كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إشكالية التطور والخوف من الحداثة والتحديث ..!

إشكالية التطور والخوف من الحداثة والتحديث ..!

تاريخ النشر: 2020-11-26 | 05:58

يقول الله عز وجل في محكم التنزيل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ويقول عز وجل (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ويقول عز وجل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) إلى آخره من الآيات الكريمة التي يقرُّ فيها الخالق عز وجل سنة وفطرة الحداثة والتنوع والتعدد، والتغيير، والتدافع التي فطر الله عز وجل الكون عليها، بما فيه من تنوع وتعدد وتباين في المناخ والتضاريس والكائنات الحية من حيوان ونبات، ويأتي من بيننا من يدبون الصوت، ويعلون عقيرة المحافظة، ورفض الحداثة والتنوع والتعدد والتغيير والتحول، بإسم الخوف على الدين وعلى العقيدة، التي تعهد الله في محكم التنزيل بحفظها في قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
التحديث والحداثة ضرورتان تستقيمان مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها والخلق والكون فما هي مبررات الخائفين والمرتعدين من كل حديث وجديد، إنه قصور الفهم أولا للدين وللتوجيه الإلهي، والمحافظة على القائم لما فيه من مصالح متحققة ثانيا، هما مبررات أولئك الذين يتصدون لكل حديث وجديد، ولكل محاولة للتغيير والتطوير والتطور في حياة الناس والمجتمع، ولا يرون ذاتهم ومصالحهم إلا في السكون والثبات وعدم التغيير، ولا يدركون أن ذلك يتنافى مع أبسط مفاهيم التوجيه الإلهي ويجتهدون في تطويع بعض الأحاديث الشريفة، والآيات الكريمة لتبرير مواقفهم السلبية من الحداثة والعلمية والتنوير، دون أن يدركوا أن دون ذلك يعني التكلس والتجمد والتخلف، عبر التاريخ القديم كان التوجيه الإلهي والخطاب السماوي والرسل والأنبياء هم قادة الحداثة والتغيير ونقل المجتمعات البشرية من حال إلى حال، وأن الخطاب الإلهي توقف بعد البعثة المحمدية ونزول القرآن الكريم وإعتباره رسالة خاتمة وشاملة وناسخة لما سبقها من رسالات سماوية منها المعروف لدينا ومنها غير المعروف، حيث تم تثبيت العبودية لله الواحد الأحد، وتكليف العقل بكل ما سواها في مختلف شؤون الحياة والإكتفاء بما ورد من توجيهات عامة سلوكية وعقدية تنظم حياة البشر، تاركا التفصيل للإحتياج وللعقل الناضج للقيام به، لقوله صلى الله عليه وسلم (أنتم أبصر بشؤون دنياكم).
في هذه المقالة وددت أن أطرح إشكالية الخوف من التغيير والحداثة والتجديد والتنوير والتطوير والعلمية، إنها ليست من الدين مطلقا، وإنما تعبر عن مصلحة من هم مستفيدين من أي وضع قائم لذا يرفضون مبدأ التجديد والحداثة وما شابه ذلك لأنهم يعتقدون أن في ذلك الإطاحة بمصالحهم وبتسيدهم، مدعين أن هذا هو الوضع الأمثل وفق التوجيه الإلهي، وينصبون من أنفسهم وكلاء ومتحدثين بإسم الذات الإلهية، وهنا تكمن روح النفعية والإستبداد وتبريرهما بإسم الدين وبإسم الله، والله والدين من ذلك براء، براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
لا يمكن لأمة أن تنهض وأن تتقدم بالجمود والسكون، بل تفقد مبرر وجودها، لإفتقادها للصلاح ومعاندتها فطرة الخالق في الخلق والكون، والذين يعيبون على أوروبا إنهاء حقبة القرون الوسطى قرون الحروب المقدسة والظلام حين كانت الكنيسة ورجال الدين المسيحي يتحكمون في كل شؤون الحياة الزمنية والأخروية إلى درجة بيع أراضي في الجنة، ومنح صكوك الغفران للمخطئين، وكأنهم يخطؤون عملية إنهاء إستبداد هذا الكهنوت المنحرف أصلاً عن التوجيه الإلهي سواء في الإنجيل أو غيره من الكتب السماوية، تحت إدعاءات سقيمة أن العلمانية تعني مخالفة الدين، وفصله عن الدولة، ويقومون بعملية إسقاط على المجتمعات العربية ليبرروا رفضهم للحداثة والتغيير والتنوير والعلمانية، دون أية مقاربة علمية لواقع المجتمعات العربية الإسلامية مع واقع أوروبا القرون الوسطى، حيث أننا أمام واقعين مختلفين، فلا يوجد في الإسلام أيٍ من المفاهيم اللاهوتية المسيحية التي كانت سائدة ومستبدة في حياة البشر والدول في أوروبا القرون الوسطى، فالأخذ بالحداثة والتغيير والعلمية لدى المجتمعات الإسلامية واجبة وضرورة ومتوافقة مع ما جاء في الكتاب والسنة لدى المسلمين وليست متعارضة بأي شكل من الأشكال، بل إن الحداثة والتنوير والعلمانية الأوروبية إذا أردنا التأصيل لها، فهي مصدرها الثقافة العربية الإسلامية التي تأثر بها طلاب أوروبا حين كان العرب المسلمين قبل ثمانية قرون يتصدرون قمة الثقافة الإنسانية، وكان مثقفوا أوروبا ممن تتلمذوا وتعلموا على يد العلماء العرب، سواء في الأندلس أو في المشرق العربي، وتأثروا بالنهضة الثقافية والفكرية والفلسفية التي كانت قد وصلت إليها بلاد العرب والمسلمين في مختلف الحقول والعلوم، وبما أرساه الإسلام من حرية ومكانة للفرد وللمجتمع ورفض لكل صور التخلف والإستبداد، لدرجة عندما وقع الصراع بين العلمانيين والكنيسة في أوروبا، كانت تطلق الكنيسة على العلمانيين وصف الرشديين نسبة إلى ابن رشد العالم والمفكر والفيلسوف العربي الذي أرسى قواعد المنهجية العلمية في البحث والتفكير.
فلما الخوف من الحداثة والتحديث والتحول والتغيير، إن رفض الحداثة والتحديث بحجة الخوف على الدين والعقيدة وفصل الدين عن الحياة خوفٌ غير مبرر وفي غير محله، إنه تبرير لإستمرار الإستبداد والتخلف ورفض الأخذ بالأسباب الواجبة للنهوض والنمو والتقدم، لأن ذلك يهدد مصالح ونفوذ الفئات المستفيدة من إستمرار الوضع القائم، وبالتالي تتقدم الأمم التي تأخذ بأسباب التقدم حتى وهي كافرة ولا تدين بأي دين، سوى أنها إلتزمت العدل والمساواة أولا ثم اعملت العقل والفكر وأخذت عن غيرها من الأمم أفضل ما لديهم وإنطلقت لديها مسيرة التطور والتقدم والنهوض، ومجتمعاتنا المسلمة بقيت تراوح مكانها وتتحول إلى عبء على تلك الأمم الناهضة والمتطورة في كل مناحي الحياة، وتبقى تابعة ومستلبة للآخر، وتدعي الصلاح والفلاح وهي أبعد ما تكون عن هذين المفهومين، بل هي في ذيل قائمة الدول والمجتمعات.
إن محاربة الحداثة والتغيير والتحول هي جريمة ترتكب في حق المجتمعات بإسم الدين والدين منها براء.
لقد آن الأوان للمجتمعات العربية والإسلامية أن تواجه فوبيا الحداثة والتجديد وأن تنطلق نحو تحديث كل مناحي الحياة وإعداد النشئ على التفكير وإمعان العقل وتوظيفه في فهم كل الظواهر الطبيعية والإنسانية، كي تعد جيلا قادرا على مواكبة روح العصر وأن يكون جديرا بالمنافسة في مسيرة البناء والتطور والتقدم الذي يشهده العالم، وكسر القيود التي حالت دون تقدم هذه المجتمعات وهي قيود لا علاقة لها بالدين إنما هي من إنتاج أصحاب المصالح المستفيدين من إستمرار التأخر والتخلف للمجتمعات والبلاد العربية والإسلامية سواء منها قوى داخلية تلاقت مصالحها مع قوى خارجية في إبقاء أوضاع العرب دون تجديد، ترزح وتئن تحت وطأة شروط التأخر والتخلف ومحاربة كافة مفاهيم وشروط التقدم بإسم الدين.
لا شك أن العالم العربي يشهد صراع حقيقيا بين قوى الحداثة والتغيير وبين القوى المحافظة ورفض التغيير، تلك هي قوى الشد العكسي التي لا تسخر تفكيرها في الواقع والحاضر والمستقبل الذي نعيشه أو ننتظره وإنما ترجئ النظر دائما إلى الوراء إلى الماضي، لإعادة إستنساخه وتصويره كنموذج يحتذى به، في حين قد تجاوزه الواقع ولم يكن أصلا صالحا أو ناجحا دائما في زمانه، كان له نجاحات مهمة وكانت له إخفاقات مهدت إلى ما نحن عليه اليوم، يجب أن يقتصر النظر إلى الماضي التاريخي لأخذ العبر منه وليس لإستنساخه وإعادة إنتاجه.
يجب أن يجتهد مفكرينا في الواقع الذي نعيش فيه وفي إشكالياته الحالية والمستقبلية كي يبنى على التفكر والتعقل والتغيير والتجديد وخوض غمار الحداثة والتطوير من أوسع الأبواب ورفض كافة الأفكار السلبية عن الحداثة والتغيير بإسم الدين أو غيره لأن الدين والفطرة هي مع التجديد ومع الحداثة ومع التعارف وليس مع الخوف والتناكر والتنافر.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط