سيكون منع تجوّل؟ هل سيكون حصار؟ هل سيكون حاجز مدخل القرية يحول بينه وبين مغادرة البلدة؟ هل سيكون دوام مدرسيّ لأولاده؟ هل سيكون دوام في شغله؟ و(هلّات) كُثُر.

أخذتني الكاتبة مجدّدا إلى أهالي القرى المهجّرة، وفلسطينيّي الضفة الغربيّة وهم يتحسّرون على حقولهم وأراضيهم التي استولى عليها المستوطنون على مرمى حجر، "يرى الناظر القرية من الحقول كأنها قطيع من الدور يرعى بين روابٍ لا يميز نباتها إلا الألوان. ويتراءى كل شيء قريباً، فإذا سار المرء نحوه لا يبلغه. لم أفهم هذه المسافة أبداً. كنت دائماً خلف الطرق وكل شيء يمضي أمامي وليس لي سوى الغبار في وجهي ولا نهاية في الأفق".

وكذلك الأمر مع تصرّفات جنود الاحتلال، وكاّني بالكاتبة تصوّر ما يجري اليوم، رغم مرور عشرات السنين على كتابة الكتاب، "عندما ذهبت إلى المدينة في ما بعد شاهدت الموت في الشوارع قبل انقضائه. كان الناس حينئذ يخرون على الإسفلت آنّين مرتجفين ولا أهل لهم. فيأتي آخرون وينتزعون خواتمهم وساعات أيديهم وقتما لم تكن الأيدي قد جمدت وتخشبت بعد، منتشلين من أعناق النساء عقود الذهب ومن آذانهن الأقراط، فتنشق شحمات آذانهن وينقطع النزف بعد هنيهة".

راق لي أسلوبها الوصفي وتصويرها البانورامي لمشاهد بسيطة تُحييها وكأنّنا نشاهد فيلماً بتقنيّة التصوير البطيء (Slow motion)، "راح الأقارب في المحطة يسيرون بجانب القطار ذي الدخان المتصاعد محركين مع كل خطوة أذرعهم المرفوعة ملوّحين بها. وكان رجل شاب يقف خلف نافذة القطار قد وصل الزجاج إلى أسفل ذراعيه حاملا أمام صدره باقة من الزهور البيضاء التالفة، وكان هامد الوجه. حملت امرأة شابة طفلا بليدا إلى خارج المحطة وكان لها حدبة في ظهرها. انطلق القطار إلى الحرب".

ملاحظة لا بدّ منها؛ الترجمة كانت ناشفة ومنفّرة (بعث لي أحد زملاء المنتدى برنقيّة: "آسف، مش راح أقدر آجي اليوم مع أني ما أنهيت قراءتها لرداءة الترجمة، بس كنت حابب آجي") وكذلك الأمر بالنسبة لاستعمال الهوامش فلم يكن موفّقاً.


وأخيراً؛ وجدت خلاصة رؤيا الكاتبة ورؤيتها حين قالت "لفظتِ الشمعةُ في رأسِ أبي الأجوف آخرَ أنفاسِها".

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط