كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اغتصاب الرواتب ومصادرة الحقوق كاحتلال الأرض وقتل النفس

اغتصاب الرواتب ومصادرة الحقوق كاحتلال الأرض وقتل النفس

تاريخ النشر: 2017-04-06 | 08:47

أثار قرار السلطة الفلسطينية في رام الله المثير للجدل، القاضي بحرمان مئات الموظفين في قطاع غزة من رواتبهم، أو تقليصها وفرض حسوماتٍ كبيرة عليها، شجوني وحرك أحزاني، وبعث في قلبي أضغاني القديمة وآلامي الحبيسة، ومعاناتي الكبيرة، وشكاتي الحزينة، ومرارتي الأليمة، فدفعني للكتابة عنه بحرقةٍ وألمٍ، وحزنٍ وشجنٍ، وغضبٍ عارمٍ وثورةٍ صادقةٍ، وإحساسٍ كبيرٍ بالظلم والهضم، فهذا قرارٌ يزلزل الأرض ويميد بها تحت أقدام السلطات، ويخرج المواطنين في ثوراتٍ ومظاهراتٍ، ومسيراتٍ واحتجاجاتٍ، وهو قرارٌ في غير بلادنا يهدد أنظمةً ويسقط حكوماتٍ، ويخضع مسؤولين للتحقيق ويفرض أحكاماً على متجاوزي القانون ومستغلي السلطة والمراكز، لكنه يبدو في بلادنا قراراً عادياً، لا يحرك ساكناً، ولا يثير غضباً، ولا يدفع غيوراً لأن يتمعر وجهه، وتنتفخ أوداجه ويعلو صوته، وتحتد كلماته انتصاراً للحق ودفاعاً عن حقٍ.

ذكرني هذا القرار الجائر، وهذه السياسات الاستنسابية الظالمة، الشخصية الفردية المزاجية الكيدية، المتهورة المجنونة غير العاقلة، البعيدة عن المؤسسة والتنظيم، والخالية من الحكمة والصالح العام، والمجافية للحق والمناوئة للعدل، التي لا تخشى الله ولا تتقه، ولا تصون الأمانة ولا تؤدي الحقوق، والمنبعثة من ضمائر ميتة وأحاسيس متبلدة، ومنافع متوقعة ومصالح مرجوة، بما أصابني ولحق بي، إذ حرمت راتبي لسنواتٍ وما زلتُ، وتمت مصادرة حقي فيه المنصوص عليه قانوناً والمعترف به عرفاً، رغم محاولاتي المستمرة لاستعادته، فهذا الراتب ليس حقاً لي فقط، إنما هو حق زوجتي وبناتي، وأسرتي وعائلتي، ومع ذلك فقد حرمتُه وحرموا، واغتصب حقي وحقوقهم، ولم تنفع المطالبة الناعمة، ولم تجدِ الشكوى الهادئة، ولم ينتصر القضاء العادل، وأوصدت الأبواب وأغلقت الكُوى، طاعةً للرئيس المفدى وخوفاً من عصاه الغليظة، ورغبةً في صناديقه العامرة، وعطاءاته الغامرة، وامتيازاته المغرية، وما زال الظلم قائماً، والحق مغتصباً، والحاكم بأمره في ظلمه يمور، وفي غيه يجور.

المغتصبون للحقوق في كل مكان، المعتدون على أرزاق العباد ولقمة عيش الفقراء والمساكين، المزاحمون للعمال والموظفين، وصغار الكسبة وعامة الباعة الجوالين، أصحاب السلطات على اختلافها وتنوعها، الذين يستغلون الوظائف لثني الناس عن مواقفهم، ويستخدمون الرواتب للي أعناق العباد وإذلالهم، ويضيقون على معارضيهم سبل العيش ويغلقون أمامهم أبواب الرزق، ويحاربونهم في أرزاقهم ويمنعون كسرة الخبز عن أطفالهم، أولئك جميعاً عقليتهم واحدة، ومنهجهم واحدٌ لا يتغير، وأدواتهم المستخدمة هي نفسها القديمة والجديدة، لا تتغير ولا تتبدل، ولكنها تتنوع وتتشكل.

إنهم عنجهيون مستبدون ظالمون، منبتون عن مجتمعهم، ومعزولون عن محيطهم، ومتكبرون على شعبهم، ومتسلطون على من يلونهم، بل إنهم مرضى النفوس، ومشوشو العقول ومشوهو التفكير، يعيشون في أبراجٍ عاجيةٍ، ومن علٍ بازدراءٍ ينظرون إلى شعوبهم، لا يهمهم عملهم، ولا يعنيهم رزقهم، ولا تشغلهم حاجتهم، ولا يقلقهم إن جاع أطفالهم أو مرضوا، أو إن هم ناموا في العراء أو هلكوا، فهذا أمرٌ لا يعنيهم ما دام أبناؤهم بخير، وجيوبهم عامرة، وسياراتهم فاخرة، وبيوتهم فارهة، ووظائفهم جاهزة، ومستقبلهم مضمون، وأسرهم تعيش بسلامٍ وتنام باطمئنانٍ، فلا تعاني من غولٍ ولا حاجةٍ، ولا تشكو من عوزٍ أو مجاعة، ولا يتهددها مبيتٌ في العراء أو سكنٌ سقفه السماء.

مغتصبو الحقوق والمعتدون على رواتب الموظفين وأجور العمال، لا يحكمهم عقل، ولا ينظم تفكيرهم منطق، ولا يضبط تصرفاتهم حكمةٌ، إنما ينطلقون في قراراتهم من السلطة التي بها يتغولون، والمناصب التي بها يتحكمون، والصلاحيات التي بها يتمتعون، والمال الذي به يشترون ويبيعون، ويصدرون قراراتهم معتمدين على القوة التي يملكون، ومستندين إلى التفرد الذي به يحكمون، ومطمئنين إلى الاستبداد الذي به يسوسون، إنهم لا يستندون إلى حق، ولا يعتمدون على قانون، ولا يحتكمون إلى سابقةٍ، إنما يمضون رغباتهم، وينفذون سياساتهم بقصد الإذلال والإهانة، والتجويع والتركيع، وليس هناك من يردعهم أو يعنفهم، ولا يوجد من يقوى على صدهم أو وضع حدٍ لهم، ولا يفكر أحدٌ بالثورة ضدهم أو الانقلاب عليهم، خوفاً ورهباً، أو طمعاً وأملاً، ولهذا يتجرأون وعلى مثل هذه القرارات الظالمة المجحفة يقدمون.

هذا الصنف من الناس لا يمكن مخاطبته بالعقل، أو تحريك مشاعره الإنسانية بلطيف الكلام ولين القول، أو استنفار ضميره واسنتهاض قيمه بالمعاني السامية والهمم العالية والكلمات الرقيقة، فهم لا يستجيبون ولا يسمعون، ولا يغيرون ولا يبدلون، فكأنما سدت آذانهم فأصابها الصمم، وعميت عيونهم وطمس على قلوبهم وماتت ضمائرهم، فلم يعودوا يرون حقاً غير ما يقولون، ولا يقبلون بنصحٍ غير ما يتوافق مع أهوائهم ويلتقي مع مصالحهم، والويل كل الويل لمن يخالف أمرهم، أو لا يصفق لقرارهم، ولا يحترم توجيهاتهم، إذ سيصيبه ما أصاب المحرومين، وستلحق به لعنة المطرودين من جنتهم، والمحرومين من نعيمهم.

أيها الظالمون الضالون، المفسدون المعتدون، المتغطرسون المتفاخرون، ألا فاعلموا أنه لا يجوز ولا بحالٍ من الأحوال أن نربط الحقوق بالولاءات، أو أن نرهن الرواتب بالميول والاتجاهات، أو أن نعاقب العامة بفعل الخاصة، إذ لا يحق أن نعاقب أسرنا ونحرم أبناء وطننا من حقوقهم، وأن نطردهم من وظائفهم، وأن نتركهم لغوائل الأيام تنهشهم، ولقسوة الظروف تلعنهم، إنكم بهذه الأعمال المشينة لا تختلفون عن عدوكم الغاصب لأرضنا، المحتل لأوطاننا، والمصادر لحقوقنا والسارق لممتلكاتنا، وهذا إذ نقاتله على ما انتهك من حقوقنا، ونحاربه على ما اقترف ضدنا، فإن أفعالكم لا تقل عن أفعاله جرماً وعدواناً، ولا تختلف عن سياسته ذلاً وهواناً، واعلموا أنه لا فرق أبداً بين من يجرد الإنسان من حقه وبين من يحتل أرضه، ولا بين من يحرم مواطناً من رزقه وبين من ينتهك حرمة مقدساته، فذاك مجرمٌ ظالمٌ ولكنه عدو، وهذا ظالمٌ مجرمٌ ولكنه أخٌ وشقيق، وقريبٌ ونسيب.

نؤكد أننا نعيش في ظرفٍ لا يحتمل أبداً هذه الإجراءات، ومجتمعٍ لا يقوى على تجرع هذه المظالم، فأوضاعنا استثنائية، وأحوالنا صعبة وقاسية، والحصار يخنقنا والعدو يقتلنا، والجوع ينهشنا، والضياع يلاحقنا، والبؤس يفتك بنا، والمرض لا يرحمنا، إلا أننا لسنا ضد القانون، ولا ندعو إلى استباحة المال العام، ولا نقبل بالهدر، ولا نرضى بالوظائف الوهمية، ولا بالرواتب المزدوجة، ولا نساهم في الفوضى، ولا نسكت عن الظلم والمحسوبية، ولكننا ندعو إلى العدل والرحمة، وإلى القانون والرأفة، ونثبت بوعيٍ ويقينٍ، وبفهمٍ واعتقادٍ، أن الرواتب حقوق فرديةٌ شخصيةٌ لا يحق لسلطةٍ أن تصادرها، ولا لهيئةٍ أن تحرم مستحقاً منها، ولا لمسؤولٍ أن يسيسها أو رب عملٍ أن يكيفها، وهي حقوق تبقى ولا تزول، وتحفظ وتصان، ولا تسقط بالتقادم ولا تنسى بمرور الأيام، ولا يسامح فيها صاحب حقٍ، ولا يغفر لمغتصبها رب الخلق وإله العالمين.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط