كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إغلاق الأنفاق: خطوة في المسار الصحيح

قد يثير عنوان المقال جدلا ومعارضة. فكيف ندعي أن إغلاق الأنفاق على الحدود بين قطاع غزة ومصر خطوة في المسار الصحيح، وهي التي يتصور الكثيرون أنها شريان يضمن استمرار الحياة في القطاع المحاصر؟

للتذكير فان ظاهرة وجود الأنفاق التي انتشرت غداة الحصار الكبير لقطاع غزة في منتصف 2007، إنما وجدت بتدبير تجار ومهربين استغلالا لوضع صعب توقفت فيه، فجأة، معظم إمدادات السلع والمواد الخام عبر المعابر التي تربط القطاع بإسرائيل. فكانت تلك فرصة ثمينة ونادرة لتحقيق الربح السريع والثراء المريح، لتوفير السلع التي منعت من خلال التهريب عبر الأنفاق. وللتذكير أيضا، فان السلع الأساسية اللازمة والضرورية ظلت تمر عبر المعابر الرسمية، ردا على من يدعي أن الأنفاق وجدت لتوفير حليب الأطفال والغذاء والدواء!

يتضح إذن، أن حفر الأنفاق وبداية عمليات التهريب منذ ذلك التاريخ وطوال ستة أعوام خلت، لم يكن خيارا أو قرارا وطنيا يحظى بإجماع القوى والفصائل الفلسطينية، بل هو توجه تجاري بحت، ليس له علاقة بكسر الحصار، هذا إذا لم يكن قد أكده وأطال عمره. وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن التهريب أسفر عن ظهور طبقة جديدة تقدر بحوالي 600 مليونير جراء التربح السريع والفاحش من التهريب لصالح تجار ومحتكرين، وذلك خلال عامي 2008،2009 فقط، في الوقت الذي تجاوزت فيه معدلات الفقر 40% من الأفراد داخل قطاع غزة خلال هذين العامين.

ويمكن تعزيز وجهة نظرنا، بعد هذه المقدمة، في أن إغلاق الأنفاق ضرورة وطنية وخطوة سليمة نحو تصحيح المسار الاقتصادي، وإعادة البوصلة باتجاه الاحتلال، باستعراض النقاط الآتية:

-        إن التوجه نحو حفر الأنفاق لتهريب البضائع وتوفيرها، كحل للحصار، قد أعفى سلطات الاحتلال من مسئوليتها تجاه القطاع، الذي يعتبر محتلا حتى تاريخه، وفقا للقانون الدولي. فخروج قوات الاحتلال من القطاع في أغسطس 2005، كان عملية خبيثة لإعادة تموضع قوات الاحتلال وبما يضمن لإسرائيل استمرار السيطرة على القطاع وبتكلفة أقل كثيرا من البقاء داخله. فها هي قوات الاحتلال ما زالت رابضة على تخوم القطاع الشرقية والشمالية والغربية ( بحرا). بل وأنشأت منطقة عازلة على امتداد الحدود البرية الشمالية والشرقية للقطاع بعمق يتراوح بين 500- 1000 متر، يمنع بموجبها المزارعون من الوصول إلى أراضيهم الواقعة ضمن هذه المنطقة. ومن ثم كان الرد الصحيح والأنسب، على الحصار الإسرائيلي، هو القيام بحملة دولية وإقليمية شعبية ومؤسساتية قانونية واعية، مستمرة ومتصاعدة ، وفي إطار هذا التعاطف الشعبي العالمي، لإرغام الاحتلال على إنهاء الحصار وإعادة فتح المعابر بموجب الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وهو ما لم يتم.

-        إن تعزيز التهريب من خلال الأنفاق، وزيادة أعدادها وتنوعها طولا وعرضا وارتفاعا، بل وتخصصها للأفراد أو البضائع حسب النوع والشكل، قد صاحبه تشجيع من المسئولين في غزة، تطور إلى المطالبة بفتح الحدود والمعبر التجاري وإنشاء منطقة حرة والتوجه بقوة جنوبا باتجاه مصر، وكل ذلك في ظل الانقسام، الأمر الذي ينطوي على مضامين سياسية تضر بالمصلحة الوطنية، وتتماهى مع أهداف الاحتلال في دفع القطاع باتجاه مصر في محاولة سياسية إستراتيجية للتخلص من مسئولية الاحتلال عن قطاع غزة. للتوضيح فان العلاقة مع مصر الشقيقة هي مطلب استراتيجي شعبي ورسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولكن في ظل حكومة وطنية واحدة، وفي إطار الاتفاقيات الموقعة بين السلطة ومصر.

-        ترتب على الاعتماد على التهريب من الأنفاق التي أغرقت القطاع ببضائع قد لا تخضع للرقابة الصحية والوقائية والتجارية، تشوه في النظام التجاري ونمط الأسعار الذي كان سائدا طوال سنوات، باتجاه خلق آليات وأعراف وتعاقدات وأطراف، بل ومفردات ومسميات جديدة، لم تخدم إلا التجار والمحتكرين، الذين أشبعوا الطلب السوقي بسلع ذات جودة متدنية وأسعار مرتفعة، حيث وصل معدل التضخم عام 2008 – ذروة عمل الأنفاق- إلى 15%، في ظل معدلات بطالة تجاوزت الخمسين بالمائة.

-        لا يمكن بأي حال التعامل مع التهريب وكأنه تجارة خارجية من المتوقع أن تؤثر ايجابيا على النمو الاقتصادي والبطالة. فرغم ضخامة حجم التهريب والذي تراوحت قيمته بين 800 مليون إلى مليار دولار سنويا (إحصاءات غير رسمية)، إلا أن معدلات النمو ظلت سالبة طوال الفترة 2008-2010، وتزايدت معدلات البطالة والفقر وتفاقمت أزمة السيولة، وتأثرت المؤسسات المالية والمصرفية سلبا، وتعاظم تأثير الاقتصاد غير الرسمي والخفي وما ترتب على ذلك من انتشار ظاهرة غسيل الأموال، وتعذر الحصول على إحصاءات رسمية عن الأنشطة الاقتصادية في القطاع. ولم توفر الأنفاق حلولا ناجعة – وما كان ينبغي لها أن توفر- للمستثمرين والمصانع والمزارع التي توقفت نتيجة توقف إمدادات المواد الخام والمتطلبات اللازمة لاستمرار العملية الإنتاجية. ناهيك عن المضار الاجتماعية التي برزت نتيجة اتساع عمليات تهريب الممنوعات.

-        كل الدلائل كانت تشير إلى أن هذا الوضع، مهما طال الزمن، يمثل حالة استثنائية مرتبطة بالانقسام وتداعياته. وهي حالة ستنتهي حتما في ظروف محددة، لم يكن احد يتوقع موعدها على وجه اليقين، أو يستطلع مداها الذي ستصل إليه تحديدا. وها نحن اليوم نقف على أعتابها بعد إغلاق معظم الأنفاق. حيث بدأت مواد البناء وإمدادات الوقود في التدفق عبر معبر كرم أبو سالم، وللعلم فقط، هناك العديد من السلع التي كان من الممكن أن يستوردها التجار عبر كرم ابوسالم منذ تخفيف الحصار منتصف 2010، إلا أن انخفاض أسعار هذه السلع في مصر ( بسبب الدعم) دفع باتجاه جلبها من الأنفاق. وقد يقول قائل أن هذا الوضع يشكل عودة إلى تحكم الاحتلال وسيطرته. ورغم سذاجة القول وسطحية الادعاء، إلا أنني لست في حاجة للتأكيد على أن سيطرة الاحتلال استمرت وبكل أشكالها، للأسف، طوال فترة الانقسام وما زالت. إن الوضع القانوني المتشكل على ارض الواقع هو أننا نخضع للاحتلال ونعيش في ظل ممارساته، ولكننا نسعى للتخلص منه بكل إشكال النضال والكفاح، ولا بد أن يكون ذلك في ظل سلطة وطنية واحدة، وقيادة واحدة وبرنامج وطني واحد نحو دولة فلسطينية عتيدة.

من نافلة القول أن السلع المهربة ساعدت على تخفيف وطأة الحصار وشدته، إلا أنها تمت بتكلفة سياسية واقتصادية عالية، وارتبط اسم قطاع غزة صاحب الانتفاضات والمواجهات مع الاحتلال، بأنفاق التهريب وثقافتها. إننا لا نسعى لتوفير سلع استهلاكية تغطي احتياجات الناس، بل نسعى لبناء اقتصاد ومؤسسات توجها نحو الدولة.

في ظل هذه التداعيات القاسية والخطيرة التي نعيشها في القطاع، ليس أمامنا بدائل، ولا نملك الوقت اللازم والكافي لكي نمارس ترف الاختيار ورفاهية المراهنة على تغيرات قد تحدث هنا أو هناك، فإما أن نتجاوز محنة الانقسام التي تطاول عهدها وصولا إلى نعمة المصالحة والوحدة الوطنية، أو نستمر في التردي نحو مجهول يصعب التكهن بطبيعته ومآلاته.

– باحث ومحاضر في الاقتصاد

[email protected]

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط