كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

“جرح.. هاجع خلف الشغاف”

إشرقات البعد الفني و تجليات الإبداع..في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

إشرقات البعد الفني و تجليات الإبداع..في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

تاريخ النشر: 2022-09-10 | 17:02

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أن أهمية العمل الفني بعامة،والأدبي بخاصة تكمن في ما يحمله من مرجعيات وإحالات فكرية وثقافية وفلسفية،فالقصيدة العابرة للزمن هي التي تحمل إلى جانب بنيتها الجمالية همًا فكريًا،بعبارة ثانية:هي القصيدة المحملة بالثقافة المتماهية مع جماليتها،بحيث لا تتحول إلى تنظير خارج لُغة الشعر الرقيقة.

وإن علاقة الشعر والفكر تبدو للوهلة الأُولى متناقضة،فالأول يتعامل مع الحدس أما الثاني فميدانه العقل،ولكن النظرة العميقة تأبى ذلك،فالشاعر الحقيقي هو مفكر أو فيلسوف بشكل ما، يُثير مشكلات الحياة الكُبرى كالموت والغيب،يتأمل الوجود وما وراءه،ويعيد صياغة أحداث التاريخ بإعطائها أبعادًا في الحياة المعاصرة،ومفهومي هذا تُجاه الشعر لا يقتصر على الشعر المعاصر أو العربي فحسب،بل يشمل الشعر في معظم آداب العالم ومنها الشعر العربي قديمًا وحديثًا.

ويُعتبر الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي من أهم الشعراء المعاصرين الذين تتجلى في قصائدهم سمات الشعر العظيم،وهو شاعر استطاع في جل قصائدة التي اطلعت عليها أن بقول قول ما لا يمكن قوله في زمن يزدحم بالشعراء والمبدعين على إمتداد الوطن العربي الفسيح،ورغم كل ما احتوته (القصائد ) من رؤى فكرية ومرجعيات ثقافية تراثية حافظت على شاعريتها،أما الصور في قصائده فكانت على قدر عال من الفنية رُغم وضوحها إلى حد ما،فلم تكن موغلة في الرمز،وجاءت الموسيقى مناسبة للحالة العامة للقصيدة وفيها نوع من التمرد والجدة،فلم يقد دفة الإيقاع سوى الشعور.

وإذن؟

اللغة إذا،هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين،غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه،فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي،فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى،تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما،فتتَجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة التعبير،وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس،والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر،ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي. يختار الشاعر الألمعي د-طاهر مشي من اللغة وإيحاءاتها،ويولّد منها ما قدر على التوليد،لا ليأتي بمعانٍ يجهلها الناس تمامًا،ولكن ليصوّر الواقع كما يراه من زوايا متفردةٍ تدهش المتلقي وتجعله يعيش إحساسات جماليةً لا تنتهي،وحجارة هذا البناء الموضوعيِّ الألفاظ،إلا أن الألفاظ في الشعر تومئ إلى ما وراء المعاني،فتُضيف إليها أبعادًا جديدة،وبذاك تتجدد وتحيا،وبغير ذلك تذبل وتموت،إذ نجد ألفاظها تقدِّم صورة إنسانية وفنية بغرَض إماطة اللِّثام عن هذه الألفاظ.ومن هنا:

تعد العملية الإبداعية في حقيقتها نفاذا إلى واقع متخيل،أين يستطيع الشاعر تحويل أخيلته إلى نوع جديد من الحقائق التي تكون انعكاسات قيِّمة لواقعه الذي يمثل مسرحا لتجربته الفنية،فتكون رؤية الشاعر لهذا الواقع مختلفة تماما عما يراه الناس،فهو لا يكتفي بحدود واقعه،بل ينفذ إلى عمقه متخطيا النظرة السطحية إلى نظرة مرتبطة بالكشف والتجاوز..

و”جرح..هاجع خلف الشغاف” هي صورة نقية عن الوطن وتعبير صادق عن طين الأرض ودلالة خلاقة عن حب البلاد،وصرخة مدوية في وجوه المتخاذلين ممن خانوا أوطانهم وباعوا ضمائرهم..

نعم هكذا رأيت الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي في هذه الأبيات صورة للرجل العربي الأصيل الذي يعشق وطنه وينتصر لرموزه،وحتى وأن أخفى هذا الحب في حضرة الواقع،إلا أن الشعر الذي دائما يمثل اللهب الذي يختزن الطاقة الداعية للتغيير كشف أمره،إنه ينظر إلى العروبة التي يختزلها وطننا العربي، نظرة لا تُنظر بالبصر بقدر ما تُدرك بالبصيرة،إنه الوطن الجميل والمفعم بكل معاني الجمال،وبأثمن عبارات الصدق،إنه الجمال الكوني كله.

وإذن؟

الغضب إذا يا سادة،هو عود الثقاب الذي يوقد الثورة،الغضب -يا أعزائي-هو ما يدفع البشر الى أن يقولوا لا ،هو ما يبقيك حيا،هو ما يحافظ على حياتك،وهو ما يجعلك انساناً وان كان الغضب حقا لكل شعوب الأرض المقهورة المكبوتة فإنه في حالة الإنسان العربي يصبح واجبا لا يسقط الا بسقوط مسبباته.

في هذه القصيدة (جرح..هاجع خلف الشغاف) يظهر لنا الشاعرالتونسي الكبير د-طاهر مشي كما لم بظهر لنا من قبل،ولأن الأحداث العظيمة تجبرنا على الابداع،فإن قريحة -شاعرنا الفذ-قد اجترحت أفضل ما يمكن لشاعر ان يكتبه،فكتب بحبر الروح..ودم القصيدة ..

وأترك للقارئات الفضليات،والقراء الكرام أحقية التفاعل والتعليق..

 

 

“جرح..هاجع خلف الشغاف..”

 

جرحي أنا

والأوطان تنزف من دمي

اليوم يبلونا الطغاة

ونحتفي

ويلي أنا من يغسل ثوبي

قد دنسته المحبرة

وتمزق جنح الظلام

شرخ أصاب الذاكرة

كيف سأخبرهم غدا

أن أثوابي تلوثت

وغدت على الأرض بساطا

أحمر..

كيف سأخبر بلقيس

عن هذه المهزلة..؟!

وماذا أقول لفرعون

الذي طغى وتجبر

جرحي..ينزف..

من سيكفكف نزفه..؟

من سيصفف شعر

البنية التائهة..؟

وماذا سأقول للغربان الناعقة

كيف سأحتمي..؟!

من النار وأثوابي ملقاة

بساطا..يدوسه الطاغية

حتى إسفلت الطرقات

قد اختفى

في رأسي شرخ

ولا أدري من سيرمم

الذاكرة!..”

 

إن قارئ - جرح هاجع خلف الشغاف -يخرج بانطباع قوي مفاده السؤال الآتي : هل توقف الزمن لتظل القصيدة شامخة تحكي واقع الأمة العربية وتنادي بعودة الروح اليها ؟ إن الشاعر يهتف بصوت عال ومستمر في الزمن،معبرا عن حالة نفسية موسومة بالصدق الوجداني والفني،وعن غيرة حقيقية ورؤية شمولية لم تقف عند حدود بلد الشاعر تونس، الأرض المفعَمَة بعطر الشعر،بل تجاوز حدودها ليعانق إبداعه الوطن العربي وهذا ما تجلى في جل قصائده،ولا أتردد لأقول إن د-طاهر مشي شاعر فذ ومقتدر وشاعر الأمة العربية بامتياز.

ختاما أقول :

إن قصيدة -جرح هاجع خلف الشغاف-،تمثل لحظة شعرية راقية داخل المسار الإبداعي للشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي،الشاعر الذي أجاد في مناحي شعرية كثيرة وأبان عن التفوق في رسم معالم الجمال والفن من خلال الحبك والنظم وتآلف الكلمات،ولعل ما يمكن استنتاجه هو اختيار الألفاظ بعناية كبيرة للدلالة على الحزم في أفق خدمة الموضوع فإذا كان هوس الشاعر وديدنه الدعوة الى عودة الروح إلى جسد الإنسان العربي بشكل خاص والأمة العربية ككل فإن الجانب التصويري قد أدى وظيفته بامتياز ووصلت صرخاته الممزوجة بالحسرة الى كل العرب في كل الأوطان.

قبعتي..يا شاعرنا الفذ..

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط