كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إضاءة على ديوان وشيءٌ من سردٍ قليل

إضاءة على ديوان وشيءٌ من سردٍ قليل

تاريخ النشر: 2022-02-24 | 15:18

هند زيتوني
هند زيتوني

الشعر هو الدم الآخر الذي يسكننا، وعندما يفورُ شريانه نعرف بأننا أمام عملية مخاض لولادة قصيدة جديدة. لا أشكّ في أن الشاعر فراس حج محمد يملك شرياناً متميزاً، يضخ له حروفاً  متفردة لا يملكها أحد. كما قال الشاعر سعدي يوسف "السير مع الجميع، بخطوة وحيدة".

وأنا أطالع ديوانه الرائع "وشيءٌ من سردٍ قليل" وجدت نفسي بحالة نيرفانا لم أعهدها من قبل. فعندما بدأتُ القراءة، حملني طائر الشعر وهبط بي على أغصان قصائده المتفردة التي تتميز بالبيان الساحر والشاعرية العذبة. وكأنني كنت أستمع لأوركسترا تعزف على الحرف الباذخ البديع، الجريء والشفاف.

 فلا بد من أن أعترف في البداية بأن هذا الشاعر الفلسطيني- هو ناي في فم القصيدة–  وما زال يمشي كل يوم إلى كرمة الشعر ليعتّقَ خمراً، وبما أن الشعر لا يمكن شرحه، لأنّه ابن الحدس والتأويل- كما قال أحد الأدباء- ولكن عندما سيقرأ هذا الديوان علماء اللغة والبلاغة سيجدون أنّ هناك الكثير من الشعر المميز الذي لا يُخفي نفسه. والصنعة الشعرية البديعة التي صيغت بلغة غنية بالمفردات، بالإضافة إلى السرد النثري، والخيال الآسر.

وكذلك سنجد أنَّ هذا الشاعر البديع، لديه قدرة هائلة على ترويض الأفعال والأسماء، وكأنه يخلق أبجدية جديدة ونمط جديد لكل ديوان يكتبه. فهذا الديوان يختلف عن الدواوين التي قرأتها له، فبعد أن تقرأه تشعر أنه قصيدة غزل وحب طويلة كتبت بحرفية عالية المستوى. لا شكّ في أنه شاعر نمت على أصابعه أغصان الحروف وأزهار المعاني، وتلك موهبة ومنحة إلهية أغبطه عليها.

الشاعر فراس حج محمد شاعر الحب والمرأة بلا منازع لهذا الوقت ولكل وقت، شاعر يكتبه الشعر بلا تكلف، بلا صور معقدة أو غريبة، تسيل منه لوحات الشعر كشلال يتراقص على  قيثارة النجوم. للمرأة مكانة كبيرة في دواوينه، يعرف كيف يصفها، وكيف ينتقي الكلمات المناسبة لها. يقول:

إلى امرأة تحب قصائدي وتولّهي

وتمليني عليّ قصيدة من وحي عبقر

يا حلوتي هذا الصباح إليك سُكّر (ص 172)

ويقول: في قصيدة شهية فعل الأمر:

تعالي واشعلي جسدي

وذوبي في الغواية

واحملي عني يدي لتستريح بموج شعرك

واقطفي عسلي كيما تعود شهيتي، جذلى

ترتّل في السماء نقيّ سردك …! (ص 7)

أي موسيقا تنهمر من تلك الكلمات؟ وأي جمال آسر تحمله مفرداته؟

عندما نتابع القراءة، نجد أن الشاعر جمع بين الشعر الأيروسي والصوفي. وقد يتعجب منه القارئ كيف يفعل ذلك، ولكن لا أرى أيّ إشكال في ذلك؛ فمزج الألوان جميل في اللوحة الفنية. مثلاً من الممكن أن تمزج بين الأحمر والأسود أو الأبيض والرمادي، هذا يضفي جمالاً على المضمون الشعري في سياق الكتابة ويمنحه نوعاً من التنوع.

الصورة الشعرية مذهلة، وجامحة وثمّة حدس، قلق وشغف يدفع الشاعر للكتابة، وقد يكون هناك للشاعر أنوات تتدفق بالشعر وتفيض بالعاطفة، أشعر أنها تنقلنا إلى ارتفاع معين في السماء، لتبعدنا عن وجع الأرض. كما أنها صورة، ناطقة، تكاد تقفز من الورقة. إنه شاعر يفرد بساط جموحه وعشقه بأناقة وجمال وجرأة وينثر عليه حروفاً مضمّخة بالحب والشهوة والغريزة العفوية. يقول في مقطع آخر:

تعالي كي تأكلي الثمرة

وآكل حبة التوت الشهي على وجع المياه

تعالي واغرسي الشهوة فيَّ

كي أقوم إلى معابد نشوتي

ثم يقول: تعالي مثل عصفور شهي النقر في شفتي

لأكتبَ من جديد ما أراه (ص 11)

هنا تتجسد الصورة الشعرية الأيروسية بمنتهى الجمال والأسلوب البديع. ثم نجده يقول: جائعٌ لسيل الضوء من قمرٍ يضاجع غيمةً

تلهو على أطراف كون

جائع للسرد (ص 37)

ثم ينتقل إلى أبيات لها صبغة صوفية حين يقول: "الحب إعجاز إلهي كما القرآن". (ص 104)

وغردي على غصني القريب من الله

كناراً ذاب في قلب الكنار

أعطني بنتاً تُحبُ الله والدنيا

تحب الناس والحيوان والأحلام، والدفلى (ص 14)

ثم يقول في هذه الصورة الشعرية البديعة:  

وأخيراً تسقط الشمس بعيدة عني ويطفئ الله العالم عند المغيب

تؤدّبني، سنوات عمري الستة والأربعون واكتفي بالأغاني. (ص54)

وأيضا:

قبليني

كي أحفظ مفردات الله

قبل ظهور الجنة والدركات السفلى من نزل الجحيم.

قبليني بشرعة عيسى وأحمد

لينهض كل شيءٍ من عدم (ص 93-94)

ثم إن للثورة والسلام والوطن حصة في شعر الشاعر، حيث يقول:

قبليني كي أشعر أنني قد صرت حياً

حراً

رجلاً ثورياً، فالآتي ليس كضربة نرد (ص 91)

اللافت في هذا الديوان المذهل التناص القرآني الجميل الذي بدأ به العنوان فكان موفقاً في ذلك:

- (وشيءٌ من سردٍ قليل)

- كل ما في الأمر أن فراشةٌ تشهد (أن لا إله إلا الحب)

- لو كنتُ  فظاً أو غليظ القلب لانفضت طيور الشعر من حولي

- يحملني الحُبّ على تفسير قرص الشمس

- وجه له عينان باسمتان ويقول لي بغنجٍ (هيتَ لك)

ويكتب عن الحب فيقول:

يا حب لا تكُ قاسياً فتكسرني

وغلغلني بكلك كي أعيش في صوري على المرآة

أراك حياً مثل وحي الله. (ص 23)

كما قلت سابقاً للشاعر فراس حج محمد، مدرسة شعرية خاصة، حيث يبتعد عن الكتابة المتكررة والمقلّدة. هي كتابة بكر- لم يجترحها أنس ولا جان- يجب أن ننتبه لهذا الأمر ونغرف من بحر إبداعه. فهو قامة فلسطينية مميزة. لا أريد منكم أن تسموا شارعاً باسمه، ولا أن تطبعوا صوره على عملة ورقية، ولكن أتمنى أن يدرج شيئا من شعره في برامج التدريس، ليتعلم الجيل الجديد من إبداعه، لأننا سنجد في حدائق هذا الشاعر ما ننهل منه الكثير من مدرسة شعرية راسخة، قد تكون عوناً للأجيال القادمة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط