كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

“أشق صدري ولا أشق فتح”… حين كان الإيثار عقيدة والانتماء موقفًا”

“أشق صدري ولا أشق فتح”… حين كان الإيثار عقيدة والانتماء موقفًا”

تاريخ النشر: 2026-05-24 | 11:44

الخلاف لا يضعف الحركات الوطنية… لكن تحويله إلى معارك علنية يفتح شقوقًا في الجدار ويمنح الخصوم ما عجزوا عن تحقيقه بالمواجهة.

 

قال الشهيد المدفع صلاح خلف “أبو إياد”، ذات يوم عبارة لم تكن مجرد كلمات تُقال، بل ميثاقا أخلاقيا  وسياسيا اختصر تجربة جيل كامل من المناضلين: “أشق صدري ولا أشق فتح”.

 

لم تكن تلك العبارة لغة شعارات، ولم تكن نتاج لحظة عاطفية، بل كانت تعبيرا عن ثقافة كاملة قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية؛ ثقافة تُقدّم الجماعة على الفرد، والمشروع على الموقع، والانتماء على المصلحة، والإيثار على الرغبة في الانتصار للنفس.

 

في ذلك الزمن، لم يكن الرجال يُقاسون بحجم حضورهم الإعلامي، ولا بقدرتهم على كسب المعارك الكلامية، بل بمقدار ما يستطيعون أن يؤجلوا جراحهم الشخصية حتى لا تُجرح الحركة، وأن يؤخروا خلافاتهم حتى لا يُكسر البيت الوطني، وأن يختلفوا كثيرا دون أن يسمحوا للخلاف أن يتحول إلى انقسام أو اشتباك أمام الناس.

 

كان هناك وعي راسخ بأن الحركات الوطنية الكبرى لا يحميها تاريخها فقط، بل تحميها أخلاق رجالها. وأن أخطر ما قد يصيبها ليس ضغط الخارج وحده، بل لحظة يغيب فيها الإيثار، وتكبر فيها الذوات، وتتحول المواقف إلى منصات، والخلافات إلى مشاهد علنية تستنزف الهيبة وتضعف الثقة.

 

واليوم، ونحن نتابع حالة التراشق الإعلامي التي تتسع على منصات التواصل الاجتماعي بين أبناء الحركة الواحدة، لا بد من التوقف أمام سؤال موجع وصريح: هل بقيت تلك الروح حاضرة؟ وهل ما زلنا نتعامل مع فتح باعتبارها فكرة وطنية جامعة، أم بدأنا  دون أن نشعر   نُخضعها لمنطق الاصطفاف والانتصار الذاتي؟

 

إن ما نشهده لا يليق بتاريخ حركة دفعت من دماء أبنائها وقادتها وشهدائها لتبقى عنوانًا وطنيًا جامعًا. وليس لأن الخلاف ممنوع، فالحركات الحية تختلف، لكن لأن تحويل الخلاف إلى ساحة إعلامية مفتوحة يضعف صورة الحركة ويستنزف ثقة الناس بها.

 

فتح لم تُبنَ على منشور، ولن تُهزم بتغريدة، لكنها قد تُستنزف حين تتحول خلافاتها الداخلية إلى مشهد علني مفتوح، يراقبه الجميع ويستثمره الخصوم.

 

من حق أبناء الحركة أن يختلفوا، ومن حق القيادات والأطر أن تناقش وتحاسب وتراجع وتنتقد. بل إن الجمود أخطر من الاختلاف. لكن تحويل الخلاف إلى معارك إعلامية مفتوحة، وإخراج النقاش من مؤسسات الحركة إلى ساحات السوشيال ميديا، هو انتقال من مساحة البناء إلى مساحة الاستنزاف.

 

عندما ترى عضو لجنة إقليم يرد على عضو مجلس ثوري، ثم يدخل آخرون على خط الاشتباك الإعلامي، فإن السؤال لم يعد: من انتصر في السجال؟

 

السؤال الحقيقي هو: ماذا بقي من صورة الحركة أمام جماهيرها؟

 

إن الحركات التحررية الكبرى لا تُقاس بقدرتها على إسكات التباينات، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى انقسام. وكل تجربة وطنية أثبتت أن الانهيار يبدأ حين تصبح الجبهات الداخلية أكثر اشتعالًا من جبهة المواجهة مع الخصم.

 

الاحتلال لا يحتاج اليوم إلى أن يخترق الصف إذا كنا نحن من نفتح له النوافذ.

ولا يحتاج إلى حملات تشويه إذا كنا نقدم له مادة جاهزة.

ولا يحتاج إلى إضعاف الثقة بقياداتنا إذا كنا نستهلك بعضنا أمام الناس.

 

وهنا تكمن الخطورة.

 

إن الاحتلال كان وسيبقى المستفيد الأول من أي حالة إنهاك داخلي فلسطيني، لأنه يدرك أن الفلسطيني الموحد أصعب على الكسر، وأن الحركة الوطنية حين تكون متماسكة تصبح أكثر قدرة على الصمود والمبادرة والتأثير.

 

فتح لم تصبح حركة الجماهير لأنها كانت بلا خلافات، بل لأنها كانت أكبر من خلافاتها.

 

هذه الحركة التي خرج من صفوفها الشهداء والأسرى والمنفيون، والتي حملت راية القرار الوطني المستقل، لا يجوز أن تُختزل اليوم في منشورات متبادلة أو سجالات لحظية أو انتصارات إعلامية صغيرة.

 

القلاع الكبيرة لا تسقط من الخارج أولًا… بل حين تتصدع حجارتها من الداخل.

 

والأخطر من الانقسام نفسه، هو الاعتياد عليه؛ أن يصبح المشهد مألوفًا، وأن يتراجع الإحساس بالخطر، وأن يظن البعض أن ما يكتبه يمر وينتهي، بينما الكلمة حين تخرج إلى العلن تصبح جزءا من الوعي العام، وتترك أثرا قد يطول أكثر مما نتخيل.

 

في هذه اللحظة التاريخية، حيث يتعرض شعبنا لضغوط غير مسبوقة، تصبح الأولوية ليست لإثبات من الأقوى داخل الحركة، بل لإثبات أن الحركة ما زالت قادرة على حمل شعبها وقضيتها.

 

المطلوب اليوم ليس إلغاء الرأي، ولا إسكات النقد، ولا تجميد الحوار.

 

المطلوب هو العودة إلى أخلاق الثوار…

 

أن نختلف داخل البيت لا على جدرانه.

أن ننتصر للفكرة لا للذات.

أن نرفع قيمة المؤسسة فوق الأشخاص.

أن ندرك أن المكانة الحقيقية لا تُبنى بكثرة الظهور، بل بحجم المسؤولية الوطنية.

أن يعود الإيثار قيمة حاكمة لا ذكرى تُروى.

 

فلنتذكر جميعا أن فتح لم تكن يوما ملكا لأحد، بل أمانة حملها الشهداء وتركوا مفاتيحها للأحياء كي يصونوها لا كي يتنازعوا عليها.

 

ومن هنا تعود كلمات أبو إياد اليوم لا كذكرى عابرة، بل كنداء سياسي وأخلاقي:

 

قدّموا فتح على أنفسكم…

وقدّموا الوطن على مواقعكم…

وقدّموا الإيثار على الانفعال…

 

لأن البيت الوطني الذي دفع الشهداء أعمارهم كي يبقى موحدا ، لا يجوز أن تُفتح شقوقه بأيدي أبنائه.

 

ولأن التاريخ لا يذكر من ربح سجالًا عابرا، لكنه يتذكر دائما من حفظ البيت حين اشتدت الرياح.

 

“أشق صدري… ولا أشق فتح".

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط