كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اغتيال الحريري وتغوّل ايران عبر العراق

اغتيال الحريري وتغوّل ايران عبر العراق

تاريخ النشر: 2021-02-16 | 16:08

علي شندب
علي شندب

منذ 16 عاما اغتيل رفيق الحريري. الرجل الذي استُولد دوره في كنف كواليس اتفاق الطائق. واستولدت زعامته السياسية بعد ترؤسه الحكومة في سياق مشروع إعادة إعمار بيروت. زعامة مرتكزة على وظيفة اقتصادية جديدة للبنان برعاية سعودية، سورية، فرنسية وأمريكية. زعامة جرفت في طريق تثبيت مرتكزاتها عدة بيوتات سياسية تقليدية سنّية وبالحد الأدنى همّشتها، لصالح الأخطبوط الحريري الذي مدّ أضلعه في كافة المناطق اللبنانية.

ومن لحظة اغتيال الحريري حتى اليوم، جرت مياه سياسية وأمنية كثيرة وكبيرة، استكملت ما بدأه الاغتيال الذي لم يغتال الرجل فحسب، وإنما اغتال خاصة المشروع الذي حمله الحريري الأب. وهو المشروع الذي فشلت في حمله الحريريتين البيولوجية والسياسية اللذين نالت منهما رياح الانشطار والتشظي.

فبروز بهاء الحريري الابن الأكبر لرفيق الحريري، عبّر بوضوح عن انقسام داخل الحريرية البيولوجية، وبالحد الأدنى عن سخط الشقيق الأكبر من أداء وتنازلات شقيقه الأصغر سعد الحريري. كما وعبّر عن اختلاف الموقف بينهما من منظومة الفساد والمال والسلطة والسلاح وناظمها حزب الله الذي يراه بهاء الحريري تنظيما ارهابيا، فيما سعد الحريري يتعاون مع الحزب في الحكومة وغيرها في اطار ما اصطلح على تسميته بربط النزاع. أما الحريرية السياسية فقد انشطرت بدورها الى حريرية ريفية هنا، ومشنوقية هناك.

بهذا المعنى فاغتيال الحريري وتشظّي الحريرية، مَذْهَبَ السنّة في لبنان، كما وحوّل هذه الطائفة المكسورة والجريحة الى أقلية مذهبية ولو كبيرة بعدما كانت أمّة. وعندما مَذْهَبوا السنّة سقطت العروبة في لبنان، وبتنا أمام معادلة تحالف الأقليات الحاكم من حلب شمالي سوريا، الى الناقورة جنوبي لبنان. وعلى هذا الأساس ينبغي النظر الى السياق الإستراتيجي الذي استوجب اغتيال الحريري وشطبه ومشروعه من المعادلة اللبنانية.

واتساقا مع لغة أو لعبة الأرقام والتواريخ سيّما تلك التي طبعت السمات الاستراتيجية منذ أكثر من عقدين مضيا، يتواصل عصف الزلازل بالمنطقة وتناسلها حتى اليوم انطلاقا من تفجير برجي التجارة الأمريكية في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 الذي هو بدون شك الزلزال الأب، ومن رحمه ولد الزلزال الابن في 9 نيسان/ ابريل 2003 والذي هو احتلال العراق وغزوه. رغم أن تحقيقات أحداث 11 ايلول لم تشِ بضلوع عراقي واحد.

ومن رحم الزلزال الابن ولد الزلزال الحفيد وهو اغتيال رفيق الحريري. وفيما توقع كثيرون أن تشكل معرفة الحقيقة في اغتيال الحريري الزلزال ابن الحفيد، فإن إدانة المحكمة الدولية للقيادي في حزب الله سليم عيّاش في اغتيال الحريري ورفاقه لم ترقى لمستوى الزلزال.

اذن هي الزلازل السياسية التي كان دويها الأكبر في العراق، حيث حكم التخادم الأميركي الإيراني المنطقة انطلاقا من لحظة الاحتلال المزدوج للعراق: الاحتلال العسكري الاميركي، والاحتلال الايراني المعنوي. وهو الاحتلال الذي ثبّت أهدافه واستهدافاته لعقود متوالية من خلال العملية السياسية التي فرض ممثل سلطات الاحتلال الاميركي بول بريمر عبرها تغيير الدستور العراقي بما يخدم أهداف الاحتلال وورثته في العملية السياسية. إنه التغيير القائم أولا على الاجتثاث. وثانيا، على التغيير الدينوغرافي والديموغرافي اللذين أصابا العراق مع ما يعني ذلك من تحويل أكثرية سنية الى أقلية، وتحويل أقلية شيعية الى أكثرية صنعها فائض القوة لدى الميليشيات الشيعية الوافدة على دبابات الاحتلال. انه فائض القوة الذي انعكس ايضا محاصصة طائفية في نسب توزيع مقاعد البرلمان العراقي من جهة، وفي مروحة تحالف الميليشيات الشيعية مع نظرائها من الأحزاب الكردية والإخوان المسلمين وواجهتهم الحزب الإسلامي العراقي من جهة أخرى.

وبالكلام عن الأكثرية والأقلية، نذكر بأن الولايات المتحدة والاعلام الدولي لطالما برّروا الحرب على العراق بحجة إضافية تقول: أن صدام حسين يضطهد الأقليتين الشيعية والكردية، فكيف تحوّلت الأقلية الشيعية الى أكثرية لولا فائض القوة الميليشاوية المسلّحة؟

وعلى غرار العراق الجديد، صاغت ايران وشاكت مشروعها العابر للعراق وانطلاقا منه في لبنان. ووفق تلك الصياغة الإيرانية لتمدّد النفوذ، كان لا بد من شطب رفيق الحريري بوصفه الزعيم الأبرز والأكبر لسنّة لبنان، والمعبر الأسطع عن النفوذ والحضور العربي فيه، كما وبوصفه الجدار العائق أمام تغوّل المشروع الايراني في لبنان، والندّ الطبيعي لحسن نصر الله الذي يستوجب تمدّد المشروع الايراني أن يكون بلا ند. كل هذه العناصر وغيرها استوجبت شطب رفيق الحريري من المعادلة لتصبح القدم الما فوق العليا في لبنان لايران عبر ذراعها الأقوى حزب الله.

ما تقدّم يعني أن ما أصاب لبنان لم يكن يستهدفه لذاته، فإصابته ليست إلا من الأعراض الجانبية لاحتلال العراق وغزوه من قبل الولايات المتحدة التي سلّمته لايران كي تفتعل فيه الأفاعيل. كما ان تغوّل ايران في اليمن عبر الحوثيين هو جرّاء الأعراض الجانبية إياها.

فلمن يتطلعون الى التوازن مع ايران في لبنان او اليمن وفي كامل المنطقة، نقول بأن مفتاح هذا التوازن يكمن أولاَ في استعادة العراق الذي جرى غزوه بناء على شبهة امتلاكه أسلحة دمار شامل، واقامة علاقات مع تنظيم القاعدة. انها الشبهة المتناقضة مع الاعترافات الايرانية، بل والتهديدات الابتزازية التي تطلقها طهران بشأن التخصيب النووي خلافا للاتفاق المعروف. وهي الشبهة المتناقضة مع الوقائع الإيرانية التي تقول بتخادم ايران مع تنظيم القاعدة واحتضانها لقادته ورموزه. وما اغتيال الموساد الإسرائيلي في طهران خلال شهر آب/ اغسطس الماضي لنائب أيمن الظواهري أبو محمد المصري وابنته مريم إلا غيض من فيض التخادم الإيراني القاعدي.

اذن، اغتيال الحريري هو حلقة في سلسلة حلقات تطلبها المشروع الايراني الذي تمكن وبدهاء منقطع النظير من اختراق البلاد العربية وبناء هياكله وميليشياته فيها من أبناء البلدان المستهدفة ليصبحوا سلطة موازية ومتجاوزة لدول تلك البلدان، كما الحال في العراق حيث الحشد الولائي، وفي لبنان حيث حزب الله، وفي اليمن حيث الحوثيين، وفي سوريا حيث الميليشيات الكثيرة التي يديرها الحرس الثوري. اختراق توسّلت ايران لأجله الاستثمار على  المذهب والتشيّع هنا، وتحرير فلسطين وتدمير اسرائيل خلال 7 دقائق ونصف هناك، ومواجهة الشيطان الأكبر والهتاف بالموت لأمريكا عند اللزوم هنالك.

خلاصة القول ان المشروع الإيراني الذي يريد استعادة الامبراطورية الفارسية واقعا ملموسا، هو المشروع الذي لا يمكن مواجهته بالصراخ وبعض الحرتقات، بل بمشروع عربي نهضوي حقيقي، يمنع شطب العرب من التاريخ بعدما شُطبوا من بعض الجغرافيا، ويكون العراق مربط فرس العرب ما قبل الأول.

وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط