كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إصلاح المناهج السعودية بعيون إسرائيلية: تحولات نحو التسامح وجدال حول معايير التقييم

  إصلاح المناهج السعودية بعيون إسرائيلية: تحولات نحو التسامح وجدال حول معايير التقييم

تاريخ النشر: 2026-08-13 | 16:00

الرياض: تشهد المناهج الدراسية السعودية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التغييرات التي تعكس جانبًا من التحولات الاجتماعية والثقافية الأوسع في المملكة، وسط اهتمام خارجي متزايد برصد مضمون الكتب المدرسية واتجاهاتها. وفي هذا السياق، استعرض تقرير نشرته منصة Semafor في قسم الخليج، بقلم الصحفية السعودية منال البركاتي (Manal Albarakati)، نتائج مراجعة حديثة أجراها معهد IMPACT-se الإسرائيلي لـ136 كتابًا مدرسيًا سعوديًا، إلى جانب انتقادات أكاديمية لمنهجية المعهد نفسه ورؤية شخصية للكاتبة التي عايشت جزءًا من التحولات التعليمية في المملكة.

وبحسب التقرير، خلص المعهد، الذي يتابع المناهج السعودية منذ أكثر من عشرين عامًا، إلى أن المملكة عالجت معظم المضامين التي كان يصنفها باعتبارها إشكالية فيما يتعلق بالتسامح الديني، وأن الاتجاه العام للمناهج أصبح أكثر اعتدالًا وشمولًا، وبصورة يراها المعهد منسجمة مع التحولات التي تقودها «رؤية السعودية 2030».

تغييرات في الخطاب الديني

رصدت المراجعة مجموعة من التعديلات المحددة في الكتب المدرسية، من بينها حذف حديث كان يشبّه المسيحيين واليهود بالحيوانات المشوهة، مقابل إدراج مواد تعليمية تتناول التعايش، مستندة إلى معاهدات النبي محمد مع المسيحيين واليهود، ضمن مقررات طلاب الصف الحادي عشر.

كما تضمنت التغييرات إدخال دراسة عن غاليليو لطلاب الصف التاسع باعتبارها نموذجًا للفكر المستقل، إلى جانب مطالبة طلاب الصف السادس بمناقشة فكرة أن «اللطف واجب فقط تجاه المسلمين»، في تحول يعكس محاولة توسيع النقاش داخل المناهج حول العلاقة مع المختلف دينيًا واجتماعيًا.

ولم تقتصر التحولات التي رصدها التقرير على المسائل الدينية، إذ أشار إلى وجود دروس تشجع الطلاب على التعاطف مع العمال المهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة، وهو ما دفع المعهد إلى اعتبار المناهج السعودية متجهة نحو مزيد من الاعتدال والشمول.

إصلاح تدريجي وغير متسق

مع ذلك، لا يقدم تقرير Semafor عملية الإصلاح باعتبارها مسارًا خطيًا أو مكتملًا. فبعض التغييرات، وفق المراجعة، شهد تراجعًا أو إعادة إدراج لمواد سبق حذفها.

ومن الأمثلة التي أوردها التقرير تعليمات تتعلق بالإبلاغ عن «السحرة» للسلطات، والتي حُذفت في أحد الأعوام قبل أن تعود في العام التالي. كما أشار الباحثون إلى استمرار تمرين نحوي في المرحلة الثانوية يستخدم آية قرآنية تتحدث عن مصير الكفار والمشركين، رغم إمكانية تدريس القاعدة النحوية نفسها باستخدام أمثلة أخرى.

وتشير هذه الأمثلة، وفق العرض، إلى أن عملية تعديل المناهج السعودية تتم بصورة تدريجية، وأنها لا تعني بالضرورة اختفاء جميع المضامين التي ينتقدها المعهد من الكتب الدراسية في وقت واحد.

إسرائيل لا تزال «قوة احتلال»

ويبرز البعد السياسي بوصفه إحدى النقاط التي لا تزال محل خلاف بين الرؤية السعودية وتقييم المعهد الإسرائيلي. فبحسب التقرير، أُزيلت اللغة التي يصنفها IMPACT-se باعتبارها «معادية للسامية»، إلا أن المناهج السعودية لا تزال لا تعترف بإسرائيل وتصفها بأنها «قوة احتلال».

كما لا تزال الكتب، وفق المراجعة، تدرّس للطلاب أن استخدام مصطلح «الخليج الفارسي» يعكس تحيزًا معاديًا للعرب.

وبذلك، يكشف تقييم المعهد عن تمييز بين التغييرات التي طالت الخطاب الديني والاجتماعي من جهة، والمواقف المرتبطة بالقضايا الجيوسياسية، وفي مقدمتها إسرائيل، من جهة أخرى.

جدل حول دور المناهج في إنتاج التطرف

غير أن تقرير Semafor لا يتبنى استنتاجات المعهد الإسرائيلي من دون مساءلة، بل يقدم مساحة لنقد الفرضية التي يقوم عليها جزء كبير من عمل مؤسسات مراقبة المناهج.

وفي هذا السياق، يشكك أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن ناثان ج. براون (Nathan J. Brown) في الافتراض القائل إن الكتب المدرسية وحدها تؤدي دورًا حاسمًا في إنتاج التطرف أو تشكيل المواقف السياسية.

ويستشهد براون بالتجربة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين الذين تلقوا تعليمهم في ظل مناهج خاضعة للإشراف الإسرائيلي المباشر بين عامي 1967 و1994 لم يظهروا معارضة أقل لإسرائيل مقارنة بالأجيال اللاحقة.

ويذهب براون أبعد من ذلك، إذ يصف منظمات من نوع IMPACT-se بأنها جزء من «لوبي تحريض» يستخدم قضية الكتب المدرسية وقودًا لصراعات سياسية أوسع.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة عند التعامل مع نتائج المعهد، لأنها تضع تقييماته ضمن سياق سياسي ومنهجي أوسع، وتطرح سؤالًا حول مدى إمكانية قياس التحولات الاجتماعية والسياسية من خلال مضمون الكتب المدرسية وحده.

تجربة سعودية من داخل الفصل الدراسي

يضيف تقرير Semafor بعدًا مختلفًا من خلال التجربة الشخصية للكاتبة منال البركاتي، التي تخرجت من المدرسة السعودية عام 2015 وعاصرت جانبًا من التحولات التي طرأت لاحقًا على البيئة التعليمية والاجتماعية.

وتتذكر البركاتي مرحلة كانت الرقابة فيها تشمل صور النساء وأجزاء من الجسد في الكتب، قبل أن تشهد المناهج تغييرات واسعة، من بينها إدراج موضوعات مثل نظرية التطور. لكنها تستعيد في الوقت نفسه ممارسات اجتماعية بين الطلاب، من بينها إطلاق وصف «كفار» على زملاء كانوا يرتادون مراكز التسوق ضمن مجموعات مختلطة.

وتستخدم الكاتبة هذه التجربة للتنبيه إلى صعوبة إثبات علاقة مباشرة بين تعديل المناهج والتحولات التي طرأت على السلوك الاجتماعي في المملكة، في ظل تغيرات اقتصادية وثقافية واجتماعية متسارعة تتجاوز حدود المدرسة.

ومن أكثر التغييرات التي تلفت انتباه البركاتي التركيز المتزايد في المناهج على احترام العمال المهاجرين. وترى أن هذا التحول يتقاطع مع تغير اجتماعي ولغوي أوسع، يظهر، على سبيل المثال، في انتشار استخدام كلمة «مساعدة» بدلًا من «خادمة».

المدرسة جزء من تحول أكبر

تكشف الصورة التي يقدمها التقرير أن إصلاح المناهج السعودية لا يمكن فصله عن عملية التحول الاجتماعي الأوسع التي تشهدها المملكة. فمن ناحية، توثق مراجعة IMPACT-se تغيرات واضحة في المواد المتعلقة بالتسامح الديني والتعايش والتعامل مع العمال المهاجرين وذوي الإعاقة، ومن ناحية أخرى تستمر مواقف سياسية لا تتطابق مع المعايير التي يعتمدها المعهد الإسرائيلي، وفي مقدمتها الموقف من إسرائيل.

وفي المقابل، يثير النقد الأكاديمي الموجه إلى مؤسسات مراقبة المناهج سؤالًا أكثر جوهرية: إلى أي مدى تستطيع الكتب المدرسية وحدها تفسير اتجاهات المجتمع ومواقفه السياسية؟

فالتحولات التي يشهدها المجتمع السعودي تتزامن مع انفتاح اجتماعي واسع، وتغير أنماط الاتصال ومصادر المعرفة، وتصاعد تأثير التطبيقات والمنصات الرقمية، بما يجعل المدرسة واحدة من عدة قنوات تتنافس على تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

وهذه هي النقطة التي تنتهي إليها البركاتي تقريبًا في رؤيتها الشخصية؛ إذ ترى أن التحول الأعمق في المجتمع السعودي تجاوز الفصل الدراسي، وأن الأجيال الجديدة لم تعد تعتمد على «الخريطة المدرسية» وحدها لفهم الجغرافيا السياسية للمنطقة، بعدما أصبحت المعرفة تأتي من مصادر رقمية متعددة، وإن بقي لتدريس قيم التسامح داخل المدارس أثر وقيمة إضافيان.

وعليه، فإن أهمية مراجعة المناهج السعودية لا تكمن فقط في رصد ما حُذف أو أضيف إلى الكتب، وإنما في كونها مؤشرًا على جانب من إعادة صياغة الخطاب التعليمي والاجتماعي في المملكة. لكن قراءة هذه التحولات، كما يظهر من تقرير Semafor نفسه، تظل بحاجة إلى التمييز بين الوقائع التي توثقها الكتب المدرسية، والتقييمات السياسية والمنهجية التي تقدمها المؤسسات المعنية بمراقبتها، وبين الأثر الفعلي للمناهج في مجتمع يشهد تحولات تتجاوز المدرسة إلى المجال العام بأكمله.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط