كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إضراب الأسرى خيار الصعب ومركب المضطر الحرية والكرامة "3"

إضراب الأسرى خيار الصعب ومركب المضطر  الحرية والكرامة "3"

تاريخ النشر: 2017-04-21 | 10:10

الإضراب عن الطعام لم يكن يوماً هو الخيار الوحيد أمام الأسرى والمعتقلين، كما لم يكن هو الخيار الأول أو المفضل عندهم، وليس هو الأسلم والأقل كلفةً، ولا الأسهل والأيسر، بل هو الأصعب والأقسى، والأشد إيلاماً والأكثر ووجعاً، وهو محل قلق الأهل وخوفهم، ومبعث حزنهم وألمهم، ولا يلجأ إليه الأسرى إلا مضطرين وفي أضيق الظروف، وعندما تنعدم السبل وتتضاءل فرص التوصل إلى تسوية أو اتفاقٍ مع إدارة السجون والمعتقلات، وعندما يجدون أن أصواتهم لا تسمع، وصراخهم لا قيمة له، ولا يوجد من يصغي إلى مطالبهم أو يستجيب لها، وأنهم يخسرون مكاسبهم القديمة، ويفقدون إنجازاتهم السابقة، وأن ما حققوه في سنوات نضالهم الطويلة قد بات في مهب الرياح، وأن إدارة السجون تسحبها وتصادرها واحدةً تلو أخرى.

الإضراب عن الطعام وسيلةٌ موجعةٌ، وخيار المضطر، وسبيل الموجوع المتألم، إذ أنه يتعارض مع الفطرة ويخالف الطبيعة ويتصارع مع الغريزة، ويبقي الأسير في حالة معاناةٍ وألمٍ دائمةٍ، وفي صراعٍ محتدم بين الرغبة والحاجة، كما أن الإضراب يحط من قوة الأسير ويوهن من عزمه، ويضعف جسمه ويقلل من قدرته على الصمود أمام الأمراض والأعراض الصحية التي تنتابهم.

الأسرى والمعتقلون لا يهوون تعذيب أنفسهم، ولا يحبون أن يجوعوا أو أن يحرموا أنفسهم من متع الحياة رغم ضيقها ونذرتها في السجون والمعتقلات، كما لا يحبون أن يسقط منهم في السجون شهداء، بل إنهم يحبون كغيرهم من الخلق طيب الطعام، وشهي المأكولات ولذيذ الحلويات، ولكنهم يجدون أنفسهم من أجل كرامتهم وحريتهم، مضطرين للتنازل عن كل هذه المتع، والتخلي عن غريزة حب الطعام والشراب، علهم يتمكنون من تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم، رغم علمهم أن صحتهم ستتضرر، وأن أجسادهم ستضعف وتذوي وتهزل، وأن بعضهم قد يصاب بأمراضٍ مستعصية ومزمنة، وبعضهم قد يفقد حياته ويستشهد.

يلجأ الأسرى لخوض الإضراب عن الطعام دفاعاً عن حقوقهم، وصوناً لكرامتهم، وحفاظاً على بعض امتيازاتهم ومكتسباتهم، وحرصاً على حياة الأسرى من بعدهم، وتخفيفاً عنهم، ومنعاً لسلطات السجون من التغول عليهم، وإيقاع الأذى بهم، وفرض المزيد من العقوبات عليهم، والإمعان في سياسة العزل ضدهم، ولو أن الأسرى والمعتقلين وجدوا طريقاً أو وسيلة أخرى أقل إيلاماً من الإضراب لتحقيق أهدافهم للجأوا إليها، وجنبوا أنفسهم عناء الجوع والألم وتردي الصحة والوفاة أحياناً، ولكن إدارة السجن تلجئهم إلى هذا الخيار الصعب وتدفعهم إليه دفعاً.

أما الأسرى المرضى، أو الذين لا يمتلكون القدرة الصحية على الامتناع عن الطعام والشراب لأيامٍ طويلة، أو المعتقلون الجدد الذين انتهوا قبل أيامٍ قليلة من حفلات التعذيب في زنازين العدو، أو الجرحى والمصابون، فإنهم يكونون أكثر الأسرى حرصاً على المشاركة في الإضراب عن الطعام، ويرفضون أي محاولة من أي طرفٍ أياً كان لمنعهم من المشاركة في الإضراب، واستثنائهم من المواجهة، ولعل إرادة الأسرى المرضى أقوى بكثير من إرادة الأصحاء، وهو الأمر الذي كان يغيظ إدارة السجون، التي تعمل على عزلهم ونقلهم إلى أقسامٍ وسجونٍ أخرى، علها تتمكن من كسر إرادة الأسرى المضربين وإحداث خرقٍ بينهم وإضعاف صفهم.

يقترب الأسرى المضربون عن الطعام جميعهم من الموت، ويفقدون القدرة على الحركة والانتقال، بل إنهم يفقدون شهية الحديث والكلام، ويلوذون بالصمت ويلجأون إلى الله بالدعاء والصلاة، ولكنهم ومع تدهور صحتهم، وفقدانهم لأوزانهم، وإصابة الكثير منهم بالإغماء والإعياء والدوار، نتيجة ضعف الدم ونقص السوائل، فإنهم يصرون على مواصلة الإضراب، ويرفضون كسره مهما بلغت المعاناة، ومهما كان الموت منهم قريباً، فهم يرون أن الشهادة أعز لديهم وأفضل من العيش في ظروف السجن القاهرة المذلة.

ويرى بعض الأسرى أن الواجب يملي عليهم، وهم الأسرى القدامى أصحاب التجربة والخبرة، أن يضحوا من أجل الأسرى الجدد القادمين من بعدهم، فمن حق إخوانهم من الذين سيأتي الدور عليهم في الاعتقال أن يجدوا بعض حقوقهم في السجن متوفرة، وبعض امتيازاتهم محفوظة، وإلا فإنهم سيعيشون طيلة سجنهم في جحيمٍ لا يطاق، وعذابٍ لا يحتمل، ولهذا فإن الأسرى المضربين يكونون على استعدادٍ للتضحية بحياتهم من أجل ضمانٍ عيشٍ كريمٍ لمن سيأتي من بعدهم، وفي سبيل هذه الأهداف النبيلة التي قد لا ينعمون بها قبل غيرهم من المعتقلين الجدد، فإن بعضهم يسقط شهيداً نتيجة عدم الاحتمال أو أثناء الإطعام القسري أو بسبب الجفاف.

ولهذا فإن الإضراب عن الطعام يعتبر شكلاً نضالياً متقدماً، يكتنف المنخرطين فيه أخطارٌ كبيرة، قد تؤدي إلى وفاتهم، أو تدهور صحتهم العامة، وفقدانهم لجزءٍ كبير من أوزانهم، إذ يخوضون إضرابهم تحت شعار "نعم لآلام الجوع ولا لآلام الركوع"، متسلحين بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين، وفيه يتحدون الجلاد بجوعهم وعطشهم لأيام طويلة، قد تمد لشهرٍ أو أكثر في بعض الإضرابات، وفيه ينتزع الأسرى الكثير من حقوقهم، ويحققون الكثير من الإنجازات والمكتسبات التي تحسن من ظروف اعتقالهم، رغم أن هذه المكتسبات والإنجازات قد تكلفهم استشهاد بعضهم، وقد تلحق بهم أضراراً جسدية، وقد يتعرضون لعقوبات التفريق والتشتيت والتمزيق والبعثرة والعزل والإقصاء لتشتيت شملهم وتمزيق وحدة كلمتهم.

الإضراب عن الطعام ليس أمراً سهلاً، ولا يقوى على الإقدام عليه كل المعتقلين بسهولةٍ، بل يلزم سالكه العزم والإرادة والقوة واليقين، والإيمان بالهدف والاستعداد للتضحية في سبيله، وهو ليس قراراً فورياً آنياً عاطفياً، بل إنه قرارٌ يخضع للعقل الرشيد والتفكير الهادئ الرزين، ويلزمه الكثير من المسؤولية الأخلاقية الفردية والوطنية، وهو يتطلب قراراً جماعياً، ودراسة متأنية، وإرادة صلبة، ومعرفة تامة بالظروف السياسية ومدى ملائمتها لخوض مواجهة مع إدارة السجون الإسرائيلية، كما يتطلب تنسيقاً محكماً ودقيقاً مع بقية السجون والمعتقلات، واتصالاتٍ مضبوطة مع المحامين ووسائل الإعلام وذوي الأسرى والمعتقلين والجهات المتضامنة معهم والعاملة من أجلهم، الأمر الذي يعني أنه الخيار الأصعب، والطريق الأكثر وعورة، ولهذا يتجنب الأسرى خوضه مباشرة، إلا بعد أن يتأكدوا تماماً من فشل كل السبل الأخرى.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط