كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أعيادٌ مرةٌ حزينةٌ وأفراحٌ باهتةٌ أليمةٌ

أعيادٌ مرةٌ حزينةٌ وأفراحٌ باهتةٌ أليمةٌ

تاريخ النشر: 2016-09-12 | 06:12

لم نعد ننتظر يوم العيد، وبتنا لا نترقب صباحه، ولا نتهيأ لاستقباله، ولا نبش فرحاً بقدومه، ولا نتزين من أجله، ولا نشتري الجديد سعادةً بحلوله، ولا الحلوى ضيافةً لزواره، ولا نستعد بالألوان الزاهية والألعاب لعاداته، ولا ننصب في الساحات للأطفال أرجوحاته، ولا ينشغل الباعة وتغص المحلات بألعابه وحلوياته، وأصبحنا نتحسب كيف سنقضي أيامه، وماذا سنعمل خلاله، وكيف سيمضي الوقت أثناءه، وكيف سنبش في وجوه عواده، ونظهر البشاشة لزواره.

فقد ضاقت والله نفوسنا، وتحشرجت أراوحنا، وانفطرت من الألم والأسى قلوبنا، وصبغ الدم أيامنا، ولف الحزن ديارنا، واستوطن الألم في حياتنا، وحارت من الأسى عيوننا، وذبلت من الجوى جفوننا، وطال بسبب الحداد شعر رؤوسنا، وكثت إهمالاً وتقصيراً لحانا، وباتت وجوهنا شعثاء غبراء حزينة، ألمها باديٌ وجرحها غائرٌ، وقد نحتت على الخدود أخاديداً دموعُنا، وأخذت الكلمات تتعثر على شفاهنا، وتعيا بها ألسنتنا، فلا نحسن الرد ولا نبادر بالطرح، فقد كسا الخجل وجوهنا، ومنعنا الحياء من إبداء الفرحة أمام النفوس المكلومة، والتعبير عن السعادة أمام الأسر المهمومة، وإظهار البهجة أمام الأمهات الثكلى والأخوات الحزنى الموجوعة، ومنعنا أطفالنا من لبس الجديد أمام أترابهم الذين يتموا، وأصدقائهم الذين حرموا، فلا ما يباهون به ويفخرون، ولا ما يتيهون به ويستعرضون.

منذ سنواتٍ طويلة نسي العرب والمسلمون فرحة الأعياد وبهجة المناسبات، وعافت نفوسهم الفرح، وكرهت مجتمعاتهم الاحتفاء بالعيد والاحتفال بأيامه، وقد كانوا يعزون حزنهم وينسبون ألمهم إلى ضياع فلسطين وسقوط القدس ونكسة العرب وهزيمتهم، وكسر شوكتهم وذهاب هيبتهم، وسقوط حصونهم وانهيار أسوارهم، وانتصار العدو عليهم، وهيمنته على بلادهم وسيطرته على خيراتهم ومقدساتهم، فما عرف الفرح طريقاً إلى قلوبهم، ولا دخل يوماً إلى بيوتهم، إذ كيف يفرحون وأقصاهم أسيرٌ وأرضهم محتلة، وأبناؤهم أسرى ومعتقلون، وحريتهم مسلوبة، وكرامتهم ضائعة، وحقوقهم مستباحة، وسيادتهم منقوصة، وإرادتهم مكبلة، ومستقبلهم مهدد، وغدهم غير مُؤَمّن، والمؤامرات عليهم لا تتوقف، والتحالفات ضدهم لا تتفكك.

ومع ذلك فقد كانت نكبة فلسطين رغم فداحتها تجمعنا، ومصيبتنا فيها توحدنا، وتجعل منا جميعاً في الشرق والغرب، مسلمين ومسيحيين، قوميين وإسلاميين، عرباً وعجماً، أمةً واحدةً، حيةً صادقةً، حرةً أبيةً، غيورةً قويةً رغم ضعفنا، وتعرف هدفها رغم تيهنا، وتيمم وجهها شطر القدس رغم أغلاله والقيود، وأسواره العالية والجنود، وكان عجزنا عن استعادة فلسطين وتحقيق النصر على محتليها الغاصبين، يخلق فينا العزم والإصرار، والإيمان والمصابرة، وكانت الأعياد والمناسبات فرصةً للحث والتحريض، ومناسبة للتعبئة والتوجيه، وكانت المقاومة عنوان الفرح، والثبات والصمود قاعدة السعادة وعنوان البهجة.

لكن حزننا اليوم أكبر وأشد، وألمنا أدهى وأمر، وجرحنا أبلغ وأعمق، ومصيبتنا أفدح وأصعب، وإن كانت كل مصيبةٍ دون فلسطين تهون، وأمامها تتواضع، إلا أن ما نحن فيه اليوم من ابتلاء ومحنةٍ أليمةٍ تجاوزت كل عقل، وأذهبت كل رشد، وأفقدت كل حلم، فقد سكن بيننا الموت، وتناوشنا المنون بحرابه وسلاحه، ونال من كل حيٍ وجامدٍ، وقضى على كل روحٍ وحياة، وعشش بيننا الخراب فأفسد عيشنا، وأتلف كل صالحٍ بيننا، وأبلى كل جميلٍ كان لنا، ولم يعد الجرح في الكف فقط، بل امتد حتى عم الجسد، وتعمق حتى وصل إلى العظم، واستعصى الجرح حتى بات عاهةً، وتفاقم حتى صار بوابةً للموت واسعة.

كثيرةٌ في أيام العيد هي صفحات الحزن العربية، فهل نبكي سوريا القسام وشعبها المقدام، الذين أصبحوا في شتات الأرض ومنافي الكون شلواً ممزعاً وثوباً مقطعاً، وقد استوطن فيها الخراب، وحل فيها البؤس والحرمان، فلم تعد دولةً مهابةً ولا وطناً حاضناً وراعياً، وهي التي كانت للحضارة عنوان، وللتاريخ باب، ولأهلها سكناً، ولشعبها داراً، وللوافدين إليها مزاراً، ولكن يد البلى والخراب أصابتها بنحسٍ، وضربتها بخبثٍ، فتجاوز قتلاهم مئات الآلاف، وطوى الموت أسراً بأكملها وجماعاتٍ بأسرها، وما زال الموت يستدعي الموت.

أم نبكي العراق المكلوم بأهله والمنكوب بشعبه، الذين لا يكادون يتجاوزون محنة حتى تداهمهم مصيبةٌ أخرى، وتحل بهم نكبةٌ جديدةٌ، أشد هولاً من سابقتها، وأكثر فزعاً من غيرها، وتبقى أرضهم بدمائهم رطبة، لا تجف حتى تتفجر فيها دماءٌ جديدة، تخضب الأرض، وتثير الهلع، وتفزع الشعب، وتتنقل بين أرجاء العراق كأنها تريد له بالموت مساواةً، وبالقتل عدلاً، وتتوزع بين طوائفه ومذاهبه وأعراقه وإثنياته المتعددة، التي كانت يوماً تشكل له لوحة موزاييك عربيةٍ أصيلة، يتغنى بها العراق ويفخر، ولكن اللوحة تكسرت، وأصدافها تبعثرت، وألوانها بهتت، وأصبح الملونون فيها والمكونون لها أعداءً يتقاتلون، وأخصاماً يتواجهون.

أم نبكي اليمن الذي ما عاد سعيداً،  وما عاد بين أبنائه أليفاً، ولا عليهم رحيماً، ونترحم على الحكمة اليمانية التي غارت وانعدمت، وما عاد يلجأ إليها المتخاصمون ولا يبحث عنها المتعلمون، إذ أصبح أبناؤه أعداءً يتقاتلون، وأغراباً لا يلتقون، يستنجدون بكل غريبٍ فيقتلهم، ويتحالفون مع الغريب فيفرقهم، ويتفقون مع الأجنبي فيخذلهم، حتى فقد اليمن أمنه ووحدته، وانقسم شعبه وتجزأ أهله، وأوقد على نار الفتنة القاتلة قادته وزعماؤه، وأصموا عن الحكمة آذانهم، وأغمضوا عن الحق عيونهم.

أم نبكي ليبيا التي تسبح فوق بحيرةٍ من النفط، وتتربع على مساحةٍ من الوطن العربي كبيرة، وقد أصاب أبناءها النحس، وحملوا السلاح على بعضهم، وتلقوا التعليمات من عدوهم، الذي يتربص بهم وعينه على خيرات بلادهم، التي استحالت بسلوك أبنائه وتصرفات قيادته إلى غابةٍ تسكنها الضواري، وتعيش فيها الوحوش المفترسة، وتشتري الموت لنفسها، وتدفع لعدوها ثمن قتلها، ثم ترتضيه حكماً لها ووسيطاً بينها، ومراقباً على تصرفاتها، وأميناً على تعهداتها.

وغيرهم وهم كل الباقين من العرب، الذين يسكنهم الجوع والفزع، والحاجة والخوف، ويتهددهم مصير التمزق والاختلاف، والاحتراب والاقتتال، ويتطلعون إلى الانعتاق من قيادةٍ تريد أن ترهنهم، وحكوماتٍ تخطط لسلب خيراتهم، ونهب مقدراتهم، وتتوعد من يعترض منهم بالقتل في الشوارع، أو التصفية في السجون والمعتقلات، أو النفي في أقاصي الأرض، أو التضييق عليه في الحياة ليشقى ويعرى أو يتوب ويندم.

إنها أعيادٌ ممزوجةً بالدم ومسكونة بالألم، ظاهرها الفرحة وباطنها من قبله العذاب، فهل يفرح هؤلاء التعساء المساكين، الأموات السابقون واللاحقون، أو الذين نهش الموت أطرافهم، ونال البؤس من كل أيامهم، أو الذين يغيبون في السجون والمعتقلات النائية القاسية، أو يعاقبون في الزنازين الضيقة والمنفردة، أم يفرح المغيبون الهاربون من الظلم، والشاردون من القهر، الذين تنتظرهم أحكامٌ بالسجن أو الإعدام.

صحيحٌ أن الفرحة صعبة، والضحكة مستحيلة، والتهنئة مرة، والسعادة مزيفة، ولون الدم أقوى من كل الألوان، وأصوات الرصاص والانفجارات والغارات أعلى من كل عقلٍ، وتطغى على كل حكمةٍ، ومع ذلك فإننا سنحتفل بأعيادنا وسنحتفي بمناسباتنا، وسنهنئ أنفسنا بفرحٍ، ونعد بعضنا بأملٍ بمستقبلٍ أجملٍ وغدٍ أفضل، فالمستقبل بإذن الله لنا والغد لأجيالنا.

 

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط