كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أصابع إسرائيلية تحرك الحرب في السودان

أصابع إسرائيلية تحرك الحرب في السودان

تاريخ النشر: 2023-04-30 | 08:58

بدا الاقتراح الإسرائيلي بالتوسط بين جنرالي الحرب السودانيين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) أقرب إلى نكتة سمجة، غريبا ومنافيا للمنطق، وفيه من الدعاية أكثر بكثير مما فيه من عناصر جدية تمكن دولة الاحتلال والأبارتهايد من التوسط بين من دمرا بلديهما قبل الحرب وخلالها. واستمرارا لمنطق السماجة هذا عمد ناطق باسم أحد الطرفين إلى تشبيه الهجوم الذي تتعرض له قواته بما تتعرض له إسرائيل على أيدي "الإرهاب" الفلسطيني!!

لكن السؤال الجدي المطروح: ما الذي تملكه إسرائيل أكثر من دول ذات صلة وثيقة بالسودان مثل مصر واثيوبيا؟ فضلا عن المنظمات الدولية والإقليمية كالأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الافريقي، وكلها لديها من الخبرة والمعرفة  والتواصل مع أطراف المجتمع السوداني ما يمكنها من التدخل لمصلحة الشعب السوداني أولا.

الأغرب مما سبق هو أن الإدارة الأميركية هي التي شجعت إسرائيل على التوسط بين الفريقين، وكأنها ترى أن علاقات التطبيع التي أُدخل فيها السودان رغما عن شعبه هي أكثر أهمية وتأثيرا من الروابط التاريخية الثقافية والقومية والدينية التي تربط السودان بمحيطه الإقليمي.

عند الحديث عن السودان لا بد من التذكير أن ابناء وجنود هذا البلد الشقيق شاركوا في النضال من أجل فلسطين وسقط منهم كثير من الشهداء، ومشاركة الجنود والضباط السودانيين في حرب العام 1948 جرت بشكل تطوعي حيث لم يكن السودان قد نال استقلاله بعد، وكان جيشه خاضعا لإدارة بريطانية مصرية مشتركة هي في الحقيقة إدارة بريطانية خالصة ومنحازة لإسرائيل، وما زالت ذكريات هذه المشاركة حاضرة من خلال تسمية موقع "السودانية" في شمال قطاع غزة نسبة لتلك القوات. وشارك السودان رسميا كذلك في حرب العام 1967 على الجبهة المصرية وفي حرب اوكتوبر 1973، وكان من البلاد التي استضافت قسما من قوات الثورة الفلسطينية بعد خروجها من بيروت عام 1982.

التاريخ القريب والبعيد يشهد أن إسرائيل تآمرت دائما على السودان فقد تعرضت أراضي هذا البلد لعدة اعتداءات من قبل الطيران الإسرائيلي بحجة استخدامها من قبل حركات المقاومة الفلسطينية، كما استبيحت أرضه وسيادته من خلال الصفقات المريبة مع جعفر النميري من وراء ظهر الشعب لتهريب يهود اثيوبيا. وخلال السنوات الأخيرة دعمت إسرائيل جنرالات الحرب على حساب باقي مكونات الشعب السوداني المدنية من أحزاب ونقابات ومؤسسات أهلية.

كان السودان لفترة طويلة قبل انفصال جنوبه أكبر الدول العربية مساحة، والبلد الواعد بالخيرات نظرا لما يكتنزه من موارد طبيعية جعلته محل أطماع الدول الاستعمارية. وقد اعتمدت إسرائيل منذ إنشائها سياسة "تحالف المحيط" وهي عقيدة تبناها بن غوريون وتقوم على التقارب مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي، وبناء تحالفات أمنية وعسكرية وعلاقات جيدة معها ضد الدول العربية، وضمن هذا الإطار وثقت إسرائيل علاقتها مع كل من تركيا وإيران الشاهنشاهية واثيوبيا، كما دعمت الحركات الانفصالية في عدد من الدول العربية، وظلت هذه السياسة قائمة باشكال شتى ضد وحدة السودان من خلال دعم الحركات الانفصالية ليس في الجنوب فقط بل في دارفور وشرق السودان أيضا. كما شمل التآمر على السودان ووحدة أراضيه ومصالحه الاستراتيجية دعم إسرائيل لمشروع سد النهضة الاثيوبي، وتشجيع أديس ابابا على المضي في هذا المشروع من دون اي مراعاة لمصالح مصر والسودان ومن دون التفاهم معهما.

لم تكن هذه المواقف حبا بجنوب السودان وشعبه بالطبع، ولكن رغبة في تقسيم السودان وتفتيته، وفي هذا السياق لا يمكن تحميل الجنوبيين وحدهم مسؤولية الانفصال، بل يتحمل قادة السودان ولا سيما جنرالاته الفاسدون مسؤولية سياسات التهميش والإهمال والتمييز العنصري وتجاهل الخصوصيات الثقافية التي دفعت الجنوبيين إلى تحبيذ الانفصال.

أصابع العبث الإسرائيلية لم تتوقف عند هذا الحد، فقد سعت إسرائيل للهيمنة على جنوب السودان واستخدامه منصة من اجل مواصلة التغلغل في افريقيا، وهي لعبت دورا مشبوها في إذكاء وتأجيج الخلافات الداخلية التي وصلت إلى درجة قيام شركات السلاح الإسرائيلية بدعم الطرفين المتقاتلين في جنوب السودان وهما قوات الرئيس سلفا كير وقوات نائبه ريك مشار.

إسرائيل التي تبني الآن نظاما مركّبا للاحتلال والفصل العنصري ضد الفلسطينيين، لم تكن يوما ودية أو متسامحة مع غيرهم من العرب والأفارقة، فقد كانت لها علاقات مميزة مع نظام الفصل العنصري البائد في جنوب افريقيا وروديسيا، حتى أن هذه العلاقات وصلت إلى درجة إجراء تجارب نووية مشتركة في ستينات القرن الماضي.

هذه العنصرية ليست مجرد مواقف لحظية عابرة لبعض السياسيين وأحزابهم، بل هي جزء مكوّن للأيديولوجية الصهيونية التي ترى أن اليهود متميزون بصورة جوهرية عن غيرهم من شعوب الأرض، ولذلك انعكس هذا الموقف العنصري على التعامل مع يهود أثيوبيا (الفلاشمورا) وعلى بعض الأفارقة الذين قادهم حظهم السيء إلى إسرائيل ومعظمهم جاؤوا من السودان وجنوب السودان برا عن طريق مصر، حتى أن بنيامين نتنياهو رفع في العام 2019 شعار تحرير جنوب تل أبيب وكان يقصد بذلك التخلص بالقوة من المهاجرين الأفارقة بإعادتهم قسرا إلى بلادهم، أو إلى بلد ثالث يوافق على استقبالهم مقابل مكافأة مالية ( طرح في حينه اسم رواندا وبوروندي بحيث تمنحهما إسرائيل مبلغ خمسة إلاف دولار على كل لاجئ).

ما كان لإسرائيل ان تتمادى في تآمرها وأطماعها في السودان لولا عاملين اثنين هما تفكك النظام الرسمي العربي وفشل مؤسساته وخاصة الجامعة العربية، وكذلك الأطماع الذاتية والأنانية لأمراء الحرب والجنرالات الذين ما زالوا يتحكمون في مقدرات السودان منذ عقود، فيقودون بلدهم من فشل إلى فشل، ومن كارثة إلى أخرى، ولعل أكبر دليل على أن مصالح شعبهم هي آخر ما يهمهم هو أن قطبي الحرب الراهنة، هما شريكا الأمس في الانقلاب على المكونات المدنية في مجلس السيادة، وهما الرمزان الصارخان للتطبيع المهين لتاريخ السودان وهويته وانتمائه التاريخي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط