كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إشكالية السابع من أكتوبر: بين وهم التحوّل الاستراتيجي وحقيقة الانكشاف الوطني ..!

إشكالية السابع من أكتوبر: بين وهم التحوّل الاستراتيجي وحقيقة الانكشاف الوطني ..!

تاريخ النشر: 2025-12-09 | 13:45

يظلّ السابع من أكتوبر 2023 لحظة مفصلية في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ليس فقط لِما أحدثه من صدمة عسكرية وسياسية، بل لأن تداعياته كشفت حجم التناقض بين الرؤية التي حملته وبين الواقع الذي انفجر بعده.
فالحدث الذي قدّمه البعض بوصفه هزّة استراتيجية أعادت فلسطين إلى الواجهة، رأى فيه آخرون بداية انكشافٍ شامل دفع غزة نحو واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية المعاصرة، وفتح الباب أمام سياسات استيطان وتهجير وتدمير ما كان لها أن تُنفّذ بهذه السعة لولا اللحظة التي أوجدها الحدث نفسه.
وهنا أشير إلى المقال الذي نشره د. أحمد يوسف في صحيفة القدس، قد مثّل أحد أهم المداخل لفهم هذا الجدل، إذ عرض مروحة واسعة من القراءات المتعارضة حول «طوفان الأقصى»:
قراءة تعتبره لحظة استعادة للحق الفلسطيني وقدرة على زعزعة الأمن الإسرائيلي، وقراءة أخرى تعدّه قرارًا أحاديًا اتُّخذ خارج الإجماع الوطني، وبلا تقدير كافٍ لحجم الرد الإسرائيلي المتوقع أو لانسداد المسار الدبلوماسي الدولي الذي سيمنع تطويق الكارثة مبكرًا.
هذا الجدل بتنوعه واتساعه، يعكس إشكالية أعمق: هي غياب معيار وطني موحّد لتقييم القرارات المصيرية، وغياب مؤسسات قادرة على ضبط إيقاع العلاقة بين العمل المقاوم وبين الكلفة الإنسانية والسياسية التي قد تترتب عليه.
قراءة الحدث اليوم، بعد مرور أكثر من عامين وشهرين على اندلاعه، تفرض مواجهة ثلاثة مستويات أساسية.
الأول هو مستوى السردية: صحيح أنّ السابع من أكتوبر أعاد فلسطين إلى الشاشات والميادين، لكنه لا يمكن اعتباره «نجاحًا استراتيجيًا» بمجرد أنه حرّك الرأي العام العالمي.
فالتضامن الشعبي شيء، وترجمته إلى مكاسب سياسية شيء آخر تمامًا.
وحتى اللحظة، لم يُترجم هذا الزخم إلى قرارات دولية ملزمة، ولا إلى وقف للآلة العسكرية الإسرائيلية، ولا إلى اعترافات سياسية قادرة على تغيير ميزان القوى في المدى المنظور.
المستوى الثاني: هو المستوى القانوني والإنساني. فالكارثة التي تلت السابع من أكتوبر—والتي شهدت تدمير نحو ثلثي قطاع غزة، وتهجير معظم سكانه، ومقتل عشرات الآلاف—كشفت هشاشة الحماية القانونية الدولية، وعجز النظام الأممي عن فرض ولو حدّ أدنى من القيود على آلة الحرب الإسرائيلية، لا يعني هذا أن المسؤولية تقع على الفلسطينيين؛ فالعدوان الإسرائيلي قائم بوصفه جريمة حرب مكتملة الأركان.
لكن قراءة متأنية تفرض الاعتراف بأن غياب آليات التوثيق المنظم، وعدم امتلاك مرجعية وطنية قادرة على تحويل الجرائم إلى ملفات قانونية متماسكة، سمح لإسرائيل بتسريع مشروعها الاستيطاني والعقابي تحت غطاء «الرد الدفاعي».
أما المستوى الثالث: فهو المستوى السياسي الوطني، وهو الأكثر حساسية.
فقد وُلد الحدث خارج منظومة القرار الوطني، وفي ظل انقسام مفتوح منذ أكثر من 17 عامًا، ما جعله فعلًا بلا حماية سياسية وطنية أو قومية، ولا شبكة أمان إقليمية أو دولية.
وحين تراجع الدعم العربي والدولي، وجد الشعب الفلسطيني نفسه وحيدًا أمام آلة عسكرية تدميرية، فيما ظل قلب النظام السياسي الفلسطيني المنقسم والمتآكل عاجزًا عن تقديم خطاب موحّد أو خطة سياسية قادرة على استثمار اللحظة أو الحد من تداعياتها.
بهذا المعنى، لم تكن الأزمة في «الفعل» وحده، بل في غياب البنية الوطنية التي تُحوّل الفعل إلى رافعة سياسية، أو تُعدّل مساره، أو تُحصّن المجتمع من ثمنه الفادح.
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن إشكالية السابع من أكتوبر ليست في الحدث ذاته، بل في تحويله إلى نقطة تحوّل لم تُستثمر، أو لم يُدَر أثرها بشكل يراعي موازين القوى والمعادلات الإقليمية.
ما تحتاجه الساحة الفلسطينية اليوم ليس تمجيد الحدث ولا التنصل منه، بل تحويله إلى محطة نقدٍ صريح ومسؤول لإعادة بناء قواعد القرار الوطني. وهذا يتطلب ثلاث خطوات مركزية:
أولًا: تشكيل خلية فلسطينية–دولية للتوثيق القانوني تجمع الأدلة وتعدّ ملفات قابلة للإحالة الدولية.
ثانيًا: فتح مسار إنساني محمي بإشراف دولي يضع حياة المدنيين فوق أي اعتبارات سياسية.
وثالثًا: إطلاق مسار توافق وطني يضع قواعد واضحة لاستخدام القوة، ويمنع اتخاذ قرارات استراتيجية خارج الإجماع وخارج المؤسسات الوطنية.
إن السابع من أكتوبر—بكل ما حمله من ألم وفدائية وتناقضات—سيظل صفحة ثقيلة في التاريخ الفلسطيني.
لكن تحويله من جرح مفتوح إلى درس وطني مؤسسي مشروط بالقدرة على إنتاج رؤية فلسطينية جديدة:
رؤية تفصل بين البطولة وبين المغامرة، بين المقاومة وبين الفعل الأحادي، بين العاطفة وبين حسابات المصلحة الوطنية العليا.
ومن دون هذا التحوّل، سيظل الحدث ساحة انقسام، بدل أن يكون بداية لمرحلة وطنية أكثر توازنًا ووضوحًا.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض 9/12/2025 م

✨ مقال د. عبد الرحيم جاموس: السابع من أكتوبر بين الوهم والانكشاف والدرس الوطني
أ. د. عادل جوده
يقدّم الدكتور عبد الرحيم جاموس في مقاله تحليلاً عميقاً وضرورياً، يُجسّد نقداً مؤسسياً جريئاً لواحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل والانقسام في التاريخ الفلسطيني المعاصر. إنه ينقل النقاش من دائرة التمجيد العاطفي أو الإدانة التبسيطية، إلى فضاء المساءلة الاستراتيجية والمسؤولية الوطنية، وهو أمر تفتقده الساحة الفلسطينية بإلحاح.
أولاً: تفكيك وهم "التحول الاستراتيجي"
يضرب الكاتب بعرض الحائط مقولة "الهزّة الاستراتيجية" التي أعادت فلسطين إلى الواجهة، مُقدِّماً قراءة واقعية قاسية. صحيح أن الحدث هزّ الصورة النمطية عن القوة الإسرائيلية وصمود غزة، وصحيح أنه حرّك مشاعر عالمية جياشة. لكن الدكتور جاموس يصرّ على سؤال النتائج الملموسة: أيّ تحوّل استراتيجي هذا الذي ينتج عنه تدمير شبه كامل للكيان المكاني والبشري في غزة، وتهجير جماعي، وتوحّش استيطاني في الضفة لم تشهده منذ عقود؟ إن الفصل بين "تحريك المشاعر" و"تحقيق المكاسب" هو لبّ الإشكالية. فالعالم قد يتعاطف، لكن دوله وقراراتها المؤسسية ما زالت تتعامل مع فلسطين كمشكلة إنسانية طارئة، لا كقضية سياسية عادلة تستحق الحل. السابع من أكتوبر، في هذه القراءة، لم يغيّر ميزان القوى العسكري ولا السياسي، بل كشف هشاشة الموقف الفلسطيني في معزل عن إرادة دولية فاعلة.
ثانياً: كشف الانكشاف الوطني المؤسسي
هنا يلامس المقال الجرح الأعمق: ليس الحدث بذاته، بل السياق المؤسسي والفكري الذي اندلع فيه. تشخيص الدكتور جاموس دقيق عندما يرى أن المشكلة تكمن في "غياب معيار وطني موحّد" و"غياب مؤسسات قادرة على ضبط إيقاع العلاقة بين العمل المقاوم والكلفة". فالحدث وُلد في فراغ قرار وطني، وتحت سقف انقسام مؤسف طال أمده. هذا ما حوّله من فعل مقاومة إلى مغامرة أحادية، خالية من أيّ حماية سياسية أو شبكة أمان إقليمية أو دولية. لقد ترك الشعب في غزة وحيداً يدفع الثمن، بينما بقي النظام السياسي الفلسطيني منقسماً وعاجزاً عن تقديم خطاب موحّد أو خطة لاستثمار اللحظة أو حتى تخفيف الكارثة. إنه انكشاف مدوٍّ لبنية الحكم والتمثيل الفلسطيني، أكثر منه انكشافاً عسكرياً في الميدان.
ثالثاً: المستويات الثلاثة والمسار إلى الأمام
قوة المقال تكمن في تجزئته الإشكالية إلى مستويات (سردية، قانونية إنسانية، سياسية وطنية)، مما يسمح بمعالجتها بشكل منهجي. إصراره على أن المسؤولية الأخلاقية والقانونية الكاملة عن الجريمة تقع على العدوان الإسرائيلي، لا يُلغى بالاعتراف بغياب الآلية الفلسطينية الموحدة والمنظمة للتوثيق القانوني وتحويل الجرائم إلى ملفات متماسكة. هذا الغياب هو الذي سمح لإسرائيل بالتمادي تحت ذريعة "الدفاع عن النفس".
مقترحات الدكتور جاموس الثلاثة (خلية توثيق قانوني، مسار إنساني محمي دولياً، مسار توافق وطني يضبط استخدام القوة) تُشكّل برنامج عمل عقلاني وضروري. وهي تضع الأسس للانتقال من مرحلة ردّة الفعل العاطفية إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي المؤسسي. فالأمر لا يتعلق بـ"تمجيد" الحدث أو "التنصّل" منه، بل بتحويله إلى "درس مؤسسي".
خاتمة: نحو فصل تاريخي ضروري
إن الدعوة إلى "فصل بين البطولة وبين المغامرة، بين المقاومة وبين الفعل الأحادي، بين العاطفة وبين حسابات المصلحة الوطنية العليا"، هي خلاصة مقال الدكتور جاموس وذروته. إنها دعوة لإنضاج الفكر السياسي الفلسطيني. فالمقاومة حق، لكنها مسؤولية قبل أن تكون ردّة فعل. والوحدة الوطنية ليست شعاراً، بل هي البنية التحتية للبقاء وصناعة القرار. والسابع من أكتوبر سيظل "صفحة ثقيلة"، لكن ثقلها سيزداد إن لم تُستخلص منها العبر التي تحدث عنها الكاتب بوضوح شجاع.
لقد قدّم الدكتور جاموس خدمة فكرية كبيرة للسجال الوطني، بدعوته إلى نظرة ثاقبة ترفض الانهزامية ولا تقع في فخ الانتصارات الوهمية. المستقبل الفلسطيني يحتاج إلى هذه الشجاعة النقدية، إذا أراد أن يتحول من دائرة المعاناة والتضحيات البطولية إلى دائرة الإنجاز السياسي والحماية الوطنية الفعلية لشعبه.

×
أخبار
نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط