كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إشكالية النقد الأدبي العربي الحديث: تقصير أم أفق جديد؟

إشكالية النقد الأدبي العربي الحديث: تقصير أم أفق جديد؟

تاريخ النشر: 2026-04-07 | 14:20

ليس هناك نقد لأنه ليس هناك أدب"هكذا يقال..الصحافة خطفت خيرة النقاد وحولتهم إلى صحفيين"قيل أيضا ،لكن أليست علاقة الأدب بالنقد،علاقة الندية و التكافؤ والأسرة الواحدة!؟ ثم ألا يجوز القول بأن"حضور"أحدهما مرهون بحضور أو غياب الآخر،و إن كان غياب"الأدب" يكاد يكون أمرا مستحيلا..!؟ ثم أولا و أخيرا : ألم يحن الوقت بعد ،لصياغة عطاء نوعي و مستقل في حقل النقد الأدبي ينأى عن ” العفوية ” التي تفرض الإنطباعات الجزئية دون استخلاص المعيار..!؟

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا ما قيل أن "التقصير"في النقد العربي الحديث ذو دلالة سوسيولوجية تتجاوز أسوار المصطلح الجمالي للنقد إلى أبعاد اكثر شمولا يمكن ايجازها في الإشارة التالية :

تتجلى أبرز ملامح التقصير في مجمل الحركة النقدية العربية الحديثة في غياب "المناهج " التي تضبط ايقاع هذه الحركة مما يعني التقصير في إكتشاف قوانين التطور الأدبي العام في بلادنا، أي اكتشاف المسار العام للحركة الأدبية العربية الحديثة من ناحية،و القوانين المضمرة في التجربة الأدبية النوعية كالرواية و المسرح و القصيدة و القصة القصيرة من ناحية أخرى.وقد يظل هذا التقصير قائما ما لم يرافق هذا الأكتشاف المزدوج "نقد النقد "و هذه مسألة أخرى تدعونا بإلحاح إلى وضع"إستراتيجية"نقدية تضع في الإعتبار خصوصية الظاهرة الأدبية مع الإفادة من مكتسبات التراث النقدي الذي مازال في حاجة إلى الدرس و الإضاءة (1) "لا سيما أن هذا النقد ( نقد النقد ) هو نقد للذات كما أنه نقد للأخر،وذلك بقدر ما يتيح طُرق بعض القضايا المحورية،وبلورة المنهجيات المناسبة للمقاربات التي تفترضها.

و من هنا فالنقد مدعوّ الى "الأخذ بمنهجية محددة في البحث وإعتماد طريقة موضوعية في معالجة المادة الأدبية،وإجتراح المصطلاحات والمفاهيم الملائمة لها و السعي إلى غايات مستقلة بها(2)" مما يعني أن النقاد-مدعوون-إلى الإستفادة من كافة مناهج النقد الغربية،ولكن دون نقلها نقلا أعمى لا يراعي خصوصيات النص الإبداعي العربي،ناهيك و أن التطبيقات البنيوية و التفكيكية و غيرها موغلة في الغموض والتعقيد مما حدا ببعض المبدعين للقول بأنهم لم يستفيدوا مطلقا من النقد ولم يسهم في تطويرهم كما أعلن ذلك مرارا الراحل نزار قباني.

ضمن هذا السياق  علينا الإعتماد على خبرنتنا الخاصة وتجربتنا النوعية التي تستفيد من المنهج الحديث بالإضافة إليه والحذف منه والتعديل فيه بما من شأنه أن يرمّم الجسور بين العمل الأدبي المعاصر والنقد من ناحية،و يردم الهوة بين القارئ والناقد من ناحية أخرى..

كذلك يغيب عن نقدنا الحديث تقليد البحث عن المواهب الجديدة و الإحتفال بها  فقط عندما تتحول إلى مؤسسات،أي بعد أن تكتمل و لا تعود هي أو القراء إلى النقد، هذا في الوقت الذي بتناسى فيه النقاد.إني أتكلم هنا عن"النقاد الأكادميين "بالمعني المدرسي للإصطلاح،لا عن أشباه-النقاد-ممن يعملون مديري دعاية للأدباء والفنانيين-أن الموهبة الحقيقية الجديدة تعني بالأساس أن ثمة نبضا متميزا جديدا في الثقافة  والمجتمع.والإحتفال بها ليس تطوعا أو منّة و لا حتى"واجبا"بالمعنى الأخلاقي و إنما هو اكتشافا لظاهرة ثقافية-اجتماعية لمن يريد أن يبني رؤيا صحيحة للثقافة والمجتمع الذي يعيش فيه.اي لمن يريد أن يكون ناقدا ذا نهج. 

أقول هذا لأن ساحتنا النقدية بخاصة غدت مرتعا ل(تكتلات) غير بريئة،ما فتئت تصنع من بعض الأسماء المشهورة( ….) في الشعر و القصة  والرواية أصناما تعبد وتمجّد،وكأن الإنجاز الإبداعي العربي في هذه الفنون توقّف عندهم (!).

وهذا يعني عدم الإهتمام بالأسماء و المواهب الجديدة في الفنون كافة ولسوف تظل معظم الكتابات النقدية -هنا و هناك-كتابات فوقية على هامش النص الإبداعي مالم تتجاوز هذه السلبيات نحو أفق حركة نقدية واعية وواعدة..

ما أريد أن أقول ؟

أردت الإشارة إلى أن التعالي على أية ظاهرة أدبية -اجتماعية كالتجاهل المقصود لهذا الكاتب او ذاك لمجرد أننا نختلف معه  فكريا،أو لأن أدبه لم يحقق  مستوى جماليا راقيا هو في الحقيقة إحتقار لعديد القراء،أكثر مما هو إحتقار للكاتب نفسه،في حين نولي وجهنا عنه بدعوى أنه تحت مستوى النقد (…).

ليست هناك ظاهرة أدبية تحت أو فوق مستوى النقد،طالما أنها"ظاهرة"وطالما اننا ندعي الإهتمام بالمتلقي.وطالما ندّعي أننا أصلا نقاد أدب مهمتهم استكمال دورة الكتابة والقراء بالنقد.وأخيرا طالما أننا"نقاد نبحث عن مناهج تسترشد بالمدلول العام لحركتنا الأدبية في خط متواز لتطورنا الإجتماعي-الثقافي وفي خط متقاطع مع القوانين النوعية لفنوننا الأدبية"(3)

استتباعات :

إن ما يفضي إليه الرصد المقتضب للخطاب النقدي الحديث استتباعا لما تقدّم هو أن النص النقدي يتموقع في خانة التقصير-التي يعسر الخروج منها بغير السعي الحثيث إلى أن يكون همزة وصل بين نهضتنا والحضارة الحديثة في العالم،وهذا يقتضي منه "النضال"بقدر ما يستطيع في سبيل المشاركة الفعلية في نبض العالم بالإنتاج والعطاء، لابالإستهلاك أو النقل لاسيما وأن الثقافة لم تنته بعد بانتهاء الحضارة الغربية أو انقطاع العطاء الغربي للحضارة بتعبير أدق .

على أية حال،بقليل من التفاؤل وبمنآى كذلك عن التعسفية أو الإسقاطية الذاتية أقول : إن النقد العربي الحديث قد حقّق بعض النجاحات سوى بتحويل مجموع اجتهاداته إلى"حركة من تيارات" لا مجرد التماعات فردية،أو بإقترابه الجسور من جوهر التجربة الأدبية المحلية،أو بإلتصاقه الحميم بالطبيعة الخاصة للأدب.و مع ذلك فليست النيات -على طيبتها-هي المقياس أو الحكم في مثل هذه المسألة،بل  الفعالية الإجرائية العملية في مقاربة النصوص الأدبية،وهي تتجلى في مدى اتساق المنهج البحثي وملاءمته للعمل الأدبي المتناول،  ومدى إقناعه  بتماسك طرحه وخصوبة نتائجه .. و تظل المفارقة في حالة توالد مع الأصوات النقدية الجديدة التي تنحت دربها  في الصخر بالأظافر،حتى أنها"تؤسس لتحويل نقدنا العربي الحديث الى حركة قومية من ناحية  وتخصصات نوعية من ناحية أخرى..الأمر الذي يشير ببطء شديد إلى إحتمالات نظرية أكثر شمولا في المدى المنظور " (4).

في المحصلة،يظل السؤال حول تقصير النقد العربي الحديث أو نهضته مفتوحا على اجتهادات المستقبل،فما لم يتحول النقد إلى مشروع جماعي منهجي يتجاوز الفردية والارتجال والتكتلات غير البرية،وما لم يستطع أن يواكب متغيرات العصر دون ذوبان في الآخر أو انغلاق على الذات،فإن دوره الريادي في قيادة الثقافة العربية نحو ولادة جديدة سيظل رهينة انتظار طويل.ولعل ما يبعث على الأمل هو تلك الأصوات النقدية الشابة التي تنحت دربها في الصخر، مؤذنة بفجر نقدي مختلف.

الهوامش :

1-زهرة الجلاصي: أنظر مقالها المنشور بمجلة الآداب-البيروتية- العدد 12/11-ص  100.

2-سامي سويدان-المرجع السابق-ص 54-بتصرف طفيف.

3- الدكتور الراحل-غالي شكري-عن كتابه : سوسيولوجيا النقد العربي الحديث-ص257.

4- د. غالي شكري-ذُكر سابقا-ص223-بتصرف

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان..وحذر السلطة الفلسطينية من تغيير اتجاه بنادقها ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط