كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إعادة إعمار غزة كأداة في يد إسرائيل للسيطرة عليها

تعيش اللجنة الوطنية لإدارة غزة حالة سياسية معقدة تكاد تكون مستحيلة. فمنذ الإعلان عن تشكيلها في منتصف كانون الثاني/يناير 2026، ارتفعت توقعات الفلسطينيين في قطاع غزة بأن تباشر مهامها فعلياً، وأن تعود إلى القطاع باعتبارها الجهة المكلفة بإدارة الحياة المدنية والأمنية وفق الترتيبات التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.

لكن الأشهر الماضية كشفت أن اللجنة، رغم ما أُحيط بها من شرعية سياسية ودعم دولي ومحلي، ما تزال عاجزة عن العودة إلى غزة أو ممارسة أي دور فعلي، ليس فقط بسبب التعقيدات الفلسطينية الداخلية، وإنما أساساً نتيجة القيود الإسرائيلية، وعدم التزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، واستمرار تعاملها مع القطاع باعتباره منطقة خاضعة للسيطرة الأمنية المباشرة.

هذا العجز وضع اللجنة في موقع شديد الحساسية؛ فهي تتعرض لانتقادات شعبية وسياسية متزايدة بسبب غيابها وصمتها وعدم قدرتها على اتخاذ مواقف واضحة تجاه ما يُخطط له في القطاع. كما تبدو أسيرة لخطط “مجلس السلام” ومديره التنفيذي نيكولاي ملادينوف، الذي يفاوض حماس ونتنياهو في آن واحد، ويتبنى مواقف سياسية تتضمن اتهامات لحماس بالتعطيل، فيما يعجز عن مقاربة الوقائع بموضوعية أو تسمية المسؤول الحقيقي عن تعطيل الاتفاق.

وفي الوقت ذاته، تبدو اللجنة مقيدة بالكامل بإرادة إسرائيل وقرارات “مجلس السلام” المشرف على تنفيذ الخطة الدولية الخاصة بغزة. ولم يصدر عنها حتى الآن موقف واضح تجاه تعطيل الاتفاق أو تجاه نوايا إسرائيل المتعلقة بالإبقاء على سيطرتها الأمنية والعسكرية على نحو 60% من مساحة القطاع.

ويأتي ذلك في ظل استمرار حرب الإبادة الممتدة منذ أكثر من عامين ونصف، والتي أسفرت عن استشهاد نحو 900 فلسطيني خلال الفترة الأخيرة، بينهم 42 من أفراد الشرطة الذين تستهدفهم قوات الاحتلال ضمن استراتيجية تهدف إلى خلق الفوضى وتهديد السلم الأهلي والمجتمعي، إلى جانب الاغتيالات الممنهجة ضد قادة فصائل المقاومة.

كما تفرض إسرائيل قيوداً شديدة على معبر رفح وحركة السفر، وتتحكم في عدد شاحنات المساعدات الإنسانية، فيما يعيش سكان القطاع أوضاعاً كارثية وغير إنسانية. فالمشهد الصباحي اليومي في غزة بات يفطر القلب: أطفال ونساء بثياب الصلاة، ما تزال آثار النوم على وجوههم، يحملون “جراكل” المياه ويتسابقون إلى طوابير شاحنات مياه الشرب. في غزة يبدأ الصباح بالبحث عن الماء، لا عن الحياة.

وفي موازاة ذلك، يواصل الاحتلال سياسة القصف وأوامر الإخلاء. فخلال الأسبوع الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بإخلاء منازل وعيادة طبية في مخيم المغازي، قبل قصف المنطقة، ضمن سلسلة إنذارات شملت أيضاً مخيمات البريج  والنصيرات ودير البلح ومواصي خان يونس. كما تتواصل الغارات على الأحياء السكنية في مجمل مناطق قطاع غزة في إطار التصعيد المستمر ضد المرافق المدنية والبنية الاجتماعية في القطاع.

وتثير هذه الهجمات حالة من الرعب بين الفلسطينيين، لأنها تأتي في سياق الخطاب الإسرائيلي المتصاعد حول العودة إلى الحرب واستخدام التصعيد العسكري للضغط على حماس من أجل تقديم تنازلات تتعلق بملف نزع السلاح.

وبحسب الاتفاق، تتولى اللجنة الوطنية الفلسطينية إدارة العمليات اليومية المدنية والأمنية في غزة تحت إشراف “مجلس السلام” الذي تشكل بموجب خطة النقاط العشرين المعتمدة دولياً. غير أن الواقع يكشف أن اللجنة ليست صاحبة القرار الفعلي، بل جهة تنفيذية تعمل ضمن سقف سياسي وأمني تحدده إسرائيل والدول الراعية للخطة.

الأخطر أن ملف إعادة الإعمار لم يعد يُطرح بوصفه استجابة إنسانية لكارثة غير مسبوقة، بل باعتباره أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية في غزة. ففي ظل تقديرات تتحدث عن أكثر من 70 مليار دولار لإعادة الإعمار، يجري التعامل مع هذه الأموال باعتبارها مدخلاً لبناء نظام حكم جديد، وإضعاف حركة حماس، وإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني في القطاع.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة؛ إذ لم تعد إعادة الإعمار مرتبطة فقط بإزالة الركام وبناء المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، بل أصبحت جزءاً من مشروع سياسي وأمني متكامل يهدف إلى إنتاج “غزة جديدة” تتكيف مع متطلبات الأمن الإسرائيلي ورؤية الاستقرار الإقليمي التي تتبناها الولايات المتحدة وبعض الدول العربية.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في الأوراق البحثية الإسرائيلية والغربية التي تتعامل مع الإعمار باعتباره وسيلة لتغيير البنية السياسية للمجتمع الفلسطيني. ففي ورقة صادرة عن معهد ميتفيم، ترى الباحثة نوعا شوسترمان دفير أن إعادة إعمار غزة يجب أن تُستخدم كأداة لإضعاف مراكز قوة حماس، عبر خلق تبعية اقتصادية ودبلوماسية للسكان تجاه الغرب ودول الخليج، وتحويل القطاع من “جيب مقاومة” إلى كيان سياسي مندمج في منظومة الاستقرار الإقليمي.

وتقترح الورقة مجموعة من الآليات التي تكشف البعد السياسي والأمني لعملية الإعمار، من بينها إنشاء نموذج “جزر إعادة إعمار” تقوم على مناطق تخضع لـ“حكم كامل” وإعادة إعمار مكثفة، مثل رفح، لتكون نموذجاً قابلاً للتعميم في بقية أنحاء القطاع، بما يخلق ضغطاً شعبياً على المناطق الأخرى. كما تتحدث عن رقمنة المجتمع الفلسطيني عبر أنظمة هوية بيومترية وربط المساعدات بالرقابة التقنية المباشرة، وربط إعادة الإعمار بمسار نزع السلاح ودمج المقاتلين السابقين ضمن ترتيبات مدنية وأمنية جديدة، إضافة إلى إنشاء بنك دولي لإعادة إعمار غزة يخضع لإشراف خارجي كامل ورقابة صارمة على الأموال ومواد البناء.

هذه التصورات لا تنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم شعباً تعرض للإبادة والتدمير، بل باعتبارهم “مشكلة أمنية” يجب إعادة هندستها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ولذلك تبدو إعادة الإعمار، وفق هذه الرؤية، امتداداً للحرب بوسائل مختلفة، وليست مرحلة ما بعد الحرب.

كما أن نجاح اللجنة الوطنية في تنفيذ هذه الرؤية قد يخلق أزمة عميقة داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فالسلطة الفلسطينية تجد نفسها أمام “فخ استراتيجي”: نجاح اللجنة قد يكرّس تهميش السلطة في رام الله، بينما فشلها قد يغلق الباب نهائياً أمام عودتها إلى غزة. وفي المقابل، تسعى حماس إلى الحفاظ على نموذج يشبه تجربة حزب الله، أي الاحتفاظ بقوتها العسكرية تحت غطاء إدارة مدنية جديدة.

أما إسرائيل، فتبدو معنية بإبقاء غزة في حالة “إعمار مشروط”، بحيث تتحول المساعدات والمعابر والكهرباء والمواد الخام إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني دائم. وهذا يعني أن إعادة الإعمار لن تكون عملية سيادية فلسطينية مستقلة، بل نظام تحكم طويل الأمد يدار  عبر التمويل والرقابة الأمنية والاشتراطات السياسية.

في ضوء ذلك، لم تعد المعركة في غزة تدور فقط حول وقف الحرب، بل حول شكل اليوم التالي: من يحكم غزة؟ وكيف ستُبنى؟ ولصالح أي مشروع سياسي؟ ولذلك، فإن أخطر ما في المرحلة الحالية أن إعادة الإعمار تُطرح باعتبارها مشروع سلام سياسي، بينما تُستخدم فعلياً كأداة لإعادة تشكيل الفلسطينيين أنفسهم تحت سقف الهيمنة الإسرائيلية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط