كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إشكال الديني والسياسي والبحث عن مرجعية ناظمة

إشكال الديني والسياسي والبحث عن مرجعية ناظمة

تاريخ النشر: 2017-11-21 | 11:36

مع أن علاقة الديني بالسياسي في العالم الإسلامي قضية ليست بالجديدة بل تندرج في سياق المواضيع التي قُتِلت بحثا كما يقولون إلا أن الإشكالات الفكرية الفقهية المرتبطة بهذا الموضوع كـ : تعدد المرجعيات الدينية وعلاقتها بالتشريعات الوضعية الوطنية ، معنى الافتاء والاجتهاد ؟ولمن يرجع التكليف ؟ ...  لم يتم حلها وما زالت حاضرة بقوة ،ولم يستطع المسلمون وطِوال أكثر من ألف وأربعمائة سنة على حسم هذه الإشكالات .

فما أن يستقر الحال على توافقات محددة بهذا الشأن إلا وتنتكس الأمور وتعود لنقطة الصفر ، وكأن الله يريد أن يعاقب (المسلمون) بمثل  عقاب كبير الآلهة زيوس للفيلسوف سيزيف بجعله يحمل صخرة إلى قمة جبل وما أن يصل للقمة حتى تتدحرج الصخرة للقاع ليُعيد المحاولة مرة أخرى وهكذا يستمر عذابه ، كما جاء في الميثولوجية الإغريقية .

هذه التساؤلات والإشكالات ليست بجديدة على المشهد الفكري والفقهي الإسلامي ، فتساؤلات القرن الواحد والعشرين هي نفسها تساؤلات القرن السابع ! بحيث يمكن القول بأن الفكر السياسي الإسلامي ما زال يبحث عن مستقر  والأسئلة الإشكالية حول علاقة الديني بالدنيوي ما زالت تحتل حيزا كبيرا من انشغالات العقل السياسي العربي والإسلامي ، والأمر لا يقتصر على فقهاء الدين بل تجاوزهم لمفكرين ومثقفين من مدارس فكرية متعددة بما فيهم يساريين وقوميين وحداثيين .

الخطورة أن هذه التساؤلات لا تنحصر في مجال الفكر والتنظير والتمذهُب بل أنتجت استقطابات حزبية وسياسية ، هذه الاستقطابات إن كانت بعناوين دينية إلا أن غايتها السلطة الدنيوية ،وكانت أساسا لحروب دموية وصراعات سياسية بين المسلمين أنفسهم  منذ الفتنة الكبرى وحروب علي ومعاوية إلى الحروب الدائرة اليوم في سوريا والعراق وأفغانستان الخ  .

 

التساؤلات حول العلاقة بين الدين والسياسة ، الدين والعقل ،المقدس وغير المقدس ، ومن يحق له الإفتاء والاجتهاد ، معنى الحاكمية أو الحكميّة ...   طرحها الأولون وحاولوا الاجتهاد فيها :  المعتزلة ، الخوارج ،الأشاعرة ، أبن تيمية ، إخوان الصفا ،ابن أبي الربيع ، الفارابي ، الماوردي ، ابن رشد ، ابن خلدون ،الطرطوشي ، الشيرازي ، وآخرون عالجوا الموضوع وتركوا لنا كتابات متباينة في مخرجاتها .

صحيح أنهم لم يحسموا فيها بشكل قاطع ،إلا أن بعضهم كابن رشد لامس تخوم الإشكالية وحاول إعادة موضعة العلاقة أو التساؤل حول العلاقة بين الديني والسياسي وبين الدين والعقل إلا أنه تعرض لمحنته المعروفة ، كما أنه بالممارسة العملية تم ممارسة السياسة والحكم ما بعد الخلفاء الراشدين بالتحايل على النصوص المقدسة وتجاوزها أحيانا .

نفس التساؤلات وأخرى فرضتها متغيرات الواقع والزمان واجهت علماء نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أو ما يسمى عصر النهضة أو التنوير العربي : الأفغاني ، الكواكبي ،محمد عبده ،رفاعة الطهطاوي ، سلامة موسى ،شكيب أرسلان ،طه حسين  ،علي عبد الرازق وآخرون ،كما تم فتح الملف مرة أخرى في الربع الأخير من القرن العشرين مع كتابات جلال صادق العظم ونصر حامد أبو زيد وفرج فوده وغيرهم وكانت لهم اجتهادات قيَّمة بالرغم من اتهام أصحاب هذا الفكر  بالردة والتجديف وتم محاكمة البعض واغتيال آخرين .

رياح النهضة الفكرية التي أسس لها أصحاب الفكر التنويري أصيبت بانتكاسة وتم كبحها بقوة حضور الفكر الوهابي المسلح بالمال النفطي أولا ، ثم موجة الإسلاموية السياسية مع القاعدة والجماعات الأخرى كالتكفير والهجرة والجماعة الإسلامية وظهور الثورة الإيرانية ،كما أن الغرب شجع ودعم كثيرا من هذه الجماعات والتوجهات الدينية إما لتواجه الخطر الشيوعي ونفوذ الاتحاد السوفييتي ،أو لمواجهة الحركة القومية التحررية العربية المعادية للنفوذ الغربي ولنشر الفوضى في المنطقة كما جرى ويجري فيما يسمى الربيع العربي  ، دون تجاهل أن واقع الممارسة السياسية وآلية اشتغال الدولة والثقافة السائدة في العالم العربي لم يكونوا حاسمين في مواجهة الإسلام السياسي ولم يشجعوا الفكر التنويري .

موجة الإسلاموية السياسية الأخيرة والتي عنوانها داعش –دولة الخلافة - وما يتفرع منها ويدور في فلكها ،وممارستهم فيما أُتيح لهم من سلطة في أفغانستان والعراق وسوريا ،وانتكاسة الدولة الوطنية وما وفرته من حد أدنى للتعايش بين مواطنين متعددي المذاهب والطوائف ، كل ذلك فتح ملف العلاقة بين الديني والسياسي مجددا ، ويظهر ذلك من خلال ما نسمعه ونشاهده اليوم  من دعوة لإعادة تنقيح كل التراث الفقهي الإسلامي سواء داخل الجماعات الإسلاموية نفسها أو في الأزهر الشريف في مصر وحتى داخل العربية السعودية التي روجت واحتضنت الفكر الوهابي على مدار قرن من الزمن .

حسم كل هذه الإشكالات وحتى لا يكون حالنا حال سيزيف مع صخرته يستوجب الخروج من فوضى تعدد المرجعيات الدينية من جانب والتداخل بين الديني والسياسي من جانب آخر ، حتى يتم قطع الطريق على موجة جديدة من الإسلاموية السياسية المدَمِرة وفوضى الافتاء . الأمر الذي يتطلب تحرير الإسلام من هيمنة الجماعات الإسلاموية وتجريد هذه الأخيرة من تنصيب نفسها مرجعية فقهية وسياسية للمسلمين ، ولكن وفي نفس الوقت  يجب الحذر من تسليم ملف الدين للأنظمة السياسية والمرجعيات الدينية التابعة لها .

احتكار الأنظمة السياسية والمرجعيات الدينية الرسمية لمجال المراجعات الفقهية وصياغة العلاقة بين الدين والدولة واحتكار الحق في الفتوى والاجتهاد لن يحل المشكلة  ،خصوصا في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي وغياب الديمقراطية المُفضية للشراكة السياسية لكل مكونات المجتمع . والمطلوب إشراك المفكرين والعلماء من كل الاتجاهات الفكرية الوسطية وغير المنخرطين في الصراعات السياسية الدائرة في هذه العملية ،لأجل التأسيس لمشروع نهضة فكرية ثقافية تُعيد موضعة العلاقة بين الديني والسياسي بما يؤسس لدولة مدنية علمانية تستطيع أن تواجه تحديات العصر مع الحفاظ على روح الإسلام كدين صالح لكل زمان ومكان  .

[email protected]

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط